0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية الابتدائية بواسطة (2.9مليون نقاط)

أود في هذه الورقة التعريف بمشروع يجري حاليا في معهد ألماني هو أي معهد الدراسات المتقدمة في برلين بألمانيا إن لهذا المشروع علاقة وثيقة بفكرة التسامح ونظرا لوجود مبادرة مثالية في سبيل بلورة هذه الفكرة في سلطنة عمان أعني مجلة التسامح فإنني رأيت من المناسب أن أكتب عن المشروع الألماني لعلنا نؤسس تعاوناً علمياً وثيقا بيننا في المستقبل.

وقبل أن أبتدئ أرجو أن أتحدث باختصار عن التجربة الألمانية في مجال التعايش بين الديانات في الماضي وفي التاريخ الحديث وهي تجربة دفعت المسؤولين عن المعهد إلى اختيار موضوع بحثهم وهو التأويلية اليهودية والإسلامية كنقد للحداثة فلنلتفت أولا إلى تلك التجربة الألمانية التي تختلف اختلافا كبيراً عن تجربة العالم الإسلامي مع الديانات الأخرى.

لم تعرف ألمانيا في تاريخها أقليات دينية إلى جانب الطائفتين الرئيسيتين من المسيحية باستثناء أقلية يهودية عانت التجمعات اليهودية المبعثرة في مختلف مناطق ألمانيا في الفترة المسماة بالعصور الوسطى من الاضطهادات التي شملت مجازر متعددة تكررت فيما بعد ولو بصورة أقل وظل ذلك حتى عصر التنوير أي عصر التسامح ففي ذلك العصر الذي بلغ أوجه في الثورة الفرنسية أعيد النظر في التشريعات المتعلقة بالأجانب وخاصة المتعلقة باليهود إعادة جذرية وحصل اليهود لاحقا على الحقوق الكاملة كمواطنين ألمان، إلا أن مشاعر معادية لليهود بقيت مسيطرة في بعض الأوساط واستغلت هذه المشاعر سياسيا في الحقبة النازية حين قامت السلطات النازية بإبعاد اليهود من مناصبهم ووظائفهم المختلفة في الحياة الثقافية والاقتصادية الألمانية وقد وقعت في أثناء الحرب العالمية الأعمال المسماة بمعسكرات الإبادة التي لم تكتشف أبعادها الرهيبة إلا بعد الحرب وكان لذلك عواقب بالغة الأهمية في ألمانيا حتى الآن أولها الحرص الشديد على المصالحة بين الألمان واليهود وإن كان هذا لا يعني الموافقة المطلقة على السياسات الإسرائيلية، إن ذلك يعكس الرغبة عند الألمان في إعادة قراءة تاريخهم قراءة ناقدة أما المشروع الجاري الآن في معهد الدراسات المتقدمة فهو يعبر عن الرغبة في البحث المتعمق في تاريخ الأيديولوجيات وإعادة النظر في مختلف الأحكام السابقة والمواقف المعدة سلفا.

كان ذلك التمهيد ضروريا لإيضاح مسائل سنتحدث عنها لاحقا أما معهد الدراسات المتقدمة فإنه يشبه   في جامعة برنستون فهذا المعهد يسعى إلى تشجيع الحوار بين العلوم الإنسانية كما يسعى للربط بين الثقافات وللحوار بينهما من خلال دعوة باحثين وعلماء ينتمون إلى ثقافات شتى يعكف كل باحث من هؤلاء على مشروعه العلمي الخاص إلا أن هناك مشروعا كبيرا تشترك فيه جماعة من الباحثين وهو مشروع أي الإسلام والحداثة الذي أسس في بداية التسعينات نظرا لأهمية إعادة التفكير في علاقة الغرب بالشرق الأوسط، كان المشروع بداية يتركز على نقاش ظواهر الحداثة المتنوعة وارتباطها بمجتمعات العالم الإسلامي المختلفة وقد أخذ اتجاها جديداً عام 2001م حين تولى باحث عقلاني شاب ذو مواهب وأفكار خلاقة منصب المنظم للمشروع وهو الدكتور نفيد كرماني ينتمي كرماني إلى عائلة إيرانية مهاجرة إلى ألمانيا ولذلك حظي بثقافة تجمع بين الأبعاد الإسلامية والأوروبية وتحت إشرافه انتقل اهتمام المشروع من الأوجه الاجتماعية والسياسية إلى أوجه تأويلية وجمالية وانقسم المشروع لذلك إلى قسمين قسم يدرس الحراك الثقافي في الآداب الغربية والشرقية الحديثة والكلاسيكية على حد سواء كهجرة بعض الأساليب والمعاني الأدبية الشرقية إلى الأدب الغربي وبالعكس، وهي نظرة إلى الأدب تعطى الآداب غير الأوروبية نصيبها من الاهتمام على عكس ما ظلت تفعله المركزية الأوروبية إن الحديث عن الجزء الأدبي من هذا المشروع ليس موضوع حديثي فسأتحدث عن الجزء الآخر وهو التأويلية اليهودية والإسلامية كنقد ثقافي.

لماذا الاهتمام بالمنهج التأويلي؟

يرى نصر حامد أبو زيد وهو أحد الباحثين في الدراسات القرآنية أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة النص يقول أبو زيد:

وإذا صح لنا بكثير من التبسيط أن تختزل الحضارة في بعد واحد من أبعادها لصح لنا أن نقول: إن الحضارة المصرية القديمة هي حضارة ما بعد الموت وإن الحضارة اليونانية هي حضارة العقل أما الحضارة العربية الإسلامية فهي حضارة النص.

