0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)
كان عبدالله بن يزيد الفراري من متكلمي الإباضية المشهورين في القرن الثاني الهجري وأصله من مدينة الكوفة في العراق ولسنا نعلم كثيراً عن الإباضية في الكوفة في عصره فالغالب على أهل الكوفة التشيع وإن نشأت حركة المحكمة الأولى في الكوفة في عهد خلافة علي بن أبي طالب ثم انتشرت منها إلى البصرة فتأصلت وازدهرت فيها خلال العصر الأموي وتفرعت عن الحركة في زمن الحرب الأهلية الثانية، أي أيام عبد الله بن الزبير فرق، منها الإباضية وقد كان التابعي العالم جابر بن زيد الأزدي العماني برأس ويرشد جماعة الإباضية في البصرة في أواخر القرن الأول الهجري ثم خلفه الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في بداية القرن الثاني وأوائل العصر العباسي فوضع قواعد العقيدة وأحكام الفقه الإباضي على أسس ثابتة جلية أما الكوفة فقد بقيت فيها من المحكمة طائفة يسيرة ولعل بعضهم اعتنقوا أصول الإباضية في عهد جابر بن زيد وأبي عبيدة، ولكن لم يقم من بينهم أفراد يذكر التاريخ أسماءهم وأفعالهم قبل اشتهار عبد الله بن یزید.

والظاهر أن عبد الله بن يزيد ولد وتربى في الكوفة وهو ينتمي إلى فزارة من قبائل مضر وقد استوطنت بطون من فزارة الكوفة منذ تأسيسها ولسنا نعلم هل كان عبد الله بن يزيد فزارياً أصيلاً أم كان مولى لهم؟ كما لا نعلم أيضا عمن أخذ أصول الإباضية؟ وهل رحل إلى البصرة مركز تعليم الإباضية وهل لقي أبا عبيدة وسمع عنه؟ وبخاصة أنه يسميه الشيخ في تصنيف له، فالبين أنه اعترف برئاسة أبي عبيدة الدينية فأول شيء تذكرة مصادر التاريخ عنه أنه كان شريكاً لهشام بن الحكم المتكلم الشيعي في تجارة الخز فكان لهما حانوت بالكوفة حيث اجتمع أصحاب عبد الله الإباضيون إليه ليسمعوا دروسه بينما اجتمع أصحاب هشام بن الحكم من الشيعة السماع دروس هشام كذلك، وقد استظرف الجاحظ وغيره هذه الشراكة والصحبة بين عالم إباضي وعالم شيعي.

دامت الصحبة في الكوفة حتى منتصف القرن الثاني ثم انتقل هشام وعبد الله بن يزيد إلى بغداد في عصر وزارة البرامكة وقد صارت بغداد آنذاك عاصمة عالم الإسلام التجارية والثقافية فسكن هشام بن الحكم في درب الجب بالكرخ وفتح حانوتاً عند باب الكرخ والكرخ هو حي الشيعة بالمدينة أما عبد الله بن يزيد فنشك أنه جدد شركته في التجارة مع هشام لكن يذكر عبد الله بن يزيد مع هشام بن الحكم وغيره من متكلمي الفرق والنخل مثل أبي الهذيل العلاف وضرار بن عمرو المعتزليين وسليمان بن جرير الزيدي ومويد موبذان المجوسي ورأس الجالوت اليهودي في مجلس يحيى بن خالد البرمكي بوصفهم مسهمين جميعاً في المناظرات في المسائل الدينية وغير الدينية وكان الخليفة العباسي هارون الرشيد فيما يبدو يستمع إلى بعض المناظرات من وراء حجاب فتذكر المصادر الشيعية أنه حقد على هشام بن الحكم بسبب آرائه في الإمامة فأمر بمعاقبة هشام وأصحابه من الشيعة فقبض على موسى بن جعفر الصادق إمامهم في شوال سنة 179 للهجرة وحبس في بغداد وهرب هشام بن الحكم واختفى في الكوفة حيث مات في السنة نفسها.

