0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

تفرض التحديات التي ينتجها العالم جملة من المواقف القائمة على الاشتباك والتناقض ولعل اللافت في الأمر يقوم على حالة التنامي الذي لا يعرف الانقطاع أو حتى التوقف في إنتاج المزيد من التوترات التي تطيحبأي أمل يتطلع نحو الاستقرار أو حتى تجاوز حالات الشد والجذب الذي يفرض بتفاصيله على الواقع، ومن هذا الحال الذي يقوم على التناقض يعيش العرب أقصى حالات التقاطع مع الذات حيث تسود النظرة السوداوية حول كل شيء وأي شيء حتى ليبدو المشهد في أشد حالاته قتامة.

التركيز على مجال المكونات الذاتية يتمثل عند العرب بشكل لافت للنظر خصوصا في المواجهة الناقصة التي بات العرب يعيشون محتواها حيث الخسائر والمرارات تحضر وبكل قوة من دون أن تحضر حتى إرادة القول التي كان العرب في الماضي القريب يستحضرونها في بيانات الشجب والتنديد التي تصدر عن المؤتمرات العربية الرسمية، ومن واقع الفقد الذي يرخي بظلاله على الإرادات والاتجاهات والرؤى يكون الاتجاه نحو التطلع الكثيف الموضوع الهوية حيث المحاولة المباشرة للبحث بين ثنايا الذات عن المقومات والأسس التي يمكن استحضارها من أجل المواجهات والتحديات التي تفرضها القوى المهيمنة والمسيطرة على العالم، لاسيما في ظل الحسم للنتائج والذي جاء في أعقاب سقوط أحد طرفي المعادلة الدولية للعلاقات.

ملامح الضعف التي تطبق برؤاها وكوابيسها على العالم العربي صارت من الحضور بحيث انعكست على مجال الخطاب الذي بات يتصدره معطيات الهوية بطريقة ملحوظة والواقع أن الاندراج الكثيف هذا تكشفه حالة التردي والهوان باعتبار الخطوات الواسعة التي اندرجت فيها المجتمعات الأخرى غير العربية فيما ظل العرب قابعين في مجالهم يعيشون حالات الوهن الذي يأبى مغادرتهم أو تركهم وعلى هذا يكون المسار العربي وقد اتخذ خطه الخاص انطلاقاً من تقديم أولويات البحث العميق عن الذات ومحاولة العمل على ترصد نقاط الضعف والخلل من أجل العمل على تلافي الأخطاء والتناقضات ولكن يبقى السؤال الأهم يحضر حول هذا التفتيت الذي يعن على الذات وكيف يمكن الإفلات من سطوة التبديد والهدر الكامن فيه.

إنتاج العلاقات؟ 

تبقى المكونات الداخلية تفصح وبجلاء عن مضمون الانهمام بكل هذا الكم المتعلق بالضعف الذاتي والقوة لدى الآخر الانفلات في المجال الخاص والانضباط والتماسك لدى الجهة المقبلة حتى لتكون الأسئلة الحائرة وقد تمخضت عن إطلاق المزيد من نقاط التداخل التي تفرض نفسها على الواقع لتزيده إرباكا على الإرباك المتوافر أصلاً وبكثافة يندر وجودها في مجالات تحتويها المجتمعات الأخرى.

يتطلع الخطاب الثقافي العربي المعاصر نحو تدبيج مفهوم الهوية بطريقة تشمل التيارات والاتجاهات جميعا من دون استثناء حتى إن الهوية تكاد تكون موضة الثقافة التي لا يمكن الاستغناء عنها، ولعل اللافت في الأمر هو ارتباط هذا التنامي للاستخدام والاستهلاك، من خلال ركوب موجة ردة الفعل التي أفرزتها العولمة والتحديات التي تفرضها على طبيعة العلاقات السائدة داخل الأمم والمجتمعات فالتهديد للإمكانات والبواعث الذاتية يحضر بإلفات شديد من خلال حالة الاستدعاء البالغ الذي تفرده آليات وأنساق الفعل العولمي الذي لم يكتف بالواجهة الاقتصادية فقط بل تجد التطلع وقد فرض مدركاته نحو المزيد من الحقول والقطاعات والتي تظهر للعيان في تلاحم جدلي غير قابل للفرز أو التفصيل.

فالزحف الثقافي الذي تفرضه آلة الاستهلاك التي تسللت إلى العقول حتى غدت جزءا أصيلا من مكونات التفكير والذي يجسده هذا الهوس الملحوظ والشغف الكبير بكل الأيقونات التي تقدمها أدوات الإنتاج الرأسمالي القائم على حرية التنافس واقتصاد السوق حتى ليكون الفرز الواسع المستند إلى ما يتم إنتاجه من علاقات لا تني عن توسيع مجال الانشطار والذي يتطابق مع مصطلح التنامي البكتيري حيث الحاجات تولد حاجات والأنماط الاستهلاكية تفرز متمماتها ليقع الفرد والمجتمع في سلسلة لا تعرف الانقطاع من الحاجات الفائضة والزائدة لكنها وبفرط الاستخدام تتحول إلى جزء أساسي من مكونات شبكة العلاقات السائدة، وهذا ما يكشفه واقع التغير الاجتماعي مع الفارق في التقييم المباشر مع العلاقات التي تفرزها ثقافة الاستهلاك فالكمالي يطغى على الأصل حتى إنه ليغدو جزءا منه بفعل تأثير التداول.

تبادل المراكز؟ 

التطلع نحو النهل من المعين الذي تقدمه مضامين الهوية يجعل من التيارات الفكرية العربية ما يجعلها تتنافح متسابقة نحو تقديم رؤاها وتصوراتها حول طريقة الهضم والوعي الناجز به، ولعل الحضور الأبرز يتمثل في طريقة التفاعل التي يقدمها التيار الإسلامي الذي يجعل منها مرتكزا أصيلاً لمقومات الذات من خلال التأكيد على الكينونة الثقافية التي استطاعت أن تبقى وتصمد، على الرغم من عمق التحديات التي تعرضت لها الأمة، وعلى هذا فإن الارتكان يقوم على الإسلام، بوصفه الأصل الذي تقوم عليه مقومات الشخصية الحضارية انطلاقاً من تكريس الوعي بأن الإسلام لا يقف عند تقديم المدركات العقائدية والدينية بل إن التسامح الذي يتفاعل فيه يجعل منه نظاما للحياة شديد الاتساع والشمولية.

