سلامة النوايا؟
لا يتعلق الأمر بطريقة المباشرة التي عمدت نحوها الولايات المتحدة المواجهة مثل هذا التحدي، بل إن القضية هنا وبهذا الشمول الذي يطغى على العالم غدت مسألة تخص الأبعد والأقرب والأغنى والأفقر والصديق والعدو حتى إن الحديث عن ترسيمة جديدة لواقع العلاقات الدولية لم يعد من التهويلات أو المبالغات، بل إن الترسيمة الأمريكية ذات القطب الواحد باتت تظهر في طريقة شديدة المباشرة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها.
وبالوقوف على حسبة الحقل والبيدر نجد النتائج وقد أضحت في جانب المصلحة الأمريكية فحصاد القوة والاستتباع المستند على شرعية الضحية التي تم ترسيمها في مشهد عالمي غير مسبوق تم من خلاله تحريك العواطف والغرائز من خلال المطالعة المباشرة الموجهة إلى العالم أجمع.
بتقديم سلامة النوايا يكون الحديث عن هذا الحدث الإرهابي وطريقة تحديد الاتهام الذي تمت فيه والذي لا يغيب مجال الإيحاء فيه حول الجاهزية والترصد للإسلام، فيما يحضر السؤال الملتاع حول هذه المجانية المفرطة من الاعتراف الشديد المباشرة الصادر من قبل الجهة المديرة وكأن الأمر يتعلق بمواجهة قوامها الاستدراج والتحدي الذي تغيب فيه الفكرة الأصل وبتعداد ملامح الوهن يكون الوقوف على جملة من المعطيات المتعلقة بتفصيلات الحدث والتي تظهر وكأنها تقوم باستعداء العالم ضد الإسلام وتجييشه.
ومن هنا يتساءل الإنسان في مختلف بقاع الأرض حول الجدوى والغاية المتعلقة باستهداف الأماكن المدنية وقتل الناس العزل والأبرياء من دون وجه حق أو حتى اختيار ولماذا تكون النهاية في هذا الحرق والموت والخراب الذي يتكامل في صورة شديدة البشاعة والمقت.
الحديث عن رفض المؤامرة التي تستهدف الأمة بات الموضوع الأكثر قبولاً وارتياحاً في ساحة الفكر العربي، انطلاقاً من أهمية التأسيس على الاستقراء الدقيق والواضح لملامح العلاقات والأنساق الفاعلة في الواقع إلا أن طبيعة التداول السياسي الصادر عن الآخر يكشف عن عمق التآمر الصادر من قبل الغرب إن كان في مجال فرض الهيمنة والسيطرة المباشرة الذي يكشف عنه مرحلة الاستعمار أو في طريق الاقتطاع الخارجة عن السياق التاريخي في اغتصاب أرض فلسطين والمباركة الصادرة عن الغرب نحو الصهيونية العالمية.
المرجعيات الاتصالية؟
في لوثة البحث عن الدور سقط العرب المسلمون في فخ الترويج والإعلان لاستتباعات الموجه الغربي والأميركي تحديداً وهكذا وقعت قناة الجزيرة الفضائية بسلامة نية ربما في توجيه أسهم الاتهام المباشر إلى جهة إسلامية شديدة التحديد واضحة القسمات بالصوت والصورة وأرقى التقنيات الرقمية الاتصالية، وتحت عنوان خاص بالجزيرة انتفخت الأوداج وحل الزهو والانتصار بهذا السبق الإعلامي الذي عجزت عن تحقيقه كبريات الفضائيات العالمية العملاقة حتى ليكون السؤال البريء والبسيط حول هذا العجز الذي حل بالمؤسسة الإعلامية الغربية بكل ما تملكه من إمكانات بإزاء هذا الانتصار الباهر الذي توصل إليه العرب المسلمون ألا يتعلق هذا الأمر باستدراج علني قوامه الحصول على اعتراف صريح وواضح من قبل ابن لادن والقاعدة بتنفيذ هذا العمل ومن خلال وعاء عربي وإسلامي لتوكيد المصداقية وقطع الشك باليقين أمام التساؤلات الحائرة التي أطلقها العالم بكل حدة وذهول وقلق فيما تبقى الأسئلة التي تعاني من الاضطراب والمزيد من الارتباك حول حقيقة التسجيلات التي تم إطلاقها واعتبرت بشكل قطعي هي لابن لادن لاعتبار الصوت والصورة وكأن السيطرة على التقنيات من قبل الغرب مسألة غائبة وغير معمول بها ها هو ذا الإرهاب يتم إلصاقه بالمسلمين بعد الاستناد إلى المرجعيات الاتصالية ليكون ضرب أفغانستان وتحديد محور الشر وبناء نظام دولي جديد قوامه المابعدية التي ينشغل بها الغرب حد الافتتان والهوس فيما ترك المحال بهذه الفسحة من المناداة التي لا تنقطع من الدعوات نحو الحوار الحضاري التي لا تخرج عن التوسل واستدرار العواطف والخوف والخواء الذي استشرى حتى انعدمت فيه الفواصل العقلية والمنطقية ومن هذا الالتباس للمعاني يسود الاضطراب في الشرح والتفسير ويتم الإعلان بالجهر الصريح عن البراءة من تهمة الإرهاب من دون الاستناد إلى التأسيس العقلاني الواضح القائم على القراءة الواعية والتحليل العميق للمدخلات والعلاقات السائدة، ولكن أي وعي وأي تحليل والعالم كله يعيش حالة الإنذار القصوى.