والظاهر أن غضب الرشيد قد امتد إلى أهل الكلام الآخرين الذين كانوا يجتمعون في مجلس يحيى بن خالد فهرب عبد الله بن يزيد من بغداد وقدم اليمن بعد سفر طويل والتجأ إلى بعض القبائل اليمنية، فلماذا اختار عبد الله الالتجاء لليمن؟ لم يكن للإباضية في اليمن عدد وسيطرة ومنعة في ذلك العصر فلماذا لم يلحق مثلا بالمغرب حيث سادت إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بمدينة تاهرت أو بعمان حيث قامت إمامة إباضية أيضا؟ الغالب على الظن أن عبد الله كما ذكرنا اعترف برئاسة أبي عبيدة الدينية، أما خليفة أبي عبيدة في البصرة الربيع بن حبيب الفراهيدي فقد وقع شيء من الخلاف بينه وبين عبد الله بن يزيد والربيع كان من أهل الحديث يعتمد في المسائل الدينية على السماع والأخبار أما عبد الله بن يزيد فهو متكلم يغلب عليه الاحتجاج بالحجج العقلية فالربيع هو جامع مسند الحديث المشهور بينما وضع عبد الله بن يزيد كتباً في العقائد والكلام التي يذكر ابن النديم أربعة منها هي : كتاب التوحيد وكتاب الرد على المعتزلة وكتاب الاستطاعة وكتاب الرد على الرافضة والظاهر أنه ألف هذه الكتب في العراق أي الكوفة أو بغداد قبل هروبه إلى اليمن.

وقد ضاعت هذه الكتب ولكن يوجد خبر مقتبس من كتاب الرد على الرافضة في كتاب ابن سلام العالم الإباضي المغربي الذي عاش في القرن الثالث الهجري كما توجد مقتبسات عن كتاب التوحيد في تصنيف إباضي مغربي آخر فقد وصلت كتب عبد الله بن يزيد إلى المغرب وإن لم تصل على ما يظهر إلى عُمان وقد غلب نفوذ الربيع بن حبيب عند الإباضية في المغرب وعُمان وأيد هو إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم في تاهرت ضد معارضيه المعروفين بالتكار وزعيمهم يزيد بن فندين.

يقول الشماخي مؤرخ الإباضية بالمغرب: إن التكار اعتنقوا آراء عبد الله بن يزيد الفزاري الكلامية واتبعوا آراء عبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرج عمرو بن محمد السدوسي وحاتم بن منصور، وأبي المعروف شعيب بن معروف وهؤلاء من تلامذة أبي عبيدة بالبصرة وقد انتحلوا آراء مخالفة لشيخهم أبي عبيدة في بعض مسائل الفقه، ولما أنكر الشيخ آراءهم ندموا ورجعوا إلى قوله ثم إنهم بعد وفاة الشيخ جددوا مذهبهم فخالفوا الربيع بن حبيب الذي تمسك بمذهب أبي عبيدة فلما أيد الربيع إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن في تاهرت صار شعيب بن معروف إلى المغرب فرحب به النكار وقبلوا آراءه وآراء أصحابه المخالفين للربيع بينما اتبع أنصار الإمام عبد الوهاب المعروفين بالوهبية مذهب الربيع بن حبيب.

أما عبد الله بن يزيد الفزاري فلا تذكر لنا المصادر التاريخية شيئا عن علاقته الشخصية مع النكار بالمغرب إلا أنه تجري الإشارة إلى رسالة له أرسلها إلى إخوانه جواباً عن مسائل ابن عمير في نسخة خطية لكتاب مؤلف مغربي مجهول يظهر أنه من النكار لأنه يثني على عبد الله بن يزيد ويصفه بأنه إمام أهل الاستقامة والمقتدى به في الفتاوى الخاصة والعامة أما أبو عمر عيسى بن عمير الهمداني المذكور فهو عالم مقرئ كوني معاصر العبد الله بن يزيد أخذ عنه الكسائي وكان له أنصار بين الإباضية بالمغرب يُسَمَّوْنَ بالعمرية ويشير المؤلف المجهول إلى رسالة أو رسائل أخرى لعبد الله بن يزيد ويذكر كتابا له اسمه كتاب الردود ويظهر أن نسخة غير كاملة من هذا الكتاب لا تزال محفوظة في مكتبة خاصة بالمغرب.