يقف المفكرون الإسلاميون على طبيعة المعطيات التي أفرزتها الوقائع لاسيما في المجالات التي شهدت حالات الاصطراع والتصادم المباشر بين التيارات الرئيسة التي كانت تفرض هيمنتها على واقع العلاقات الدولية حتى إن الكثير منهم راح يذكر بأن العديد من الأدبيات الفكرية الإسلامية قد بشرت بسقوط الماركسية باعتبار تقاطعها مع المعطى الروحي الذي يؤسس للتأصيل الإنساني وطبيعة العلاقة مع الخالق ولا يختلف الأمر في طبيعة النظرة إلى الليبرالية والتي يتم النظر إليها بوصفها مركزا للشرور وتصدير الإشكالات والتداخل، بل إن مجال النقد يطال هذه الروح الاستهلاكية والتي يطلقون عليها بالعابثة حيث الهدر في أقصاه يكون قد تركز في نموذج دولة الرفاه والغنى الفاحش والتقشف حد الشح الذي يطال محمل المساحة العامة والشاملة التي تميز تفاعلات المجتمع الإنساني الذي يعاني من الشرور بأجمعها ومن دون استثناء، وعبر هذا التناقض الفاضح يكون التركيز على ملمح الإثم الذي تعتاش عليه الفعاليات الرأسمالية والقائمة على المنفعة والمصلحة حتى وإن كانت النتائج يقع عبئها على الإنسان، ومن هذا الفقد للروح الإنساني والتركيز على معطيات المنفعة المباشرة يكون الوقوف على ملامح الضعف الكامن في هذا الكائن الرأسمالي الذي يظهر في صورة العملاق الكبير الحجم لكنه يعتاش على عقل لا يتناسب وحجمه هذا.

بحثاً عن الندّية؟ 

من واقع النقد المرير الذي يوجهه التيار الإسلامي نحو مختلف الاتجاهات والتيارات الأصيلة منها والفرعية انطلاقاً من التطلع نحو تحسس المجال الأسمى والأوحد الذي يقدمه حيث العلاقة القدسية والاتجاه العالمي يكون الطرح استنادا إلى حضورية البديل القائم على الهوية العالمية، ومن هذا المحتوى يكون النظر شديد التطلع نحو الآخر تأثيرا لا نقلاً أو تبعية أو اقتباساً وعليه تبرز مجالات الفعل البارزة والتي تمظهرت في موجة من الأعمال المباشرة نحو المصالح والمرتكزات الغربية وفي مختلف بقاع الأرض حتى كانت آخرها الغزوة النيويوركية وما أفرزته من وقائع وآثار انعكست على مجمل الواقع الإسلامي.

التطلع نحو المرتكزات الذاتية والتركيز على مجال الهوية الذاتية باعتبار الاتجاه نحو استنطاق مكامن الفعل والتأثير المستند إلى المقومات التي تجعل من الإسلام بديلا لأي اتجاه آخر إنما ينطوي على شمولية غير مقنعة لدى الآخر، وإذا كان الغرب يقدم مشروعه حول توحيد العالم تحت ذات النمط الثقافي حيث العولمة من خلال توجيه الإمكانات الواسعة نحو تحقيق هذه الغاية انطلاقاً من الإفادة القصوى من الثورة المعلوماتية والاتصالية وجميع المرتكزات المساندة والقائمة على الثروة والمعرفة والقوة الجامحة، فإن المقابل الذي يستند إليه التيار الإسلامي إنما ينطلق من هذا المجمل من الشعور الديني المنبث في أخص الجوانب العاطفية، وعلى هذا فإن إرادة الفعل فيه تنطوي على المزيد من الفقد والذي يظهر جليا في حساب المقدمات والنتائج.

وهكذا تنسحب النتائج على الإسلام كدين وعلى عموم المسلمين الذين ألصقت بهم تهمة الإرهاب على الرغم من أن الفعل الذي ارتبط بالإسلام يقوم على وعي فرعي قوامه تيار آثر أن يفسر الأحداث والوقائع من خلال تمثلاته الخاصة به ومن الفعل الخاص ينسحب فعل التعميم ليشمل عالما بأكمله استنادا إلى التنميط الذي تفرضه النظرة المسبقة، وعبر فعالية التبادل في جاهزية الرؤى يكون العالم واقعا في إسار التداعيات التي لا تعرف التوقف هذا بحساب أن الغرب يتآمر على المسلمين فيما يعيش الغرب الخوف والحذر من هجوم إرهابي قد يحدث في أية لحظة.

البحث في الفواصل؟ 

يطرح مفهوم الأصولية نفسه على مستوى الواقع بكل قوة خصوصا في واقع العلاقات الدولية الراهن الذي بات يعيش حالة من الاتهامية المباشرة تصل إلى حد تقسيم العالم طرفين متقابلين يستند كل طرف إليه إلى رموز وإشارات ومفاهيم تتعلق باتجاه تكريس الصورة الثابتة غير القابلة للزحزحة أو حتى التحريك.

تنطلق الأصولية من الإيمان المطلق والاعتقاد الراسخ الصلب الذي لا يقبل المرونة أو الحلول الوسط، ومن هنا فإن الرسوخ يتمثل في العقيدة التي يتم الإيمان بها فيما يكون للطقوس المكانة الثانوية إنها عملية تخوض في مجال العقل والفكر المباشر حيث البحث عن العلاقة الأكيدة وليس البحث عن مدركات أمامية وثانوية، وهي البحث عن مكمن الشرعية وثوابتها التي لا تقبل اللبس أو التداخل، هذا بحسب حضور الاعتقاد الراسخ بأن الإيمان لا يمكن تجزئته أو أن الأمر يتقبل أنصاف الحلول فيما يبرز الميل إلى التفسير الصحيح انطلاقا من البحث العميق عن تلك الفاصلة التاريخية المرتبطة بأصول التأسيس وحالة التتبع في ترصد ملامح الابتداع وكل ما هو طارئ قد تم نسجه وإلحاقه حتى غدا وكأنه من صلب تلك العقيدة.

وفي هذا فإن الأصولية لا يتوقف مسار بحثها عن الوجهة الموغلة في الأصل فقط كما يعتقد بعضهم بل إن وجهتها التتبعية تجعل منها في أشد انشغالاتها نحو البحث في هذه الفواصل التي تظهر متناثرة على المدى الزمني الذي ينطلق من مرحلة البدء وحتى اللحظة الراهنة، ومن هذا البحث التعالق في المدى الزماني تكون الأصولية وقد عقدت أواصر علاقتها مع العقيدة في طابع فريد يقوم على الانشغال بالمزيد من التحديد والحث على جعل الأصل هو الغاية اللانهائية في كل سير عملها.

