بسم الله الرحمن الرحيم، الحَمدُ للهِ رب العالمين وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، أَمَّا بَعْدُ: فمنذ المرحلة الجامعية الأخيرة وأنا أتطلع إلى آفاق الشعر المعاصر وأحدث نفسي باستشراف عوالمه وكنت حينها أتابع عن كتب ما ينشر في الصحف والمجلات وما يُصدره الشعراء من مختلف الأقطار العربية بين الحين والآخر.
وبعد أن اطمأننت إلى ما في حوزتي من موروث امتلأت رغبة وفضولا، فتأهبت وأعددت العُدَّة وشرعت أجمع ما أراه صالحاً للبحث والمناقشة فتوفرت من ذلك على الشيء الكثير وكان من بين ما توفرت عليه بضع قصائد للشاعر عبدالله شرف الذي سبق لي أن اطلعت على منشوره في المحلات المحلية وكنت حينها على علم بعاهته ومعاناته، وكان مما زادني به تعلقاً الدكتور حسين على محمد الذي كان يحدثنا عن إبداعه ومعاناته في قاعات الدرس.
فعدت إليه أستشيره، فشجعني أنما تشجيع بعد أن تحقق لديه ولدي أن الشاعر لم يدرس دراسة وافية ولم يسبق لأحد أن اختاره موضوعاً لبحث علمي فهياً لي مشكوراً ما لديه من دواوين، كما يسر لي سبل الحصول على المزيد من شعره.
وبعد أن ووفق على الموضوع جمعت شتات شعره من المحلات العربية ثم اقتضى الحال أن أشد الرحال إلى مسقط رأسه في صيف: ١٤١٩هـ، وربيع: ١٤٢٠هـ، فالتقيت بابن الشاعر الأكبر، محمود ووحدت منه تعاوناً وأريحية، فزودني بباقي دواوين والده وخصني أيضاً بثلاث مجموعات من مخطوطه لم ينشر منها غير اليسير كما مكنني من الاطلاع على ما لديه من دراسات حول والده، والإفادة منها.
وقد نهجت في البحث نهجاً يمزج بين الطريقة المسحية، والطريقة الوصفية، وذلك لأحيط بشعره من جميع جوانبه، وبخاصة أن مقدار شعره قابل للمزج بين الطريقتين.
فابتدأت الدراسة بتمهيد شمل حياته، متناولاً أثناء ذلك نشأته ومكوناته الثقافية و مبرزاً آثاره الأدبية من منشور ومخطوط ثم عرضتُ لأهم أحداث عصره السياسية و متغيراته الاجتماعية، غير متناس الحياة الفكرية والثقافية التي مر بها عصره وبخاصة ما كان ذا تأثير في مسيرته الإبداعية.
وافتتحت الفصل الأول بدراسة موضوعية لاتجاهات شعره الوجداني الذي غلب على مجمل شعره وقد تناولت في هذا المبحث شعر الغزل والحنين والشكوى كما حظي شعره التأملي بنصيب وافر من مجموع شعره وقد رأيت أن أفرده في جزئيتين، الأولى تتناول تأمله المجرد والثانية تتناول تأمله الأكثر عمقاً، وهو ما وصفته بالتأمل الفلسفي وفي شعره الاجتماعي عرضت لقضايا إصلاح المجتمع وانتقاد مظاهره الخاطئة، كما عرضت لشعره الإخواني بما تضمنه من رسائل شعرية ووداعيات ولم أغفل أثناء ذلك مراثيه التي خص بها رموزاً فكرية أو اجتماعية ودرست من شعره السياسي ما من واقع أمته الإسلامية وما صور قضاياها الزمانية والمكانية أما شعره الديني والوطني فرأيت أن أفرده في مبحث الموضوعات الأخرى لقلة شعره فيهما.
