يعد فيلسوفنا الكبير أبو الوليد بن رشد رائد العقل والتنوير في عصره وفي العصور التي تلته والعودة إلى فكر هذا الفيلسوف الرائد الذي أقر إقراراً قويا بتكامل العقل والأيمان ونجح في البرهنة على لزوم بعضهما بعضاً وتكاملهما أمر مطلوب خصوصا في زماننا هذا الذي تقاذفت في فكرنا العربي والإسلامي تيارات عاتية كادت تشل قوته وقدرته على الإسهام في ريادة البناء الحضاري.
إن صلابة وقوة فكر ابن رشد ضمنت له تلك النتائج التي كان أهمها طلب الحقيقة وهي عدم تعارض العقل السليم والإيمان كما عبر عن ذلك القرآن الكريم وإذا بدا الخلل للبعض بين هذين القطبين فإن مرد ذلك كما رأى هو إلى الطرق العقلية غير المحكمة والتي تذهب في تأويلاتها للقرآن سبلا خاطئة غير سليمة.
لماذا العودة لأبي الوليد بن رشد؟ اعتبارات شتى تدعو إلى هذه العودة؟
أولاً: اعتبار إرثه تراثاً إنسانياً خالداً وجد تجلياته وامتداده وعرفته بيئات مختلفة علمية وفلسفية وفقهية وغيرها وقد استفادت كل هذه المسارات من فكره.
ثانياً : تموضع ابن رشد داخل سياق الإصلاح في عصره حيث جاء في فترة معينة وعاش همومها في الحظات تاريخية هامة وأجاب عن حاجيات وأسئلة عصره وفكره ونحن إذ نعايش الهموم نفسها تقريباً نرى أن ابن رشد راهن بفكره كما هو الشأن مع الفكر الإسلامي المعاصر على التفاعل مع أفضل وأصلح ما ينتجه الفكر العالمي كما فعل هو في شأن إدخال الفكر اليوناني الإغريقي إلى ساحة الفكر الإسلامي والاستفادة مما صلح منه.
إن نزعته تنويرية تدعو إلى الانفتاح على كل الثقافات والتيارات الأجنبية وتأخذ ما صلح منها وحين اتجه إلى شرح أرسطو، قال: فلنضرب بأيدينا إلى كتبهم فلاسفة اليونان فإن كان فيها شيء بعد صوابا منهم شكرناهم عليه وإن كان فيها شيء خطأ نبهنا إلى هذا الخطأ.
ثالثاً: شأنه الخاص الذي لا يقل خطراً عن شأنه في تاريخ الفكر البشري العام فالمشادة العنيفة التي دارت بين الفلاسفة والمتكلمين كادت تقوض الفكر الفلسفي في الشرق وتقضي على أسس العقل والإيمان قضاء تاماً لولا وجوده وتمكنه من الدفاع عنهما بعزيمة خارقة وإعلاله لسلطان العقل.
وحدة العقل عند ابن رشد؟
إن وحدة العقل عند ابن رشد هي التي فجرت المواقف بين الفلاسفة واللاهوتيين اللاتين في القرن الثالث عشر الميلادي حتى إن هذه القضية أثارت حفيظة من لم يسمحوا بدخول أرسطو طاليس إلى حلبة الصراع الفلسفي اللاهوتي.
ويأتي على رأس هؤلاء توما الإكويني الذي قال: إن الشارح ليش مشائيا بمقدار ما هو مفسد للفلسفة المشائية وقد حمل على المدرسة الرشدية لا على ابن رشد مباشرة في كتابة وحدة العقل أو الرد على الرشديين وكذلك كوليم دوفريني وألبير الكبير وريموند ما بيني وغيرهم، وفريق آخر أخذ بأقواله دون تحفظ ورأى أن من خالف الشارح في الفلسفة يخطئ لا محالة.
وبقي أثر ابن رشد قوياً طيلة قرون ومدرسة بادوا الإيطالية اعتمدته كلياً حتى القرن السابع عشر تقريبا وأخذ بعد ذلك في القرن الثامن عشر النهج الفلسفي الرشدي نفسه بعض كبار فلاسفة ألمانيا كمندلسون 1780م ولتسنيك 1781م في نظرتهم إلى العقلية الدينية وعندهم أنه مهما بلغ الاختلاف في الأديان ظاهريا فهي واحدة في الجوهر وما الاختلاف الظاهري الشكلي إلا تعبير جمهوري عن الحقيقة فقط.