تبرز الصرامة في هذا الاتجاه المتطلع نحو تحديد مجال الاجتهاد والتفسير وإبراز مجال الحث نحو الطاعة المطلقة التي لا تقبل الاقتسام أو التوفيقية فالأمر يتعلق بإيمان أو لا إيمان مسألة غير خاضعة للتأويل أو التدبيج للمقال والكلام بل إن الوجود كله يقوم على مبدأ التسليم والتصديق بهذه الأصول حيث وجوب الالتزام الذي يقطع الطريق على كل ملمح للشك، لكنه من جانب آخر يفصح عن مشغلات تتعلق بالجانب الحسي المرتبط بالتفصيلات التي تفرضها وقائع الحياة، فالأصولية لا تقف دائما عند هذا التعالي الذي أدبحت فيه حتى بات من الصعب تحسس الفواصل فيها حول العقلي والعملي إنها الاتجاه الذي ينزع بكل مما لديه من قوى من أجل جذب الحاضر إلى الماضي.

المدركات العقائدية؟ 

الغلّو التطرف مفردات طالما تم استخدامها كرديف للأصولية باعتبار ردود الأفعال الصادرة عن هذا التيار والذي لا يتوقف عند المجال الديني كما هو سائد الآن بل إن الديماغوجية التي ارتبط توصيفها بالأيديولوجيات العاملة في الحيز الاجتماعي تمثل نزعة أصولية لا تقل احتكارا للحقيقة عن مثيلاتها الفاعلة والعاملة في الحقول الأخرى فالأمر لا يتوقف عند المشغلات الدينية أو السياسية بل إن الخوض يتفشى في كل مظاهر التفاعل الإنساني الذي يعبر عن الميول والاتجاهات والأحاسيس والحدس وكل النوازع الكامنة في النفس البشرية.

وبقدر ما يكون الحديث عن التسامح والفسحة العقلية والتسهيلات التي تتطلبها حاجات الإنسان فإن التكريس العقلي الذي يتوقف عند هذه المجالات لا يعدم أن تتوافر على بعض ملامح الغلو والتطرف، وفي هذا أنشأ العديد من المفكرين عنوانات كتب تترصد بعض هذه المضامين المتداخلة وإذا كان الإصرار على إلصاق مصطلح الأصولية بالدين الإسلامي فإن الواقع يشير وبجلاء لا يرقى إليه الشك في هذه الأصوليات المتزاحمة بالمناكب وفي جميع الأديان السماوية منها والوضعية ومن دون استثناء.

يبرز مجال الصدام بشكل أشد وضوحا بين الديني والعلماني ومكمنه يقوم على أساسيات الفعل الاجتماعي حتى لتكون الفاعليات الناشطة داخل جماعة بشرية ما معيارا على مدى قوة الإيمان وضعفه، وفي هذا اجتهد الكثير من علماء الاجتماع في ترصد مجال المدركات العقدية انطلاقا من الطبيعة الإنتاجية السائدة ومجالات ارتباطها بالمصدرية والمرجعيات الحافزة فالتقاطع الإدراكي الذي يتم فرزه من خلال المباشرة ما بين النسق الديني باعتبار مرجعياته الميتافيزيقية والنسق العلمي الذي يقوم سنده المنهجي على المرجعية الطبيعية المادية تبرزه مجالات المنفعة والمصلحة المباشرة المتغلغلة في صميم الفعالية الاجتماعية حيث تظهر مكتسبات العلم الحديث في هذا القوام الذي يوصف بالمجتمع الصناعي ليكون الشمول وقد طغى على محمل الفعاليات الإنسانية الأخرى ليكون الزخم الأكبر وقد تبدى في النزوع الطاغي نحو الإيمان بما هو حسي شديد المباشرة فيما يتعرض المجال الروحي إلى الإقصاء والتهميش بحساب الاستمكان والتركز الذي تحققه أسس العلاقات الاجتماعية المتماهية مع الواقع الطبيعي الذي تكون حلقة الوصل فيه التركيز على الربحية المباشرة والتنافس الحر حيث الروح الرأسمالي الذي يجعل من الآلة أيقونته المقدسة.

تفعيل العامل الديني؟ 

لا يتوقف مجال الحياة الآلية الطبيعية على الإعلاء من شأن الفردية بل إن الانكباب نحو محاولة تحقيق الذات من خلال التنافس يجعل من حالة الابتعاد عن المجال الديني ظاهرة شديدة البروز لاسيما وأن الدين يحوز على مجال واسع من الطقسية بل التأكيد على أهمية الالتزام في تطبيق هذه الشعائر والطقوس، فيما يكون الاتجاه السائد في المجتمعات الصناعية قوامه الاندراج في هذا الالتزام المقيم عند مجال العمل الذي بعد الأصل الفاعل في مكنون الحياة المادية، ومن هنا تحديدا تبرز الفواصل التي يمكن فرزها بين المجتمعين المادي والروحي حيث تغيب الروابط الاجتماعية في النموذج الأول فيما يتعزز عنصر المشاركة بكثافة عالية في النموذج الثاني إلى الحد الذي يجعل من هذه الرابطة بمثابة المبرر الشرعي للتدخل في الشؤون الفردية.

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)

فكثيراً ما تكون الدعوة إلى المشاركة في احتفال أو مناسبة أو حتى تقريع أو لوم إزاء فعل اجتماعي معين داخل نطاق المجتمع الروحي فيما تندر مثل هذه الحالات في المجتمع المادي الموغل في فردانيته وعزلته، وإذا كان بعض من الدارسين الاجتماعيين يشيرون إلى وجود المظهر الطقسي والاحتفالي في نموذج الدولة القومية فإن الأمر هنا يعود إلى مجال الإتمام الرسمي الذي يرتبط باتجاه واحد يكون تأثيره في مجال إتمامي لا يمكنه الارتقاء إلى حميمية الجانب الروحي ودفقه العاطفي الشديد.

يفصح الواقع الرسمي الذي تجسده فعاليات الدولة القومية عن هذا الانضواء المباشر نحو العلمانية والذي يتمظهر في تشكلات متنوعة قوامها رفض الدين بشكل مباشر أو العمل على أقل تقدير بفصل الدين عن الدولة تحت شعار الدين الله والوطن للجميع فيما تقوم بعض النماذج السياسية على الارتباط بالعامل الديني ومن واقع التفاعل لعناصر الدولة الحديثة وإفرازاتها العلائقية المتشعبة والمعقدة يكون الاتجاه نحو تفعيل العامل الديني وقد اتخذ مجال الفعل الاجتماعي المباشر انطلاقاً من توجيه الممارسة نحو توكيد الرابطة الجمعية بقوام يتخلله الكثير من الغايات والأهداف التي لا تخرج عن النوازع الداخلية الكامنة في مضامين وغايات النظام السياسي الرسمي، بل إن بعض المناسبات الدينية غدت بمثابة الفلكلور الرسمي الذي ترعاه الدولة بحماس واضح وفي هذا يكون النظر إلى احتفالات أعياد الميلاد في العالم المسيحي أو طريقة الاحتفال بشهر رمضان في العالم الإسلامي.