ما تكشفه الأحداث؟
يخضع الإسلام في هذا الراهن الذي نعيشه إلى مزيد من التفحص والتدقيق بل وحتى المتابعة والتفتيش بين ثناياه اهتمام مفرط جاء في أعقاب حادث مفاجئ لكنه بات بمثابة التفكير الاستعادي بهذا الدين الذي كان يمر على أسماع الآخر من دون أن يتم الالتفات إليه بإمعان وتفحص عميق، ولعل اللافت في الأمر أن الغرب وبعد هذه الموجة التي يقودها بإزاء الإسلام من الاتهامية كشف عن الكثير من ملامح الخلل والضعف المعرفي والعلمي بالإسلام حتى ليكون السؤال الاستنكاري وقد اقترب من هذا الادعاء المستمر الذي تم إلصاقه بهذا الغرب المتقدم الذي لا يدع للصدفة مجالاً، بان أن التداول الثقافي كثيرا ما أشار إلى هذا التوسع الهائل والكبير في مجال مراكز البحوث العلمية التي تعنى بدراسة المجتمعات المختلفة والعناية بالتفصيلات المتعلقة بالتطورات والأحداث والتفاعلات.
لكن طبيعة التعامل الصادرة عن الغرب بإزاء العالم الإسلامي لاسيما بعد الحادث السبتمبري الأيلولي تكشف عن مدى الغياب الذي تعيشه مراكز صنع القرار في الغرب ذاته وليس على مستوى المواطن الغربي العادي حتى لتبرز الظاهرة اللافتة حول هذا الإقبال المنقطع النظير، لقراءة كل ما يتعلق بالإسلام والتفصيلات المتعلقة به كأن الأمر يتعلق بدين جديد ظهر فجأة وليس ذلك العالم الذي يتوسط الأرض ليؤثر ويتفاعل ويؤسس مع المجتمعات البشرية الأخرى.
لقد غدا الإسلام مادة للدرس والتقصي بعد أن تسيد الاهتمام والتفات العالم ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الدرس العلمي والتقصي المنهجي حول الإسلام لم يكن غائبا بشكل نهائي لكن ردة الفعل وحجمها الصادرة عن الغرب تكشف عن هذا التداخل والإرباك الذي حط على الجميع بما فيها مراكز البحوث العريقة والمتخصصة في شؤون الإسلام وإذا كانت التقسيمات الأوسع والأكبر قد توقفت عند هذه التوزيعات المرتبطة بشؤون الفرق والمذاهب فإن الأمر اتخذ لبوسا فجائيا حيث طابع الصدمة المباشرة والتي غدت بمثابة العائق العقلي الذي يصعب الوصول إلى كنه التفسير فيه هذا على الرغم من الإسهام المباشر الذي لعبته قوى الغرب في تأجيج مجال الحس القتالي والصدامي في داخل الإسلام من خلال استحضار معالم التحالف مع القوى الإسلامية نحو محاربة العدو المشترك الذي تمثل بالاتحاد السوفيتي في غزوه لأفغانستان، إلا أن تحولات القوى وتبدلات المراكز جعلت من هذا التحالف عداء معلنا بلغ حد الصدام الذي يشهده العالم اليوم.