وقد احتدم النزاع بين الفريقين حول بعض القضايا الفلسفية البحتة نجمت عنها نتائج لاهوتية ناقضت العقيدة المسيحية صراحة وتعود جذور هذه القضية أصلا إلى كتاب النفس لأرسطو، فقد طرح المعلم الأول سؤالا فحواه: هل العقل واحد يشترك فيه جميع البشر به يعقلون؟ أم أنه خاص بكل إنسان فرد يصحبموجبه القول: إن هذا الإنسان يعقل؟
وقد ذهب ابن رشد في تأويله للعقل الهيولاني إلى أن العقل واحد غير متجزئ بالنوع والعدة ولا يطرأ عليه أي فساد وإذا تم الانحلال للجسد بعد الموت يعود العقل إلى حالته الأولى من الوحدة ما دامت علة الكثرة عند فيلسوفنا هي المادة.
العقل عند ابن رشد؟
برى ابن رشد أن القوة الناطقة جعلت في الإنسان من أجل وجوده على الوجه الأفضل لأنها قاعدة الصنائع العملية والعلوم النظرية التي تستقيم للإنسان دون الحيوان وجعلت فيه من أجل سلامته فقط.
إن هذه القوة الناطقة في نظره تتصل بثلاث مسائل هي
1- المعرفة بوجودها.
2- مباينتها لقوى النفس الأخرى.
3- حالتها التي توجد عليها تارة بالقوة وأخرى بالفعل.
ويرى أن الجواب على هذه المسائل الثلاث كفيل بمعرفة هل هي ذات هيولي أم لا؟ وما هو المحرك الذي يحركها بإخراجها من القوة إلى الفعل؟ وهل هي أزلية أم حادثة؟
وقد قسم العقل إلى عملي ونظري حسب المدركات والغرض من إدراكها فما يحصل بالتجربة يدركه العقل العملي كقوة تدرك هذه المعقولات.
وهذه العملية تتصل بصور خيالية تحدث فيها وإن كانت هذه الصور حكرا على الإنسان بل هي شي في طبع الحيوان لأنها ضرورة لبقائه وسلامته مثل الحياكة لدى العنكبوت والتسديس عند النحل وهكذا إلا أن الإنسان يفوق الحيوان لأنه يدرك هذه الصورة فكراً واستنباطاً.
والعقل العملي يدرك الصور الخيالية للأفعال الإرادية التي يتمثلها والمتصلة بالفضائل العملية الشجاعة والوفاء والصداقة والحمية، لأن وجود هذه الفضائل منوط بتقدير تخيلي لما ينبغي فعله في مقام ما وعلى قدر ما.
أما العقل النظري فيدرك الكليات المعقولات دون ارتباط بالعمل بسبب والمعرفة هذه القوة يجب الوقوف على طبيعة الكليات النظرية: هل هذه المعقولات موجودة بالقوة أم بالفعل؟ أم فقط بالفعل؟
ولإدراك ذلك تجب معرفة ماهية اتصالها بنا فإذا كان الاتصال بنا كاتصال المفارقات بالمادة كالعقل من حيث اتصاله بالموجودات التي تكتسي من صورها لكانت المعقولات تحصل مستقلة عن الزمن الذي يجري علينا أي العمر، ففي الصغر لا ندركها حتى إذا توافرت الملكة لذلك ظهرت فيه فحصل الإدراك لها فهي وإن لم توجد في الصغر بالقوة موجودة على سبيل الكمون والاستنار لأنها لا توجد وجود القوة أو الصور الهيولاني لأن هذه الأخيرة لها مراتب لها صور العناصر البسيطة أولاً وصور الأجسام المتشابهة الأجزاء ثانيا والنفس الغاذية ثالثا فالحاسة رابعا فالمتخيلة خامسا.
وكل هذه الصور تشترك بخواص بينها بالإضافة إلى صفات أخرى منفردة لكل صورة كالانقسام وقبول الكيفيات المتضادة التي تستند إلى الهيولي والعناصر البسيطة وإدراك هذه المعقولات غير متناه.
ومن خصائص الإدراك العقلي أن يعقل نفسه هو المعقول بعينه لأنه يجرد المعقولات عن المادة ويعقلها كما أن خصائصه كذلك أن هذا الإدراك ليس انفعالا رأي لا تضعف هذه القوة إذا عظم موضوعها وتضاف خصيصة أخرى أن العقل يقوى مع تقدم العمر بينما تضعف قوى النفس الأخرى.