العبور إلى المعرفة؟ 

لقد تعرض غاليلو غاليلي لاضطهاد محاكم التفتيش والتي عدته متطاولاً على الذات الإلهية والمقدسات المسيحية عند ما أعلن عن نظريته في دوران الأرض حتى إن جملته الاستدراكية الهامسة ظل التاريخ يرددها حتى لحظتنا هذه ولكنها تدور ولم يكن الأوربي بهذه الطلعة البهية والجاذبية الأخاذة والعافية المفرطة فلطالما اجتاحت هذه القارة الأوبئة والمجاعات والاقتتالات والحروب الأهلية الطاحنة والصراع الطائفي المقيت الذي ما زالت آثاره تحفر في الذات الأوروبي إن كان في بريطانيا أم يوغسلافيا أم أسبانيا حتى لم تظهر حداثة أوروبا التي قدمتها إلى البشرية جاهزة في غفلة من التفاعل مع الحضارات الأخرى والتي أتاح لها فرصة التوظيب والتصميم والإضافة والاقتباس والتمثل حتى لم تعد لحظة التقويم الثقافي ساكنة راكدة في مستقر جغرافي بل إن التكافل الأوروبي جعل من الثورة المعرفية حقيقة راسخة أبرزتها الجهود المتنوعة والمختلفة الجميع مجتمعات أوروبا والتي قيض لها أن تحرر خطابها المعرفي بأفق قوامه الحرية والإبداع والانفتاح المستند إلى رسوخ دور العقل والإفادة القصوى منه.

بسقوط الفارس القروسطي الذي أبنه سرفاتس في روايته الأشهر دون كيشوت خطت أوروبا إلى حرق المراحل التاريخية استناداً إلى التلاحم الفاعل بين العقل والفعل عقل: ينقد ويفسر ويحلل ويراجع، وفعل: ينتج ويؤسس لعلاقات اجتماعية متجددة من دون الالتفات إلى الوراء، فالثورة الصناعية أبرزت تفصيلات المجتمع المدني حيث أضحت المدينة أداة الجذب والاستقطاب الجموع الفلاحين الذين عانوا من عسر الأحوال وبسقوط أسطول الأرمادا الأسباني في أواخر القرن السادس عشر تكون البحرية الأوروبية قد دشنت البداية الفعلية لتوجيه جهودها نحو العالم الفسيح هذا مع أهمية التوقف عند اكتشاف العالم الجديد على يد كريستوفر كولومبس عام 1492م، والذي لم يقدم على عمله هذا استناداً إلى عامل الصدفة بقدر ما كان الاستناد إلى حفز العقل والاستثمار الواعي لمنتجات العقل، والذي يفصح عن تآزر العقول واجتماعها لإنتاج عمل واضح قوامه الخبرات الملاحية والبراعة التصميمية والبحارة المؤهلين والتقنيات التي تم إدخالها على تصميم السفينة بالإضافة إلى الاستخدام الدقيق لأداة البوصلة والتي كان لها الأثر الأهم والمباشر في معرفة الاتجاهات، إنه الهضم العميق لكل ما هو متاح ولكن بروح التحدي والمواجهة وتجاوز الإحباطات والفشل.

جاهزية التصور؟ 

في ظل سيادة وجهة النظر الجاهزة حول الضعف الذي ألم بالعالم الإسلامي بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية عام 1258م، يتم التغاضي في كثير من الأحيان عن حالة النشاط والدفق للنموذج الإسلامي الذي قادت ورسمت ملامحه الدولة العثمانية التي كان لها الحضور الفاعل والأكيد في مواجهة الصراع مع الغرب حتى كانت القرون من الرابع عشر وحتى السابع عشر تشير إلى سعة هذه الفعاليات التي عبرت عن الحضور الفاعل للجهد الإسلامي الذي تمثل في حركات عسكرية جهادية تمت قيادتها من قبل العثمانيين وكان جنودها رجال البحر في الشمال الإفريقي والتي برزت خير الدين برباروس وأخيه عروج.

أبرزت تفاعلات الدولة الواسعة والتي تمددت حدودها على مساحة كبيرة من أوروبا آليات علاقة متنوعة وفريدة مع الشعوب التي خضعت لها، فالبحث عن الموارد كان الهاجس الدائب من دون شك والحصول على التعاون من قبل بعض الجماعات كان تكتيكا ناجحاً حتى حظي العثمانيون بتوجيه جهود بعض قبائل البلقان نحو توفير الحاجات الأساسية من لحوم وأطعمة وخيول يستخدمها الجيش العثماني في حروبه وإزاء هذا التعاون كان لا بد أن يحصل الطرف المقابل على بعض المزايا مثل الوظائف الحكومية والإشراف على القوافل التجارية مما كان له الأثر المباشر في تسلل بعض العناصر غير العثمانية إلى جسد الدولة.

لم يقف الأمر على العوامل الخارجية بل إن تراتبيات العلاقات الداخلية تعرضت هي الأخرى للتبدل نتيجة للمتغيرات التي شهدتها المرحلة وكان لهذا التبدل أثره المباشر على طبقة المحاربين السباهية الذين باتوا يعانون من قلة الموارد المالية ونقصها الشديد حتى صار الاتجاه من قبلهم للبحث عن البدائل والتي تمثلت بالاعتداء على نظام التيمار الذي كان يضمن تحديد ملكية الأرض وجعل الأرض بمثابة إرث عائلي التبرز عن هذه التجاوزات ظهور طبقة جديدة من الملاك بعيدة كل البعد عن الروح العسكرية بالإضافة إلى إضعاف سلطة الحكومة والتوجه إلى تعريض فلاحي المناطق إلى الاستغلال الواسع والذي نجم عنه ظهور الكثير من الفتن والاضطرابات والثورات الفلاحية لكن المقارنة مع النظير الأوروبي في تلك الحقبة تكشف عن حالة التسامح التي كان عليها الإسلام من خلال التعامل مع الرعايا العثمانيين في بلدان شرق أوروبا المفتوحة.