وكان الفصل الثاني خاصاً بالدراسة الفنية، فابتدأت بالمضمون متناولاً تجربته الشعرية بدلالتيها الموضوعية والفنية ثم الأفكار والمعاني وما يندرج تحتها من مصادر، ثم عرضت المعاني شعره بين التقليد والتجديد والوضوح والغموض وابتدأت الشكل بدراسة الألفاظ والتراكيب منتهجاً معها النهج السابق، ولكن بتوسع أقل وذلك لكون الشاعر ممن عني بالمعنى أكثر من اللفظ وافتتحت مبحث بناء القصيدة بدراسة الوحدة العضوية ثم تناولت مطالع قصائده فمستوى القصائد طولاً وقصراً، واختتمت المبحث بدراسة خواتيم قصائده أما مبحث الصور الفنية فقد بسطت القول فيه نظراً إلى حفاوة الشاعر بالتصوير، وقد ابتدأت بدراسة صوره البيانية مستقلة بتشبيهاتها واستعاراتها ثم درست صورة دراسة شعورية حديثة تناولت الصور الرمزية بدلالتيها الجامدة والحية كما تناولت صوره المتنامية المتحركة غير منفصمة عن صوره البيانية ولم يقل مبحث الموسيقا عن سابقه فقد توسعت فيه متناولاً ما اعتاد عليه الدارسون فدرست الموسيقا الخارجية بأوزانها وقوافيها، ثم درست الإيقاعات الداخلية.
أما الفصل الأخير فكان موازنة بين الشاعر عبدالله شرف والشاعر بدر بدير اللذين جمعتهما ملامح موضوعية وفنية متقاربة فَمَهدت للموازنة، وشملت طرفها الجديد بترجمة موجزة ثم عرضتُ إلى دواعي الموازنة بين الشاعرين بعد ذلك وازنت بينهما موازنة موضوعية وفنية من خلال العناصر السالفة في الفصلين السابقين ثم ختمت الفصل بتقييم شعر عبدالله شرف محدداً مكانته بين شعراء عصره، وعارضاً آراء النقاد والدارسين في شعره.
وختمت البحث بما توصلت إليه من نتائج وتوصيات، ووضعت بعد ذلك ثبتاً بالمصادر والمراجع وفهرساً للموضوعات.
وقد التزمت بترجمة موجزة لجميع الأعلام الوارد ذكرهم في تضاعيف البحث كما حرصت كل الحرص على ضبط الأبيات بالشكل وشرح غريب ألفاظها.
ولا يسعني بعد هذا الجهد إلا أن أقدم شكري إلى والدي الكريمين اللذين غرسا في روح الجد والمثابرة وأذكيا في حدوة التطلعات متابعين إياي بالنصح والإرشاد والدعوات الصادقة، فأسأل الله أن يجزيهما عني خير الجزاء وأن يعينني على أداء أيسر حقوقهما.
وأشكر كلية اللغة العربية في الرياض، إذ وفرت لي سبل البحث داخل الوطن وخارجه وأخص أساتذة قسم الأدب بوافر الشكر والتقدير لما أولوه من عناية واهتمام وتوجيه وإرشاد.
كما أزجي بالغ الشكر وعظيم الامتنان للمشرف على البحث الدكتور حسين علي محمد الذي خصني بوافر حرصه وصادق توجيهه وطويل صبره ولن تفوتني الإشادة بنيل خلقه ومطلق ثقته، إذ لم يلزمني برأي ولم يحمل على مخالفتي إياه بل ترك لي فيما يحتمل الخلاف مطلق الخيار.
وقبل هذا وبعده أتوج شكري بشكر الله عز وجل، إذ وفقني لإتمام البحث ويسر لي أسبابه، وأسأله سبحانه أن يتم عونه وتوفيقه لينفعني بما علمت، ويكتب لي أجر ما عملت، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
التمهيد : حياة الشاعر وعصره؟
حياته تشمل:
- نشأته ومكوناته الثقافية.
- آثاره الأدبية.