الإسلام الرسمي؟
في طابع استعادي بدأ الغرب يكرس جل جهوده نحو استقراء الملامح الرئيسة في الإسلام وفي توزيع يحاول من خلاله الوقوف على ملمح التفاعلات المختلفة والمتنوعة القائمة فيه بدءا من الديني ومرورا بالاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، ولعل المكمن الأصل في كل هذا أن نقطة الارتكاز التي تحاول هذه القراءات الاتكاء عليها تكون عند التوصيف الختامي أو الإنهائي الكامن في الدعوة الإسلامية فلا غرو أن الطابع التوحيدي في الإسلام جانب واضح لا يمكن التغاضي عنه فيما يكون التوكيد على هذا الملمحالإنهائي القائم في الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث الختام الذي لا يقبل جدلاً أو نقاشاً من لدن المسلمين.
وبتأكيد حضور العقيدة والشريعة فإن التوقف عند الإسلام يستدعي هذه النظرة الحرة التي تجعل من المسلم مرتبطا بالله بشكل مباشر من دون وسائط أو نظام تراتبي فالأهمية تقوم على التقوى فيما يتم الدخول في التفاصيل المعرفية من خلال الراسخون في العلم وهم الفقهاء الذين ينالون التقدير والتبجيل لكن من دون تمييز إيماني أو درجة تقرب أعلى من الله.
الحياة الإسلامية تعيش تفصيلات اليومي بشكل شديد المباشرة وإذا ما برز التيار الأصولي الذي يصعد من حدة التشدد حول أهمية الارتباط بأصول الشرع والعقيدة فإن هذا لا يعني الخروج عن القانون الوضعي الذي يسود الواقع ويعمل على تجسيد حالة الانضباط في المجتمع المدني فحتى القانون المدني لا يخرج عن أهمية الانضواء في مشروعية التشريع الإلهي والذي يتم استنباط الأحكام الأساسية فيه من خلال الارتباط الوثيق بالشرع والدين، ومن هنا فإن ثمة ضابطاً دينياً يظهر بهذا القدر أو ذاك في صلب العملية التشريعية المدنية.
إن التوكيد على الطابع المؤسسي الذي شمل الحياة الحديثة في العالم الإسلامي لم يجعل هذه المؤسسات خارج نطاق الضبط الفقهي والذي يتحلى في المعاملات والمواريث والعلاقات الشرعية والقرابة والعائلة والأسرة بل إن الفقهاء يكون لهم الدور العميق في ضبط العلاقات التي يحددها القانون بكل تفرعاته القيمية والعرفية ومدى تعالق وتألف المجتمع معه، وإذا كانت المؤسسة الرسمية تعمد إلى تقديم مبدأ التعددية والعمل على توحيد مصالح الرعايا العاملين والمنضوين تحت لواء وجسد الدولة الواحدة فإن الإقرار الرسمي هنا لا يخلو من أهمية عمق الإشارة المباشرة إلى أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي.
بحثا عن الشرعية؟
في محاولة ترصد التوزيعات والتقسيمات نجد التعالق وقد اتخذ مسار الفرز بين الموقف السياسي الذي تحاول المؤسسة الرسمية حيازته والعامل الاجتماعي المرتبط بمفهوم الأمة حيث الارتباط بالإجماع الذي تشكله الأغلبية في تحيين موقف ما بإزاء القضايا الكبرى هذه المسألة يتوقف عندها الكثير من المراقبين الغربيين، ويعمدون إلى دعمها بالتداخل المفضي إلى تعطيل حركة الدولة ومؤسساتها الرسمية في سبيل تحقيق الغايات والأهداف، ومن هذا التداخل المفرط في التلفيقية يبرز محتوى الخلط في مستوى الفهم الكامن حول الطبيعة الوظيفية التشريعية للدين الإسلامي في صلب مؤسسة الدولة.
فالأمر لا يتوقف عند مطلب أدائي مباشر قدر تعلقه بوظيفة اجتماعية قوامها تقديم التنظيمات التي تتطلبها حاجات الفرد الاجتماعي داخل وسطه وإذا ما برزت الأهمية لفقهاء الدين في المجتمع الإسلامي فإنها تبقى حاضرة في مجال المكانة والتقدير والاعتبار وما بين الديني والدنيوي تبرز سلطة القانون الذي يعمل على الاقتباس والتفعيل المباشر نحو توطيد أواصر الشرعية لا لنظام حكم واحد بل نحو التوافق مع الاختلافات والتنوعات التي تفرزها أنظمة الحكم بحيث يكون محال النظر مركزا نحو قيم الدستور العليا من دون التلاعب بها نحو تدبيج مصلحة أية قوة طارئة، وعليه فإن الدستور في تجلياته التطبيقية يكون في أشد حالات الارتباط بأهمية وجود قوة داعمة تجعل منه قادرا على فرز التجاوزات التي تعمد إليها بعض الجهات والقوى، ومن هنا ينشأ التحالف بين الشريعة بكل منظوماتها الاعتبارية والسلطة السياسية التي تستمد شرعيتها وقوة تأثيرها من خلال هذا الارتباط.