التناسخ الطبقي؟ 

إن التصوير البشع الذي درج عليه الكثيرون في تصوير الدولة العثمانية إنما يعود أصلاً إلى السعار العدائي الذي روجت له المؤسسة البابوية في ظل تأجيج الحس الصليبي والجهود التي كانت تبذلها المؤسسة السياسية ممثلة بآل هبسبورج الأعداء التقليديين للعثمانيين وإذا ما كانت العلاقة بين الفاتح العثماني وشعوب البلقان قد بلغت درجة رفيعة من السمو والتسامح فإن التطبيق الفردي من قبل ممثلي الحكومة كان يكشف عن الكثير من التجاوزات والمفاسد بل الطغيان في كثير من الأحيان.

تعرضت الروح العسكرية العثمانية إلى الترهل والخمول بعد أن ظهرت التجاوزات من قبل طبقة السباهية ذاتهم، وكان لهذا الأمر أثره المباشر على طبيعة الأداء العسكري في المعارك بالإضافة إلى سوء الإدارة التي طغت على الجهاز المسؤول عن توفير العينة والميرة للمقاتلين وإزاء تنامي الخلل وتفشي الفساد وصل الانحدار إلى السلطات المباشرة للسلطان الذي فقد الكثير من قدراته على إدارة الدولة خلال القرن السابع عشر.

فرضت التطورات الدولية أثرها على واقع الحياة العثمانية إذ شهدت المنطقة فيضاً واسعاً من وصول الفضة التي بدأ جلبها من العالم الجديد حيث أميركا مما كان له الأثر المباشر في انخفاض قيمة النقد الذي يحصل عليه الجندي العثماني حتى إن الدولة وبمحاولة منها لمواجهة هذا التناقض الفاضح في الأجور عمدت إلى توجيه الجنود الانكشارية إلى تعويض هذا النقص من خلال توفير مصدر دخل آخر يقوم على الانخراط في مجال النشاط الحرفي حتى كان لهذا الأمر أثره على التنظيمات العسكرية.

حالة التناسخ التي كانت تولدها الهيئات العاملة في المؤسسة العسكرية أثمرت عن ولادة طبقة اجتماعية مولدة قوامها التوجه للعيش في المدن وإهمال القرى والأرياف التي انتشر فيها الفقر بشكل لافت حتى صارت الأوضاع تشي بظهور مشاكل داخلية لم تخل من تحديد مباشر للمدن العثمانية من قبل جماعات اللصوص وقطاع الطرق الذين أنهكهم العوز والفقر. فيما تعرضت الدولة للشلل بعد توقيع معاهدة كارلوفتس عام 1699، لتغدو في موضع الدفاع إزاء الاندفاع الأوروبي لتبرز ملامح التداخل والهزال الذي شمل طوائف الحرفيين وانحلالها بعد أن عمت الفوضى وصار التطلع إلى استيراد البضائع الأوربية لاسيما خلال القرن الثامن عشر.

العالم يقرأ الإسلام؟ 

تكشف التحولات التي يعيشها العالم عن هذا التبلور الحاسم في مسار التيارات والاتجاهات الفكرية والمرتبطة بطبيعة الاحتكام إلى العوامل المباشرة التي تكون بمثابة أداة التفعيل الحاسمة في ظهور الأشكال والممارسات الجديدة، فالتغيير الذي يكون بمثابة سمة العالم الاجتماعي إنما تبرز مؤثراته وتفاعيله من هذا الارتباط بواقع النشاط الذي يبذله الناس من أجل تحقيق غاياتهم الذاتية أولا، حتى تبرز الاشتراطات الأوسع الشاملة لمجمل الأنشطة الكلية، ومن دون الاستناد إلى محدد أحادي يكون بمثابة التوقف عند ترصد أية ظاهرة إنسانية يبرز محال التفحص في هذه الاستتباعات التي يفرضها الواقع ويجعل منها ظواهر شديدة الإلفات تدعو الجميع إلى ملاحظتها وأهمية التوقف عندها.

وإذا كان العالم مركزا أنظاره حول الإسلام والمسلمين برؤى وتصورات بالغة الحراكية والأهداف والغايات والارتباطات فإن واقع التحولات الداخلية في الإسلام ذاته يفصح عن الأكثر والأهم هذا بحساب المقارنة مع أية ملاحظة تأتي من خارجه من أجل الادعاء بتفحصه واستقرائه ومن هنا تحديدا تبرز أهمية الوقوف عند الأثر الاجتماعي الذي تجسده التفاعلات الإنسانية في المجال، فالمجتمع الإسلامي لا يمكن النظر إليه بمواضعات واشتراطات يتم استكناهها من خارج السياقات التي تحكم العالم برمته، فالمسلمون بشر يعيشون على هذه الأرض يؤثرون ويتأثرون كما أمم ومجتمعات أخرى وإن حالة التركيز التي توجهها آليات الفحص والاستقراء والدرس لا تعني بتقديم الافتراضات المسبقة حول النقص أو عدم الاكتمال أو أن هناك خللاً أو عيباً في الأمر هذا بحساب الادعاء بالشرعية طبعا.

إن التركيز الذي يبذله العالم اليوم يجعل من المسلمين في أشد حالات التوتر من هذا العصاب الذي يتنادى بالمسلمين ويعمل على ترصد حركاتهم وسكناتهم وما يتعلق بهم حتى ليغدو الأمر وكأن المسألة تتعلق بكائنات جديدة وطأت الأرض في الحادي عشر من سبتمبر أيلول لا قبل ولا بعد ومن دون الخضوع لتمايزات العقل والروح العلمي والادعاءات المنهجية نجد العالم وقد نزع عنه كل شيء وغدا في أتون من المباشرة التي تعتاش على الهياج وتبضع من الاتهام حتى ليكون الإفراط والإيغال فيه عبر هذا الشمول الذي يطال لا المسلمين فحسب بل الإسلام برمته كدين وحضارة وأفق إنساني فيما يكون الاعتياش من قبل أطراف أخرى على إذكاء الجانب المعتم من التاريخ ومحاولة إشباعه بالتحريضات.

التوزيعات الأشمل؟ 

ها هو ذا العالم يتوقف بكل ما يملك لتفحص المسلمين ومحاولة الغور في التفصيلات المتعلقة بحياتهم وممارساتها والتفاعلات البارزة في أدق شؤونهم، وبقدر هذا النزوع الطاغي الذي يفرد مساحاته على الواقع يقع المسلمون ضحية لسوء الفهم والإخضاع القسري لمبدأ الاجتزاء حتى لتكون النظرة وقد تر سخت عند نموذج بعينه غير قابل للمناقشة والدرس والتفحص، ومن هذه الوطأة الشديدة يكون الإغفال عن محمل التحولات التي أبرزها العالم الإسلامي للاندماج في العالم الحديث الذي تكون وسائل الاستذكار وقد جهزت تهمة الاندماج القسري الذي بدر عن الآخر في سبيل دمجه في تجليات نموذج الحداثة وتطبيقاتها وتراتبياتها.

