بالنسبة إلى وجوه التعلق البلاغي القائم بين المرسل النص والمرسل إليه النص، فإن النقاد العرب القدامى قد شرعوا في صياغة فرضياتهم للمقام استنادا إلى المؤشرات التي تشكل بنية الغرض الشعري فلكل غرض شعري أسلوب تطابقه بنيته ووظيفته، وفي حدود هذا التطابق يصبح الأسلوب خاصاً، بمعنى أنه أسلوب يحمل قصدا يشبه هذه المقاصد أو تلك الخاصة بغرض شعري معين، حيث إن التعرف على قصدية الغرض هو التعرف على العلاقة القائمة بين الصفة والموصوف وبين أساليب شعرية متداولة بناء على خاصية الاختصاص التي تميز أحد الأغراض عن آخر، وتميز كذلك الشعر عن النثر، فأساليب الشعر مثلا تناسبها اللوذعية، وخلط الجد بالهزل والإطناب في الأوصاف وضرب الأمثال، وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو لذلك كله ضرورة في الخطاب.
ونحن لا نستطيع أن نفكر في هذا الغرض أو ذاك، إلا حينما تكون للغرض علاقات مع هذا النوع من الشعر أو ذاك، وحينما تتوفر للمرسل والمرسل إليه المعرفة بهذه العلاقات وجب أن يقدم غرض النسيب بين يدي الأغراض الشعرية داخل القصيدة ولا يقدم داخل الرسالة أو الخطبة، وليس بالغريب أن يكون اختصاص غرض النسيب بمقدمات القصيدة الشعرية اختصاصا خاصا بجنس ويفترض مثل هذا الاختصاص تأسيسه على معيار وظيفي، مفاده حسن التأتي والسياسة، وعلم مقاصد القول، ولا يحتمل الغرض الشعري الواحد غير دور وظيفي واحد، يتحدد بوساطة أوصاف كلية يتم النظر من خلالها إلى المرسل إليه في الخطاب الشعري من زاوتين:
١- فهو مرسل إليه حقيقي، وهو القاعدة التي يجب أن تسند إليها مختلف التأويلات التي تخص الغرض الشعري، ولهذا الإسناد أهميته في ترتيب نمط من الصفات المشتركة التي لا تخرج عن مجال الانتماء الاجتماعي والطبقي للمرسل إليه وفحصها في ضوء الرؤية الواقعية لعدد مطرد من الخصال التي يؤسس ثباتها أوصافا موجبة على الإطلاق للموصوف، فلا يمدح الملك بصفات خساس الجند أو ولاة الثغور، واللئيم البخيل.
٢- وهو مرسل إليه افتراضي عندما يخلط الشاعر الباطل بالحق ويشيب الكذب بالصدق فيقول في الممدوح فوق ما كان فيه، ويقرضه بما ليس له بأهل، فليس ثمة علاقة مباشرة بين الصفات الواقعية والصفات الخيالية وستكون مهمة القارئ في المعاني الكامنة بين طريقة في التعبير والمرسل إليه الافتراضي، ومن الواضح أن المعنى الكامن الكلي لا يستوفى إلا من خلال البحث عن مرسل إليه يتم الاستدلال عليه من خلال صلة مرسل إليه حقيقي مرسل إليه افتراضي، وتفترض مثل هذه الصلة نسق من القيم الاجتماعية تضمن التواصل عبر مقولة أن أمدح المدح ما يكون بالتفضيل.
لا تصطدم محاولة معرفة الطبيعة الحقيقية للمرسل إليه داخل الخطاب الشعري بمصاعب تذكر، حيث المرسل إليه ليس سوى المرسل إليه الافتراضي والمرسل إليه الحقيقي في آن ويبقى الاختلاف بينهما هو اختلاف في درجة إشباع الصفة في حالتي المدح والهجاء، أي ليس بينهما سوى ما تفرزه طرائق احتواء تصنيفات تجسدها حدود صفات مطلقة من حيث إنه ليس شيء إلا وله وجهان وطرفان وطريقان، فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذموا ذكروا أقبح الوجهين.
ويقود اقتفاء أثر القصد على مستوى وجه من الوجهين إلى تبين أثر معاني الأغراض الشعرية في الاستجابة الجمالية، فهي تمثل نوعاً من المراوغة الخيالية لواقع ما، دون أن يكون الخيال مناقضا لحجة هذا الواقع. فالواقع يمثل أمام الشاعر خلفية مرجعية ذات علاقة بمراتب البلاغة التي تحول هذا الواقع إلى مجرد خيال، وتحول في آن الخيال إلى مجرد واقع، أي باعتبارهما مجال توظيف بلاغي وواسطة يحتج بها الشاعر للمذموم حتى يخرجه في معرض المحمود، وللمحمود حتى يصيره في صورة المذموم، ومن هنا تصبح علاقة العمل الشعري والقارئ السامع تحمل طابعا غائيا تفترضها مخيلة متلق يبحث عن موصوف غير منفصل عن الدرجة القصوى للصفة، بحيث يكون السمو بها غاية لا يقتنع فيها الشاعر بدون النهاية، وإن أتي الشاعر بمعنى قد قصر فيه لا يعذره ناقده، ولا يقول: عمله على قدر الممدوح.