والمعقولات تدرك بالحس والتخيل لأنها متصلة بقوة بهما، يقول ابن رشد مضطرون في حصولنا لنا أن نحس أولا ثم نتخيل وحينئذ يمكن أخذ الكلى، وذلك بأن يحدث ذلك عن طريق الترقى في مراتب من الحس إلى مرتبة الخيال فالنطق وهي مراتب التجريد التي تمر بها النفس في إدراكها للمعقولات الكلية وغير الحاوي الحاسة ما فاته كثير من المعقولات المتصلة بها فالأعمى يدرك المعقولات المتصلة بالألوان ويفوته العلم بالألوان والمعنى الكلي يحصل بالتكرار والحفظ والعقل ذو جوهر هو بالقوة جميع المعوقات.
والعقل الفعال عنده يصير المعقولات التي بالقوة إلى معقولات بالفعل وبحسبه أن المعقولات بالقوة هي صور خيالية وحسب التراتب في الإدراك يصبح الإدراك عقلا مستفادا وهو التمام والكمال والفعل الذي كان العقل الهيولاني قوة عليه فصير العقل الفعال تلك القوة التي فيه فعلا وهي أسمى مراتب الكمال الإنساني.
وابن رشد يباين الفلاسفة العرب في قضية العقل الفعال وذلك أنهم وعلى رأسهم ابن سينا والكندي وآخرون رأوا أن لا صلة لهذا العقل بالنفس عرضا وهو يرى أن له صلة قوية جوهرية بقوى النفس كصلة الصورة بالمادة وإلا لما كان الإدراك أو النطق من خواص النفس وكمالاتها الجوهرية وهذا تجاوز لما كان عليه مفهوم الإدراك قبله.
وعلى أساس ما تقدم من نظر ثاقب وتمحيص نظري دال على مجهود عقلي كبير يمكن أن يرشح ابن رشد رائدا لفلسفة التنوير النظري الإسلامي، لأنه بهذا أعلن سيادة العقل وهذا سبب تلقف أوربا له وهي تستيقظ من غفوتها فتعمقت في أفكاره وظهر ما سمي بالرشدية اللاتينية والسياسية في باليرمو وباريس ونابولي بل يمكن أن نقول: إن هذه اليقظة العقلية والنفسية معا أسهمت إلى حد كبير في هدم صرحلاهوت القرون الوسطى وتهيئة الأجواء للنهضة الأوربية.
لقد كان ابن رشد يقظاً نبيهاً حين عرف أن العقل قدرة إنسانية متعاظمة قادر على معرفة الأشياء ومعرفة الأطراد الناموسي في الطبيعة وعرف أن كمال هذه القوة الإنسانية هو العقل الفعال المشترك في النوع الإنساني وقد عرف مفكرو أوربا خلال النهضة انتباه ابن رشد لهذا.
كما فطن إلى أن العقل النظري يرتقي هو نفسه وأن لا سبيل إلى الارتقاء إلا في الاعتناء بالعلوم إذ بدون العلوم يمتنع ارتقاء العقل إلى الكمال وهذا ما يتحقق فعلا في كل ارتقاء يشهده الإنسان على مستوى كل الحضارات البشرية السابقة واللاحقة.
هذا المنهج العقلاني الصارم أتاح لأفكاره وفلسفته الاستمرارية في أوربا بل تطورا يتماشى مع استعداد أوربا للتغيرات الاجتماعية الحديثة.
وتحت اسم الرشدية اللاتينية تحولت الفلسفة الرشدية إلى رشدية سياسية لعبت دورها الخطير في تطور النهضة الأوربية حيث كانت الترجمات اللاتينية لشروح ابن رشد لأرسطو وما تضمنته من أفكار تزعزع هيمنة الكنيسة لأن هذه الترجمات منها ترجمة مؤلفات ابن رشد من قبل ميخائيل الإسكوتلاندي في بلاط الإمبراطور فريديريك الثاني في صقلية بباليرمو هذه الترجمات لشروحه لعبت دورا حاسماً في بروز ثورة ثقافية عارمة وفكرية سياسية استقبلتها بحماس كثير من الأوساط الثقافية في الجامعات اللاتينية كما كان في باريس وأصبح كما يلقبونه رمزا من رموز التحولات الفكرية في أوربا بل إنه ما بين سنتي 1246-1460م سادت فلسفته وهيمنت على التدريس في كليات الفنون وأصبح من العسير مقاومتها حتى إن الأسقف الأغسطيني إتيان تامبيه بإيعاز من البابا يوحنا الحادي عشر سنة 1270م وقف بضراوة ضد هذا الاكتساح الرشدي وذهب في مقاومته إلى حد إصدار مرسوم يحرم كثيراً من القضايا الأرسطية التي اعتمدها توما الإكويني لدعم العقيدة المسيحية والتي تتلاءم وهذه العقيدة.