لقد تفاعلت جملة من العوامل في رسم وتحديد صورة العالم الإسلامي الراهن والذي يتم تقديمه من قبل الآخر باعتبار الربط بالاستثناء في الوقت الذي تفصح فيه القاعدة عن التطورات والتمايزات التي تعيشها المجتمعات الإسلامية بكل ما تملك من مقومات إنسانية وحضارية وخصوصيات تفصح عن محليتها وطبيعة اندماجها بالإسلام الواسع والشامل الذي حقق لها هذه القسمات والتميزات المتفردة.

كانت التوصيفات والى عهد قريب توجه تركيزها نحو المحال الجغرافي في ظل تغييب كامل لأي إشارة إلى الإسلام حتى إن الإشارات تترى إلى الشرق الأوسط أو دول جنوب شرق آسيا أو حتى الدول العربية، وفي الاستثناءات القليلة والمحدودة تبرز التسمية الإسلامي في نطاق الارتباط بحادث أو مناسبة لكن المواضعات التي تفرزها مجالات المباشرة يكون فيها عنصر التقسيم والفصل وقد تبدى في أشد حضوره وأعتى صوره لتكون الصورة في توزيع أكبر وأشمل يقوم على استحضار ملامح الصراع القديم الذي قسم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي فيما يكون التقسيم اليوم على واقع التوزيع الحضاري انطلاقاً من نظرية صراع الحضارات ليكون الانشغال بهذا المحدد الذي يبسط ذراعيه على المشهد الدولي ليزيده انقساما عبر توجيه دالة التحالف نحو أهداف وغايات قوامها توكيد الخطر الداهم الذي جاء ليهدد مقومات ومكامن الوجود، فيما تكون النتيجة إفصاحا بمجال الموجهات التي تفردها القوة الأوحد في سبيل البحث عن مكنون المصالحوالتي لا تأتي عادة من الارتكان إلى مضمون السلام والتصالح الذي سينجم عنه توافقا وتداولا يقوم على المساواة وتكافؤ الفرص الغاية الأصل هنا تبرز في هذا التطلع إلى إبراز مجال القوة ولا بد من وجود ضحية.

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)

سلامة النوايا؟ 

لا يتعلق الأمر بطريقة المباشرة التي عمدت نحوها الولايات المتحدة المواجهة مثل هذا التحدي، بل إن القضية هنا وبهذا الشمول الذي يطغى على العالم غدت مسألة تخص الأبعد والأقرب والأغنى والأفقر والصديق والعدو حتى إن الحديث عن ترسيمة جديدة لواقع العلاقات الدولية لم يعد من التهويلات أو المبالغات، بل إن الترسيمة الأمريكية ذات القطب الواحد باتت تظهر في طريقة شديدة المباشرة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها.

وبالوقوف على حسبة الحقل والبيدر نجد النتائج وقد أضحت في جانب المصلحة الأمريكية فحصاد القوة والاستتباع المستند على شرعية الضحية التي تم ترسيمها في مشهد عالمي غير مسبوق تم من خلاله تحريك العواطف والغرائز من خلال المطالعة المباشرة الموجهة إلى العالم أجمع.

بتقديم سلامة النوايا يكون الحديث عن هذا الحدث الإرهابي وطريقة تحديد الاتهام الذي تمت فيه والذي لا يغيب مجال الإيحاء فيه حول الجاهزية والترصد للإسلام، فيما يحضر السؤال الملتاع حول هذه المجانية المفرطة من الاعتراف الشديد المباشرة الصادر من قبل الجهة المديرة وكأن الأمر يتعلق بمواجهة قوامها الاستدراج والتحدي الذي تغيب فيه الفكرة الأصل وبتعداد ملامح الوهن يكون الوقوف على جملة من المعطيات المتعلقة بتفصيلات الحدث والتي تظهر وكأنها تقوم باستعداء العالم ضد الإسلام وتجييشه.

ومن هنا يتساءل الإنسان في مختلف بقاع الأرض حول الجدوى والغاية المتعلقة باستهداف الأماكن المدنية وقتل الناس العزل والأبرياء من دون وجه حق أو حتى اختيار ولماذا تكون النهاية في هذا الحرق والموت والخراب الذي يتكامل في صورة شديدة البشاعة والمقت.

الحديث عن رفض المؤامرة التي تستهدف الأمة بات الموضوع الأكثر قبولاً وارتياحاً في ساحة الفكر العربي، انطلاقاً من أهمية التأسيس على الاستقراء الدقيق والواضح لملامح العلاقات والأنساق الفاعلة في الواقع إلا أن طبيعة التداول السياسي الصادر عن الآخر يكشف عن عمق التآمر الصادر من قبل الغرب إن كان في مجال فرض الهيمنة والسيطرة المباشرة الذي يكشف عنه مرحلة الاستعمار أو في طريق الاقتطاع الخارجة عن السياق التاريخي في اغتصاب أرض فلسطين والمباركة الصادرة عن الغرب نحو الصهيونية العالمية.

المرجعيات الاتصالية؟ 

في لوثة البحث عن الدور سقط العرب المسلمون في فخ الترويج والإعلان لاستتباعات الموجه الغربي والأميركي تحديداً وهكذا وقعت قناة الجزيرة الفضائية بسلامة نية ربما في توجيه أسهم الاتهام المباشر إلى جهة إسلامية شديدة التحديد واضحة القسمات بالصوت والصورة وأرقى التقنيات الرقمية الاتصالية، وتحت عنوان خاص بالجزيرة انتفخت الأوداج وحل الزهو والانتصار بهذا السبق الإعلامي الذي عجزت عن تحقيقه كبريات الفضائيات العالمية العملاقة حتى ليكون السؤال البريء والبسيط حول هذا العجز الذي حل بالمؤسسة الإعلامية الغربية بكل ما تملكه من إمكانات بإزاء هذا الانتصار الباهر الذي توصل إليه العرب المسلمون ألا يتعلق هذا الأمر باستدراج علني قوامه الحصول على اعتراف صريح وواضح من قبل ابن لادن والقاعدة بتنفيذ هذا العمل ومن خلال وعاء عربي وإسلامي لتوكيد المصداقية وقطع الشك باليقين أمام التساؤلات الحائرة التي أطلقها العالم بكل حدة وذهول وقلق فيما تبقى الأسئلة التي تعاني من الاضطراب والمزيد من الارتباك حول حقيقة التسجيلات التي تم إطلاقها واعتبرت بشكل قطعي هي لابن لادن لاعتبار الصوت والصورة وكأن السيطرة على التقنيات من قبل الغرب مسألة غائبة وغير معمول بها ها هو ذا الإرهاب يتم إلصاقه بالمسلمين بعد الاستناد إلى المرجعيات الاتصالية ليكون ضرب أفغانستان وتحديد محور الشر وبناء نظام دولي جديد قوامه المابعدية التي ينشغل بها الغرب حد الافتتان والهوس فيما ترك المحال بهذه الفسحة من المناداة التي لا تنقطع من الدعوات نحو الحوار الحضاري التي لا تخرج عن التوسل واستدرار العواطف والخوف والخواء الذي استشرى حتى انعدمت فيه الفواصل العقلية والمنطقية ومن هذا الالتباس للمعاني يسود الاضطراب في الشرح والتفسير ويتم الإعلان بالجهر الصريح عن البراءة من تهمة الإرهاب من دون الاستناد إلى التأسيس العقلاني الواضح القائم على القراءة الواعية والتحليل العميق للمدخلات والعلاقات السائدة، ولكن أي وعي وأي تحليل والعالم كله يعيش حالة الإنذار القصوى.