إن التوقف الطويل عند الجانب الطقوسي والشعائري في الإسلام يجعل من الدارسين الغربيين واقعيين في إسار الأوهام الذي تؤدي بهم نحو الدخول في مساحات واسعة من الاستغراق التنظيري الواقع في إسار اللبس والتداخل فهم عادة ينظرون إلى الإسلام على أنه وحدة واحدة على صعيد المذاهب لكنهم من زاوية أخرى يعمدون إلى إفراز مجالات التنوع القائمة فيه بوصفها دلالات وعلائم انشقاق ومن هذه الرؤية التسويغية تكون الأحكام مرتبطة بالغايات والأهداف المبيتة والمتطلعة إلى تكريس رؤية مسبقة غير قابلة للأخذ والرد حتى لتكون الوجهة الحاكمة وقد استغرقت في هذا التوحيد المتعسف للإسلام الصادر عن رغبة ثابتة في الاستهداف.
طريقة القراءة؟
يكشف التقاطع المباشر في مكنون الرؤية الحاكمة بين الطرفين الإسلام والغرب فهذا الأخير ينظر إلى الإسلام بعين الريبة والشك في صلب اكتماله التاريخي وليس القدسي على أقل تقدير، لكنهم من جانب آخر لا يغفلون الأهمية الحضارية والمكانة التي بلغها الإسلام على مستوى تحقيق المعادل الإنساني وإبراز مجالات التعبير الذاتي بقوة ومكانة واضحة.
من أصل المباشرة السياسية والاجتماعية عكف الإسلام على تحقيق تجربته على مستوى الواقع بل إن الإنشاء والتأسيس يكون هو الأصل في تحقيق هذا البناء والتشييد كما في دولة المدينة التي أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا فإن فكرة الدولة الأمة جاءت لتعبر عن نفسها في سياق واحد غير قابل للتجزئة أو التقسيم وإذا ما ظهرت الانشقاقات والانقسامات الداخلية منذ عهد مبكر في جسد الدولة الإسلامية فإن حالة الاستمرار الحضاري بقي يستمد جذوره وشرعيته من مدى الترابط الوثيق بالدين الإسلامي.
أما على مستوى التلاقح المعرفي والفلسفي فإن الحضارة الإسلامية قيض لها اللقاء والمزاوجة مع التيارات الفكرية الإنسانية حتى استطاعت أن تجسد نموذجها الفكري الأصيل بتمثل قوامه التفاعل مع كل أطياف اللون الذي تفرزه الحياة من دون سيادة لطرف على الآخر بل إن قيمة الإسلام الحضارية تتبدى في هذه الفسحة الهائلة من تراث التسامح الذي لا يني عن التجلي والظهور في مختلف المراحل والحقب التاريخية.
إن السعي إلى تكريس مجال التداخل هو ما ينشده القارئ والملاحظ الغربي في طريقة استقرائه لواقع العلاقات السائدة في العالم الإسلامي حتى لتكون الإشارة إلى توزيع الإسلام إلى قسمين: رسمي وشعبي وكأن هذا الأمر يتعلق بالإسلام فقط، وليس بجميع الظواهر الإنسانية وحتى طريقة التفكير التي تسود العالم.
فالإدراك كصيغة عقلية لا يمكن بلوغه بمستويات واحدة احتكاماً إلى قوام الفروق الفردية التي تكشف عنها النظريات العلمية الحديثة والطالعة من الغرب نفسه لكن محاولة تكريس الأثر تعمد إلى هذه القراءة التجزيئية من أجل إقرار الرؤى الكامنة في دخيلتهم ومن هذه الزاوية يكون الوقوف على أنه ثمة إسلام رسمي يخضع لموجهات العلاقات الدولية وإسلام آخر بحسب توصيفهم شعبي، يخضع لإرادة القوى الاجتماعية الحاكمة والفاعلة في بنيات المجتمع الإسلامي والتي تظهر في تجسيد العلاقات القبلية وقدرتها على البروز والاستقلال عن سلطات الحكم المركزي.