ليس لنا أن نفصل في بقية الأغراض الشعرية، ذلك أنه من الحقائق السائدة الكامنة فيما هو مرسل إليه حقيقي هو أنموذج يتوجب البحث عنه من خلال مسلك علاقة عرفية اجتماعية، فالمرسل إليه مثلاً داخل غرض الغزل كان يشار إليه صريحا مرة، أو يُذكر تلميحا، ويكون مجال تصويره أحداثا حقيقية وأشخاص حقيقيين ويجعلها الشاعر منطلق تواصل مع مرسل إليه افتراضي من حيث هو تواصل يعتمد كقاعدة قياس درجة تأثير الشاعر في المتلقي، ذلك أن المحسن من الشعراء هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر.
6- المعرفة المشتركة بين المرسل والمرسل إليه: إن الاختيار الذي نعرضه لعناصر الموقف التواصلي الأدبي هو اختيار بين رؤيتين ليستا للنص المرسل، وإنما للمرسل النص المرسل إليه.
في الرؤية الأولى يجب التأكيد على ثوابت مكونات الجنس الأدبي ووظيفته، من تصور قاعدي نجد فيه أن مقام الكتابة من حيث كون كل كاتب يتصور مهمته حسب ثقافته الأدبية الخاصة.
وفي الرؤية الثانية لا تفسر مجمل تصورات بلاغة نقد للشعر أو النثر إلا بموقعها من طريقة في إسناد النماذج الأساسية للوحدة الكلية للخطاب إلى قواعد بلاغية كلية أولت عناية خاصة بمقتضى الحال التي أنتجت في البلاغة العربية المقولة الشهيرة في البلاغة العربية لكل مقام مقال، والتي بلغت أقصى تحققها من هذه العناية في نصوص تطبيقية عرفت بانتمائها إلى الخطابة والترسل، وأخري يدرجها النقاد القدامى ضمن مكونات الغرض الشعري.
وحول هاتين الرؤيتين تتحدد نسبة التشاكل والاختلاف بين الشعر والنثر وإليهما تسند قوانين النص وحدوده وضوابطه إن جهة بلاغة النص وجهة قصد المؤلف أو جهة بلاغة النص وجهة قصده من زاوية تلقيه إليه، وسنقوم بإعادة بناء هذا الربط على نسق من العلاقة بين ركني الخطاب أخذت عند الجاحظ ترتيباً عمودياً قال: كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا، ويفيد هذا التقسيم أن صياغة نظام متدرج المستويات الكلام قادر على تحقيق هدفه في التأثير والإقناع يجب أن يستند في الأساس، إلى معرفة صحيحة بمستويات المستمعين اللغوية والبلاغية وربما الإدراكية ويبرر ذلك منظورات ثلاثة هي
أ- منظور تعاقبي يتم التدليل بوساطته على مجمل الأساليب التي تكلمت بها العرب وتمادحت وتعايبت.
ب- منظور يتم التدليل عليه بوساطة تجليات أسلوبية هي صفات كلام، وهذه الصفات التي لم تكن في البلاغة العربية سوى الموازي الصريح لكلام العرب، وهذا الكلام على نوعين منظوم و منثور ولكل منهما ثلاث طبقات جيدة، ومتوسطة وردينة.
ج- منظور ثالث يتم التدليل عليه من خلال الاختلافات المعرفية النوعية التي أقرتها البلاغة العربية بين العامة والخاصة وخاصة الخاصة سئل الكندي عن البلاغة فقال: ركنها اللفظ، وهو على ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع تعرفه وتتكلم به، ونوع تعرفه ولا تتكلم به، وهو أحمدها.
تقود فكرة تعميم درجات من المعرفة بأنواع الخطابات ليستغرق علاقة صحيحة مع البلاغة، إلى افتراض إخراج اللاأدب من نظام هذه الرتب والاحتفاظ بالنصوص الموسومة أدبية في المؤسسات العربية، ومجالس الخلفاء، والأسواق، والمساجد، والنوادي، والمصادر الأدبية، والنقد الأدبي، ويقود الأخذ بأحدى العلاقتين طبقات الكلام أو بلاغة الكلام بتشكيل تصور خاص عن طبيعة النصوص الموصوفة أدبية في مقابل النصوص اللاأدبية، وأداتها معرفة علوم أولية تمكنها إذا استبعدنا من البلاغة وجوها غير لغوية كالسكوت والاستماع والإشارة من بناء أنساق من المستويات اللغوية تجسد نصوصا أدبية متداولة، منها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون خطباً، ومنها ما يكون رسائل، فغاية هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة.
ويسمح الإمكان لغة + بلاغة بتكوين الخلفية المعجمية والتركيبية الكامنة خلف هذا التداول، وهذه العلاقة يفرضها بشكل قسري، في صورة علاقة مألوفة ومتوقعة، وإذاً إن الأمر يتعلق بتراكمات نصية تؤكد الاعتقاد الشائع أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، وهي تفسر في أن أسلوب في الإحالة على درجات لغوية متفاوتة أدبية وغير أدبية، فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، وفلم ذكروا العيي والكي، والحصر، والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدق والمتفيهق، والمهمار، ولو أن هذه الأمور قد كانت قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمى ذلك البعض البعض الآخر بهذه الأسماء، ويعني ذلك أن مقولة الحد بين الأدب واللاأدب تكون قد اكتسبت قدراً كبيراً من الأهمية، وهي وإن لم تكن كذلك في تحديد الاختلاف بين المستويات اللغوية بتفاصيلها، فقد كانت كذلك من أجل التمييز بين ما هو شعر وما هو نثر.