ومن البين أن عبد الله بن يزيد لم يعاون الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن في دعوته كما يظهر أنه اعتمد في تعليمه باليمن على آراء أبي المؤرج السدوسي أحد خصوم الربيع بن حبيب على أن عبد الله بن يزيد لم يكن متكلما صرفا يرفض الأخبار أو يهملها فهو راو للأخبار العديدة التي ينقلها البرادي والشماخي عن كتاب يسمى بكتاب النهروان المؤلف مجهول ولعله أيضاً راوي خير من أخبار وقعة صفين عن جابر بن زيد ينقله الطبري في تاريخه عن أبي مخنف ويقول الدرجيني في كتاب طبقات المشايخ بالمغرب: بلغنا عن عبد الله بن يزيد الفزاري أنه قال: إنما غلبنا أصحاب الربيع باتباع الآثار، وهذا القول إن صحعنه يشير إلى أن عبد الله بن يزيد تحزب بوضوح مع خصوم الربيع بن حبيب وأنه اعترف بحجة السماع في المسائل الدينية كما اعترف بحجة العقل.

وأما جماعة الإباضية في اليمن والتي التجأ إليها عبد الله بن يزيد فلم تكن فيما يظهر تابعة لمذهب الربيع وإنما يذكر الإمام الزيدي اليمني أحمد الناصر لدين الله في نقضه لكتاب عبد الله بن يزيد في الرد على القدرية أن هؤلاء كانوا في أول الأمر على عقيدة الصفرية من المحكمة ثم قدم إليهم داعيان اسمهما عبد الرحيم أو عبد الرحمن بن خليل وعبد الكريم بن نعيم فدعوهم إلى الدين الصحيح أي عقيدة الإباضية ولا يذكر هذان الداعيان في مصادرنا الإباضية والأقرب أن هذه الدعوة وقعت في أيام أبي عبيدة وبعد الخيار ثورة الإمام طالب الحق باليمن فإن الناصر يذكر أبا عبيدة وعبد الرحيم بن خليل وعبد الكريم بن نعيم بين العلماء الذين شهد الإباضية اليمنيون بصحة مذهبهم ولم يسم الربيع بن حبيب ولا الإمام طالب الحق بينهم ولا نعلم هل الداعيان المذكوران كانا ما يزالان حيين لما قدم عبد الله بن يزيد اليمن أو ربما قدم بدعوتهما له.

ومهما يكن من أمر فلا شك أن إباضية اليمن تلقوا آراء عبد الله بن يزيد بالقبول وقد نسبوه إلى بغداد لإقامته السابقة في عاصمة الخلافة العباسية فاشتهر بعبد الله بن يزيد البغدادي في اليمن وقد ألف في أثناء إقامته في اليمن كتباً حفظها جماعة الإباضية اليمنية ولم تعرف خارج اليمن ومن هذه الكتب كتابه في الرد على القدرية الذي نقضه الإمام أحمد الناصر بن يحيى الهادي إلى الحق المتوفى سنة 222هـ في كتابه المسمى بكتاب النجاة لمن اتبع الهدى واجتنب الردى ونقل أحمد الناصر جزءا كبيرا من نص كتاب عبد الله بن يزيد، وقد قمت بنشر كتاب النجاة هذا، ويذكر مسلم اللحجي وهو عالم زيدي مطرفي عاش في القرن السادس في تاريخه كتابا في التحكيم لعبد الله بن يزيد البغدادي بين كتب الإباضية في اليمن ويبدو أن هذا الكتاب غير كتاب النهروان الذي كان معروفا عند إباضية المغرب.