ما تكشفه الأحداث؟ 

يخضع الإسلام في هذا الراهن الذي نعيشه إلى مزيد من التفحص والتدقيق بل وحتى المتابعة والتفتيش بين ثناياه اهتمام مفرط جاء في أعقاب حادث مفاجئ لكنه بات بمثابة التفكير الاستعادي بهذا الدين الذي كان يمر على أسماع الآخر من دون أن يتم الالتفات إليه بإمعان وتفحص عميق، ولعل اللافت في الأمر أن الغرب وبعد هذه الموجة التي يقودها بإزاء الإسلام من الاتهامية كشف عن الكثير من ملامح الخلل والضعف المعرفي والعلمي بالإسلام حتى ليكون السؤال الاستنكاري وقد اقترب من هذا الادعاء المستمر الذي تم إلصاقه بهذا الغرب المتقدم الذي لا يدع للصدفة مجالاً، بان أن التداول الثقافي كثيرا ما أشار إلى هذا التوسع الهائل والكبير في مجال مراكز البحوث العلمية التي تعنى بدراسة المجتمعات المختلفة والعناية بالتفصيلات المتعلقة بالتطورات والأحداث والتفاعلات.

لكن طبيعة التعامل الصادرة عن الغرب بإزاء العالم الإسلامي لاسيما بعد الحادث السبتمبري الأيلولي تكشف عن مدى الغياب الذي تعيشه مراكز صنع القرار في الغرب ذاته وليس على مستوى المواطن الغربي العادي حتى لتبرز الظاهرة اللافتة حول هذا الإقبال المنقطع النظير، لقراءة كل ما يتعلق بالإسلام والتفصيلات المتعلقة به كأن الأمر يتعلق بدين جديد ظهر فجأة وليس ذلك العالم الذي يتوسط الأرض ليؤثر ويتفاعل ويؤسس مع المجتمعات البشرية الأخرى.

لقد غدا الإسلام مادة للدرس والتقصي بعد أن تسيد الاهتمام والتفات العالم ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الدرس العلمي والتقصي المنهجي حول الإسلام لم يكن غائبا بشكل نهائي لكن ردة الفعل وحجمها الصادرة عن الغرب تكشف عن هذا التداخل والإرباك الذي حط على الجميع بما فيها مراكز البحوث العريقة والمتخصصة في شؤون الإسلام وإذا كانت التقسيمات الأوسع والأكبر قد توقفت عند هذه التوزيعات المرتبطة بشؤون الفرق والمذاهب فإن الأمر اتخذ لبوسا فجائيا حيث طابع الصدمة المباشرة والتي غدت بمثابة العائق العقلي الذي يصعب الوصول إلى كنه التفسير فيه هذا على الرغم من الإسهام المباشر الذي لعبته قوى الغرب في تأجيج مجال الحس القتالي والصدامي في داخل الإسلام من خلال استحضار معالم التحالف مع القوى الإسلامية نحو محاربة العدو المشترك الذي تمثل بالاتحاد السوفيتي في غزوه لأفغانستان، إلا أن تحولات القوى وتبدلات المراكز جعلت من هذا التحالف عداء معلنا بلغ حد الصدام الذي يشهده العالم اليوم.

الإسلام الرسمي؟ 

في طابع استعادي بدأ الغرب يكرس جل جهوده نحو استقراء الملامح الرئيسة في الإسلام وفي توزيع يحاول من خلاله الوقوف على ملمح التفاعلات المختلفة والمتنوعة القائمة فيه بدءا من الديني ومرورا بالاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، ولعل المكمن الأصل في كل هذا أن نقطة الارتكاز التي تحاول هذه القراءات الاتكاء عليها تكون عند التوصيف الختامي أو الإنهائي الكامن في الدعوة الإسلامية فلا غرو أن الطابع التوحيدي في الإسلام جانب واضح لا يمكن التغاضي عنه فيما يكون التوكيد على هذا الملمحالإنهائي القائم في الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث الختام الذي لا يقبل جدلاً أو نقاشاً من لدن المسلمين.

وبتأكيد حضور العقيدة والشريعة فإن التوقف عند الإسلام يستدعي هذه النظرة الحرة التي تجعل من المسلم مرتبطا بالله بشكل مباشر من دون وسائط أو نظام تراتبي فالأهمية تقوم على التقوى فيما يتم الدخول في التفاصيل المعرفية من خلال الراسخون في العلم وهم الفقهاء الذين ينالون التقدير والتبجيل لكن من دون تمييز إيماني أو درجة تقرب أعلى من الله.

الحياة الإسلامية تعيش تفصيلات اليومي بشكل شديد المباشرة وإذا ما برز التيار الأصولي الذي يصعد من حدة التشدد حول أهمية الارتباط بأصول الشرع والعقيدة فإن هذا لا يعني الخروج عن القانون الوضعي الذي يسود الواقع ويعمل على تجسيد حالة الانضباط في المجتمع المدني فحتى القانون المدني لا يخرج عن أهمية الانضواء في مشروعية التشريع الإلهي والذي يتم استنباط الأحكام الأساسية فيه من خلال الارتباط الوثيق بالشرع والدين، ومن هنا فإن ثمة ضابطاً دينياً يظهر بهذا القدر أو ذاك في صلب العملية التشريعية المدنية.