فالرشدية اللاتينية أخذت اتجاهها وأسسها من فكرة ابن رشد ولنتأمل فكرته في فصل المقال حيث يقول: إن الأمر الغالب على الجمهور من معرفة الله إلى طريق وسط ارتفاع عن حضيض المقلدين وانحط عن تشغيب المتكلمين ومنه الخواص على وجوب النظر التام في أصل العقيدة.
وهذه المراتب المذكورة في هذا النص:
1- التقليد.
2- الطريق الوسط.
3- تشغيب المتكلمين.
4- نظر الخواص في البرهان.
الغرض منها عند ابن رشد الابتعاد عن التقليد وتشعيب المتكلمين والآخر بالطريق الوسط للجمهور ورد النظر العقلي للحكماء تلك هي عين الأفكار الأساسية لابن رشد والتي تمس بقوة قضايا العقل والإيمان التي اتهمت بها الرشدية اللاتينية والتي قاومتها الكنيسة بضراوة شديدة.
مما استفاد ابن رشد في بناء منهجه العلمي؟
استفاد قطعا من دراسة الفقه والاشتغال بالقضاء وقد اتبع منهجا نقديا عبر بالفعل عن فكر صاحبه الذي خالف الأسبقين وهذا المنهج كان قائما على ذاتيته المتميزة التي تحرك التفكير المستقل فانطبعت بهجوم كبير على كثير من الأفكار والمذاهب ومهما يكن من درجة هذا في علة نكبته فقد كتب الخلود الفكره ومنهجه.
ولعل أسبق هذين العاملين في رسم منهجه العلمي الدقيق دراسة الفقه ثم الاشتغال بالقضاء.
فدراسة الفقه تمت فيه حسن النقد الفلسفي وتوليته القضاء بل إنه تولى منصب قاضي القضاء في عهد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن هذه الوظيفة الخطيرة تمت فيه إلى جانب روح النقد ترجيح الآراء على بعضها بعضاً وقوة الترجيح أدت به إلى الكشف عن كثير من الأخطاء والتناقضات في فكر الأسبقين.
والدارس لكتابه القيم بداية المجتهد ونهاية المقتصد يلاحظ ملامح هذا المنهج النقدي يقول ابن فرحون في تقريظه وله تأليف جليلة الفائدة منها بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه ذكر فيه أسباب الخلاف وعلل وجوهه فأفاد وأمتع ولا يعلم في وقته أنفع منه ولا أحسن سياقا.
وقال عنه كذلك: إن الدراية كانت أغلب من الرواية، ويعني بذلك طغيان جانب النظر العقلي في منهجه وإلى جانب رسوخ قدمه وكفاءته في الفقه فقد كان عارفاً بالفتوى على مذهب الإمام مالك طويل الباع في علم الفرائض والأصول وقد اتبع منهجاً في تناوله لأصول الفقه وفروعه وتناول كل ما يتصل بالعقيدة والأحكام بل إنه أرشد المجتهدين إلى طريقة النظر في قضايا الدين عامة وطرح لذلك أصولاً وقواعد.
وفي كتابه بداية المجتهد يرشد إلى القياس الشرعي ويعتمد الاجتهاد والتأويل وقد عرف القياس الشرعي وبين وظيفته، فقال: وأما القياس الشرعي فهو إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما ولذلك كان القياس الشرعي صنفين قياس شبه وقياس علة.
ثم يبين الفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره ثم يبين ما التبس على الفقهاء في هذا المجال فيزيد في الشرح: أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من حيث تنبيه اللفظ ليس بقياس وإنما هو من باب دلالة اللفظ وهما يلتبسان على الفقهاء كثيراً.
وبهذا يدفع الفقيه إلى القياس الشرعي في الأحكام الشرعية فقد قال: إن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي ( صلى الله عليه وسلم) بالجنس ثلاثة: إما لفظ وإما فعل وإما إقرار وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام فقال الجمهور: إن طرق الوقوف عليه هو القياس إلى أن يقول: ودليل العقل يشهد بثبوته ذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية والنصوص والأفعال و الإقرارات متناهية ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى.