أما في العالم العربي والإسلامي فيبدو أننا ما زلنا بعيدين على وجه العموم عن نقاش حر ناقد للثقافة يطرح تساؤلات جذرية حول الفهم الذاتي السائد سياسيا للدين وتاريخ التراث الفكري رغم ذلك وبالدرجة الأولى بسبب الوضع السياسي الضاغط ينمو الاستعداد لدى بعض مجموعات علماء الدين إلى قبول نسبية قراءات التراث وقد بدأ بعض أساتذة الآداب وعلماء الدين والفلاسفة يقرؤون مصادر الإسلام الدينية قراءة جديدة مغايرة وهم بذلك يفتحون الدرب أمام استنارة عميقة الأثر للتأويلية ولعالم الواقع الذي يعيشون فيه على السواء فهم لا يقرؤون المصادر الدينية أو يفسرونها ببساطة من أجل القيام بإصلاح ديني ومن أجل أن يماشوا متطلبات العصر بل هم على العكس يمنعون الفكر من موقع نظري ناقد في العلاقة القائمة بين نماذج التفكير الدينية المتوارثة وواقع السياسة الثقافية المعيش وهكذا يعود الاهتمام منصبا على الغنى الثقافي والفلسفي والجمالي الذي تحتويه النصوص المقدسة والذي يمكن إبرازه بواسطة قراءات ومقاربات جديدة من نوعها.
لكن الاستعداد لتوسيع وعي المجال الثقافي الخاص لكي يستوعب تراثات الأديان الأخرى ما زال في العالم اليهودي والعالم الإسلامي ضعيف الأث وذلك لأسباب تاريخية وسياسية معروفة تتعلق بالاستعمار وبتأسيس دولة إسرائيل، فإذا كان أوائل المستشرقين قد رأوا في الدين العامل الوحيد المؤثر فعليا في تاريخ البلدان الإسلامية وحاضرها وأعلنوا أن دين المسلمين هو سبب دونيتهم وعجزهم البنيوي عن الإصلاحفقد عاد مفكرون مسلمون في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى الدين ليدافعوا عن أنفسهم من موقع إيديولوجي ويوضحوا وضعهم الراهن مقدمين حججا معاكسة مؤداها أن ليس الإسلام بل الابتعاد عنه هو سبب الأزمة التي تعتري البلدان الإسلامية، وقد نتج من ذلك أن صار من واجب كل مفكر إصلاحي في العالم الإسلامي أن يؤكد أن مطالبه هي مطالب إسلامية لا غش فيها.
ولم يظهر أي تبدل في هذه النماذج المتبعة إلا في السنوات الأخيرة حيث برز مؤلفون وباحثون أتون من خلفيات اجتماعية وفكرية مختلفة يعملون على تحديد وظيفة الدين من جديد وهم يحاولون بذلك أن يحرروا مجالات فكرية واجتماعية واسعة من جبريتها اللاهوتية هكذا صار يطالب مثلا بالديموقراطية من دون إرجاعها إلى الإسلام وصار يفصل إلى حد بعيد بين مجال السلطة السياسية بأسره ومجال الدين وصرنا نسمع عموما أن القرآن إنما بحث الناس على التصرف العقلي والمسؤول.
إن التحاور والمشاركة القائمين بين تراثات فكرية يهودية وإسلامية ومسيحية شرقية موجودة في المجال الحضاري العربي الطابع الممتد من جنوب فرنسا إلى آسيا الوسطى يستحق اهتماما خاصا في إطار معالجة بني تناقل النصوص الدينية وتدوينها مع الإعلان عن قدسيتها وهذا ما لا يعمل به بعد كما يجب.
فقد تم في برامج الدراسات اليهودية المتبعة في إسرائيل تقليص أهمية التحاور والمشاركة المشار إليهما لمصلحة اهتمام تأويلي يقتصر إلى حد بعيد على علاقات موجودة بين النصوص في إطار يهودي بحت أما في برامج الدروس المتبعة في الجامعات العربية والإيرانية فليس من الممكن بعد تغيير الوضع المشابه الموجود أيضا هناك.
وانطلاقا من هذا الواقع يخلق المشروع مكانا جديدا للتعلم المتبادل المباشر عن بني التقاليد اليهودية والإسلامية والمسيحية الشرقية، إن التطلع إلى المسيحية الشرقية في هذا السياق ذو أهمية جوهرية بالنسبة للمحاولات الذاتية للنقد الجارية حاليا من أجل الوصول إلى إنشاء كتابة تاريخية يهودية جديدة لا تعرض الدين اليهودي كمصدر كل الأديان التوحيدية ومركزها إضافة إلى ذلك فإن أخذ المسيحية الشرقية بعين الاعتبار مهم جدا بالنسبة لنقد الخطاب الديني السائد في العالم الإسلامي أيضاً إذ إن هذا الخطاب انبثق كرد فعل ضد نقد المستشرقين المسيحيين، وهذا لن يؤدي بالطبع إلى أن يتحول التركيز في المشروع على الحوار اليهودي الإسلامي حول بنى التفسير الكلاسيكي للنصوص وهو حوار لم يتم جديا بعد.
إن التأويلية اليهودية والمفكرين المسلمين على السواء لا يتبعون اتباعا أعمى النماذج الفكرية التي أبدعها عصر التنوير المسيحي الذي سبقته خطوات تأويلية تحضيرية أوحدها النقد التاريخي للدين المسيحي في قرون خلت إن النصوص الموجودة في تراث الثقافتين اليهودية والإسلامية تحتوي ما يمكن لنقد الحداثة الذي أطلقه بشكل خاص فلاسفة ألمان وفرنسيون في القرن العشرين أن يرجع فقط بل بالدرجة الأولى إلى الحركات التي أدت إلى نشوء الدول القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، كذلك يدرك المفكرون الإصلاحيون المسلمون في إيران والهند ومصر أن استغلال الدين إيديولوجيا وسياسيا إنما هو عملية حديثة.
أما أهداف المشروع فيمكن تلخيصها كما يلي؟
إن أخذ المجال الحواري والثقافي اليهودي العربي مجدداً بعين الاعتبار يهدف إلى بعث دفعات حيوية في العلوم اليهودية والإسلامية وعلوم الأديان والآداب وإلى ضخ نبضات في النقاشات النقدية الدائرة في العالمين اليهودي والإسلامي وتوفير إمكانية اللقاء الشخصي بين علماء يهود ومسلمين، وهو الأمر الذي ما زال نادرا أمر يستحق بحد ذاته بذل الجهد من أجل تحقيقه في إطار المشروع حيث يجد مثقفون وبحاثة نقاد هم موضوع جدل في أوطانهم الإطار المضموني الملائم لعمل مشترك إن المنبر الحواري الذي يسعى المشروع إلى أن يكونه يمكن أن يصل إشعاعه ليس إلى الشرقين الأوسط والأدنى بل أيضا إلى أوروبا ولا يخفى أخيرا أن لفت النظر إلى التراثين الأدبيين: اليهودي الإسلامي إنما فيه إغناء للتأويلية الفلسفية في أوروبا التي تجري تحت راية التراث اليوناني المسيحي، وهذا الإغناء قد ينعكس إيجابياً على المدى الطويل في الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية بشكل عام.
ومن أهداف المشروع البعيدة الأمد أيضا دمج التراثين الإسلامي واليهودي في البرامج المعتمدة في العلوم الإنسانية في الجامعات الألمانية.
أما الموضوعات الأساسية التي يجتمع حولها علماء في الإسلاميات واليهوديات والفلسفة والآداب على مدى بضع سنوات في إطار مشروع التأويلية اليهودية والإسلامية فتتناول:
1. الكتاب المقدس والقرآن.
2. النصوص الدينية والصلاة وفن الرسم الديني والنظم الشعري والجمالية الموسيقية.
3. علم التفسير.
4. الفلسفة وعلم الكلام في الإسلام واليهودية.
5. الشرع والفقه والتدوين النهائي للنصوص.
6. التصوف في الإسلام واليهودية.
7. وأخيرا كمخرج إلى الحداثة سياسة التأويلية وتأويلية السياسة.
ويحرص المشرفون على المشروع والمشاركون فيه على اكتساب محاورين من مؤسسات وجهات أخرى يناقشون معهم الموضوعات التي يبحثونها.
ويرحبون بالإسهام في ندواتهم ومؤتمراتهم التي ستنعقد في المستقبل.