إن التوكيد على الطابع المؤسسي الذي شمل الحياة الحديثة في العالم الإسلامي لم يجعل هذه المؤسسات خارج نطاق الضبط الفقهي والذي يتحلى في المعاملات والمواريث والعلاقات الشرعية والقرابة والعائلة والأسرة بل إن الفقهاء يكون لهم الدور العميق في ضبط العلاقات التي يحددها القانون بكل تفرعاته القيمية والعرفية ومدى تعالق وتألف المجتمع معه، وإذا كانت المؤسسة الرسمية تعمد إلى تقديم مبدأ التعددية والعمل على توحيد مصالح الرعايا العاملين والمنضوين تحت لواء وجسد الدولة الواحدة فإن الإقرار الرسمي هنا لا يخلو من أهمية عمق الإشارة المباشرة إلى أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي.

بحثا عن الشرعية؟ 

في محاولة ترصد التوزيعات والتقسيمات نجد التعالق وقد اتخذ مسار الفرز بين الموقف السياسي الذي تحاول المؤسسة الرسمية حيازته والعامل الاجتماعي المرتبط بمفهوم الأمة حيث الارتباط بالإجماع الذي تشكله الأغلبية في تحيين موقف ما بإزاء القضايا الكبرى هذه المسألة يتوقف عندها الكثير من المراقبين الغربيين، ويعمدون إلى دعمها بالتداخل المفضي إلى تعطيل حركة الدولة ومؤسساتها الرسمية في سبيل تحقيق الغايات والأهداف، ومن هذا التداخل المفرط في التلفيقية يبرز محتوى الخلط في مستوى الفهم الكامن حول الطبيعة الوظيفية التشريعية للدين الإسلامي في صلب مؤسسة الدولة.

فالأمر لا يتوقف عند مطلب أدائي مباشر قدر تعلقه بوظيفة اجتماعية قوامها تقديم التنظيمات التي تتطلبها حاجات الفرد الاجتماعي داخل وسطه وإذا ما برزت الأهمية لفقهاء الدين في المجتمع الإسلامي فإنها تبقى حاضرة في مجال المكانة والتقدير والاعتبار وما بين الديني والدنيوي تبرز سلطة القانون الذي يعمل على الاقتباس والتفعيل المباشر نحو توطيد أواصر الشرعية لا لنظام حكم واحد بل نحو التوافق مع الاختلافات والتنوعات التي تفرزها أنظمة الحكم بحيث يكون محال النظر مركزا نحو قيم الدستور العليا من دون التلاعب بها نحو تدبيج مصلحة أية قوة طارئة، وعليه فإن الدستور في تجلياته التطبيقية يكون في أشد حالات الارتباط بأهمية وجود قوة داعمة تجعل منه قادرا على فرز التجاوزات التي تعمد إليها بعض الجهات والقوى، ومن هنا ينشأ التحالف بين الشريعة بكل منظوماتها الاعتبارية والسلطة السياسية التي تستمد شرعيتها وقوة تأثيرها من خلال هذا الارتباط.

إن التوقف الطويل عند الجانب الطقوسي والشعائري في الإسلام يجعل من الدارسين الغربيين واقعيين في إسار الأوهام الذي تؤدي بهم نحو الدخول في مساحات واسعة من الاستغراق التنظيري الواقع في إسار اللبس والتداخل فهم عادة ينظرون إلى الإسلام على أنه وحدة واحدة على صعيد المذاهب لكنهم من زاوية أخرى يعمدون إلى إفراز مجالات التنوع القائمة فيه بوصفها دلالات وعلائم انشقاق ومن هذه الرؤية التسويغية تكون الأحكام مرتبطة بالغايات والأهداف المبيتة والمتطلعة إلى تكريس رؤية مسبقة غير قابلة للأخذ والرد حتى لتكون الوجهة الحاكمة وقد استغرقت في هذا التوحيد المتعسف للإسلام الصادر عن رغبة ثابتة في الاستهداف.

طريقة القراءة؟ 

يكشف التقاطع المباشر في مكنون الرؤية الحاكمة بين الطرفين الإسلام والغرب فهذا الأخير ينظر إلى الإسلام بعين الريبة والشك في صلب اكتماله التاريخي وليس القدسي على أقل تقدير، لكنهم من جانب آخر لا يغفلون الأهمية الحضارية والمكانة التي بلغها الإسلام على مستوى تحقيق المعادل الإنساني وإبراز مجالات التعبير الذاتي بقوة ومكانة واضحة.

من أصل المباشرة السياسية والاجتماعية عكف الإسلام على تحقيق تجربته على مستوى الواقع بل إن الإنشاء والتأسيس يكون هو الأصل في تحقيق هذا البناء والتشييد كما في دولة المدينة التي أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا فإن فكرة الدولة الأمة جاءت لتعبر عن نفسها في سياق واحد غير قابل للتجزئة أو التقسيم وإذا ما ظهرت الانشقاقات والانقسامات الداخلية منذ عهد مبكر في جسد الدولة الإسلامية فإن حالة الاستمرار الحضاري بقي يستمد جذوره وشرعيته من مدى الترابط الوثيق بالدين الإسلامي.

أما على مستوى التلاقح المعرفي والفلسفي فإن الحضارة الإسلامية قيض لها اللقاء والمزاوجة مع التيارات الفكرية الإنسانية حتى استطاعت أن تجسد نموذجها الفكري الأصيل بتمثل قوامه التفاعل مع كل أطياف اللون الذي تفرزه الحياة من دون سيادة لطرف على الآخر بل إن قيمة الإسلام الحضارية تتبدى في هذه الفسحة الهائلة من تراث التسامح الذي لا يني عن التجلي والظهور في مختلف المراحل والحقب التاريخية.

إن السعي إلى تكريس مجال التداخل هو ما ينشده القارئ والملاحظ الغربي في طريقة استقرائه لواقع العلاقات السائدة في العالم الإسلامي حتى لتكون الإشارة إلى توزيع الإسلام إلى قسمين: رسمي وشعبي وكأن هذا الأمر يتعلق بالإسلام فقط، وليس بجميع الظواهر الإنسانية وحتى طريقة التفكير التي تسود العالم.

فالإدراك كصيغة عقلية لا يمكن بلوغه بمستويات واحدة احتكاماً إلى قوام الفروق الفردية التي تكشف عنها النظريات العلمية الحديثة والطالعة من الغرب نفسه لكن محاولة تكريس الأثر تعمد إلى هذه القراءة التجزيئية من أجل إقرار الرؤى الكامنة في دخيلتهم ومن هذه الزاوية يكون الوقوف على أنه ثمة إسلام رسمي يخضع لموجهات العلاقات الدولية وإسلام آخر بحسب توصيفهم  شعبي، يخضع لإرادة القوى الاجتماعية الحاكمة والفاعلة في بنيات المجتمع الإسلامي والتي تظهر في تجسيد العلاقات القبلية وقدرتها على البروز والاستقلال عن سلطات الحكم المركزي.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
0 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...