عصره يشمل:
- الحالة السياسية والاجتماعية.
- الحالة الفكرية والثقافية.
أولاً : حياته؟
1. نشأته ومكوناته الثقافية؟
أ- ولادته : ولد في قرية صناديد التابعة لمحافظة الغربية الواقعة في قلب دلتا النيل ولد الشاعر عبدالله السيد شرف يوم الإثنين ١٣٦٣/١١/٢١هـ - ١٩٤٤/١١/٦م لأب عالم، وأم مربية حرصاً على تنشئته مع إخوته تنشئة ريفية صالحة.
ب- تعليمه : تعلم في تلك القرية الريفية تلقى تعليمه الابتدائي على يدي والده الأزهري الذي كان يعمل أستاذاً للتفسير في جامعة الأزهر، ولما أتم حفظ كتاب الله ألحقه أبوه بمعهد طنطا الديني الذي حصل منه على الثانوية الأزهرية عام ۱۳۹۱هـ - ۱۹۷۱م وهو في السابعة والعشرين من عمره، وفي جامعة الأزهر التحق بكلية التجارة وتخرج فيها عام ١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م وهو في الثالثة والثلاثين.
وكان السبب المباشر في تأخره الدراسي إصابته بمرض ضمور العضلات الذي أصاب أخاه من قبل، وآخرين من أفراد أسرته مما كان له بالغ الأثر في تعثر مسيرته التعليمية.
ومع ذلك لم يقف عبدالله عند هذا الحد من التعليم، فأخوه الأكبر لديه مكتبة هائلة تحتوي العديد من المؤلفات في شتى المجالات بالإضافة إلى مكتبة والده، وقد هيأت المكتبتان للشاعر حواً علمياً ساعد في تنويع ثقافاته.
ج- انطلاقاته الأدبية : ما جاوز الشاعر خطوته الأولى على يدي والده حتى أحس من نفسه كما أحس منه دووه ميولاً جادة نحو الاطلاع والمعرفة فأخذ يقرأ كل ما تقع عليه يده بداية من مجلات الأطفال وما تلا تلك المرحلة من اطلاع شبه شامل على ما تضمنته مكتبتا أبيه وأخيه من مصنفات دينية وأدبية وتاريخية رسخت فيه جذور القارئ المدرك لتراث أمته حتى إذا اتسعت ثقافاته، وتنوعت معارفه واكتشف أن في داخله ذاتاً شاعرة قرأ جميع ما ضمته المكتبتان من دواوين، وكان أثناء ذلك يتخذ لنفسه كراريس خاصة يدون فيها ما يعجبه مما يقع عليه.
وكانت بداياته الشعرية كغيرها من البدايات الكثيرة التي تفتقر إلى أوليات النظم والإبداع فقرر دراسة العروض، حتى إذا أجاده وجه طاقته لتطوير إبداعه ليخرج من دائرة الرومانسية والذاتية التي خطها لنفسه بادئ الأمر، ليشب بعد ذلك وثبة نقلته عصوراً وحطت به على دواوين شعراء معاصرين كبار كان لهم أثر واضح في تنوع توجهاته الشعرية.
وانطلاقاته الأولى منبرية حيث اتخذ من قصر الثقافة بطنطا منبراً محلياً يبث من خلاله إبداعاته وتجاربه عبر الأمسيات الشعرية والمهرجانات التي كانت تنتظره عند كل مناسبة ولم يكن في تلك المدة ينشر شيئاً من قصائده حتى فوجئ بإحداها منشورة في مجلة، الهلال باسم أحد زملائه.
لأجل ذلك شجعه بعض أصحابه على النشر ليظهر نفسه، وليثبت حقه في شعره فأخذوا بيده إلى أفق أرحب وكان ذلك عام : ١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م.
واستطاع بعد ذلك بث قصائده في شتى الصحف والمجلات المصرية والعربية، حتى إن بعض شعره ترجم إلى اللغة الإنجليزية.