ولا نعلم من هولاء القدرية الذين رد عليهم عبد الله بن يزيد فقد ألف كتابه قبل دخول الزيدية إلى اليمن ويحتمل أن يكونوا من أصحاب وهب بن منبه وكان عبد الله بن يزيد كما رأينا قد وضع كتابا رد فيه على المعتزلة وكتابا في مسألة الاستطاعة لما كان يقيم في العراق فهو ولا شك كان يهتم اهتماما كبيرا بمسألة القدر والحقيقة أنه مال إلى التطرف في إثبات قضاء الله وقدره ونفي حرية اختيار الإنسان لأفعاله إذ يصرحبأن الله يجبر العباد على أفعالهم ويكلفهم بما لا يطاق وأن ذلك عدل منه تعالى، وأما في مسألة استطاعة العبد للفعل فقد ذهب إلى أنها تقع مع الفعل ولا استطاعة قبل الفعل كما يزعم المعتزلة لأنه لو سبقت الاستطاعة الفعل لوقع الفعل دون استطاعة ويقول عبد الله بن يزيد إن استطاعته الإيمان هي غير استطاعته الكفر فإن حصل فعل الإيمان من العبد لم يكن بالإمكان أن يحصل الكفر منه بالاستطاعة نفسها وتأكيداً لهذا الرأي ذهب عبد الله بن يزيد إلى أن عون الله للعبد وعصمته هي استطاعته الإيمان بعينه كما أن خذلان الله للعبد هي عين استطاعته الكفر وقد رفض الإباضية الوهبية هذا الرأي عندما ذهبوا إلى أن العون والعصمة من الله معنى يعطيه الله تعالى في وقت فعل الإيمان وأما الاستطاعة فهي حجة العبد وسلامته، غير أنه يظهر حسب ما يقوله الأشعري في مقالات الإسلاميين أن أكثر متکلمى الإباضية في القرن الثالث الهجري وافقوا عبد الله بن يزيد في قوله، كما أن حسين التجار وهو متكلم مرحني مشهور قد أخذ بمذهب عبد الله ابن يزيد واتبعه الأشعري نفسه فيما بعد وعبد الله بن يزيد فيما تعلم هو أول متكلم وضع هذا المذهب.

وبصدد إثبات القدر فقد اشتهر عبد الله بن يزيد بالقول بأن حجة الله تحققت من خلال دعوة الأنبياء عليهم السلام، وقد بلغت كل الناس بينما يختلف العباد في أدائهم لفرائض الدين وهذا ليس إلا لهداية الله تعالى، لبعضهم وإضلاله بعضهم الآخر إذ هم قد سمعوا جميعاً حجة الله على حد سواء غير أن معرفتهم مختلفة لإرادة الله وقضائه وأما الوهبية فقد قالوا بأن الواجب على كل بالغ السعي والاجتهاد السماع حجة الله في دعوة الرسل وكتبهم فمن يسمعها يسمعها بتوفيق الله له ومن لا يسمعها فلعدم اجتهاده ففي هذه المسألة أيضا أقر عبد الله بن يزيد بغلبة قضاء الله على أفعال العباد إقراراً حاسما بينما اعترف الوهبية بنفوذ اختيار الإنسان إلى حد ما.

وأما في التوحيد فإن مذهب عبد الله بن يزيد يقرب من آراء الإباضية عامة فهو ينكر التشبيه ويثبت أن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله وذاته تخالف ذوات الأشياء المخلوقة التي هي كلها أجسام متحيزة، بينما الذات الإلهية واحدة غير متحيزة وصفاته تعالى كلها صفات كمال وعظمة وحلال منزهة عن النقائص والعيوب والآفات بخلاف صفات خلقه التي هي كلها صفات عجز وضعف ونقص وأما أفعاله فليست بآلات ولا معالجات بخلاف أفعال الخلق وذهب عبد الله بن يزيد إلى أن القرآن وغيره من الكتب المنزلة مخلوقة وهي أجسام غير أعراض فليس للعباد فيها فعل وأما قراءتها وحكاياتها فهما غير الكتب المنزلة وقد خالف الإباضية المتأخرون هذا المذهب بقولهم بأن القرآن كلام مقطع معتاد قراءته وبحكايته للقرآن يسمع كلام الله نفسه.

هذه بعض آراء عبد الله بن يزيد في المسائل الكلامية والظاهر أن جماعة الإباضية في اليمن اتبعوه كما اتبعه جماعة النكار بالمغرب والواقع أن تاريخ الإباضية في اليمن بعد عصر الإمام أحمد الناصر غامض حيث يجري ذكرهم أحيانا في المصادر بالقرنين الخامس والسادس ثم يختفي أثرهم تماماً.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)
تقرير كامل عن حياة عبدالله بن يزيد الفزاري؟

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...