وقد سبقه في حكمه هذا محمد أركون الذي اخترع مصطلح أي محورية الكلمة كميزة بارزة للثقافية الإسلامية وقد أشرت إلى الجانب الآخر للمشروع الألماني وهو دراسة التراث اليهودي التي تتم في السياق العلمي نفسه، وإننا نلاحظ في العصر الحديث اهتماما بالغا عند علماء التراث اليهودي في أبعاد محورية النص في تاريخ الحضارة اليهودية وقد ذهب أحد علماء التراث اليهودي إلى أن سمى كتابا له بعنوان أهل الكتاب متبنياً مصطلحاً إسلامياً ليصف بعداً من أبعاد ثقافته. 

وإذن ليس من المفاجئ أن تكون الحاجة لمواجهة الثقافية التقليدية والمؤسسة على النص الواقع التاريخي والواقع المعاصر الحديث حاجة ملموسة عند عقلانيي كلتا الثقافتين على حد سواء ولو لم يعوا ما يجري عند الآخر إن ما لاحظه نصر حامد أبو زيد من التركيز على النص ينطبق على الوضع السائد في الثقافة اليهودية يقول أبو زيد: إذا كانت الحضارة تتركز حول النص الذي يمثل أحد محاورها السياسية فلا شك أن التأويل وهو الوجه الآخر من النص يمثل آلية هامة من آليات الثقافة والحضارة في إنتاج المعرفة. إن النص حين يكون محورا لحضارة أو ثقافة لا بد من أن تتعدد تفسيراته وتأويلاته ويخضع هذا التعدد التأويلي التغيرات متنوعة ولعل أهم هذه التغيرات مثلا طبيعة العلم الذي يتناول النص أي المحال المعرفي الخاص الذي يحدد أهداف التأويل وطرائقه أما ثاني هذه التغيرات فهو الأفق المعرفي الذي يتناول العالم المتخصص من خلاله النص، إن العلاقة بين المفسر والنص ليست علاقة إخضاع من جانب المفسر وخضوع من جانب النص والأخرى القول: إنها علاقة جدلية قائمة على التفاعل المتبادل، ويبرز أبو زيد أن البحث التأويلي ليس مجرد رحلة فكرية في التراث ولكنه فوق ذلك بحث عن البعد المفقود في هذا التراث وهو البعد الذي يمكن أن يساعدنا على الاقتراب من صياغة الوعي العلمي بهذا التراث وإن الدراسة التأويلية ومحورها مفهوم النص هي الكفيلة بتحقيق وعي علمي نتجاوز به موقف التوجيه الأيديولوجي السائد في ثقافتنا وفكرنا.

برنامج مشروع؟ 

التأويلية اليهودية والإسلامية كنقد للحداثة؟ 

لاحت في العالمين الإسلامي واليهودي منذ سنوات تباشير فكر ناقد للثقافة بعيد من جديد تحديد علاقته بتراثه الديني، ويمكننا أن نلاحظ في العالمين رغم اختلاف الجو السياسي والفكري السائد في كل منهما اهتماما مشتركا ألا وهو الاهتمام بتأويلية هرمنو يطيقا يهودية أو إسلامية انبثقت من معالجة بني النصوص الدينية والمقدسة وقد نتج النقد الموجه ضد استعمال المصادر الدينية لأغراض سياسية من التعاطي مع التراث نفسه مما يدفع هذا النقد إلى عدم إهمال التراث بل مراعاته بجدية وهذا ما ينطبق على الفكر اليهودي والفكر الإسلامي المعاصر ضمن رؤية مجموعة من المفكرين الدينيين الطليعيين على الأقل ومما يشير الاستغراب أن هذه الظاهرة المشتركة إنما تلاحظ بوضوح خاصة في بلدين يبدوان على أبعد ما يكون أحدهما عن الآخر سياسيا وفكريا إيران وإسرائيل في إيران ينتقد بعض علماء اللاهوت والمفكرين الدينيين مثل عبد الكريم سروج ومحمد مجتهد شبستري تحويل الإسلام إلى إيديولوجيا سياسية وهذا ما سبق لهم شخصيا أن أسهموا فيه وفي إسرائيل تشكك مجموعة صغيرة من المثقفين ذوي الطابع الديني الخفر بشكل جذري في النماذج السياسية والتأويلية المتبعة في كتابة تاريخ الصهيونية إضافة إلى ذلك يدعو بعض المثقفين الناقدين إلى أن تكون إسرائيل دولة غير دينية يشترك فيها اليهود والعرب على السواء.

إن مشروع أبحاث كمشروعنا يتناول التأويلية اليهودية والإسلامية معا ويشترك فيه علماء بارزون في حقلي الدراسات اليهودية والإسلامية ومثقفون مسلمون ويهود يدرس كل منهم ترائه الخاص في إطار اهتمام تأويلي للثقافة يمكنه أن يرافق نقدا يهوديا وإسلاميا ما يزال غائبا للثقافة وهو نقد ضروري الأسباب علمية وسياسية لا تخفى، وهو كفيل بالتشديد على أهمية التراثين اليهودي والإسلامي بالنسبة إلى تكون الثقافة الأوروبية نفسها كيف نسعى إلى تحقيق ذلك. 

كما سبقت الإشارة فإننا نلمس في أوساط يهودية وإسلامية اهتماما أكاديميا بالبنى التأويلية الخاصة بتناقل النصوص التقليدية وتفسيرها وبتدوين النصوص نهائيا مع الإعلان عن قدسيتها ويترافق هذا الاهتمام مع نقد متزايد موجه ضد استيلاء تيارات سياسية وقومية على هذه النصوص منذ نهاية القرن التاسع عشر.

لذلك فإنه من المفيد أن يُدعى بحاثة بارزون في حقول الفلسفة والآداب والعلوم الإسلامية واليهودية ليعملوا معا في مكان واحد متميز بالانفتاح من أجل أن يشكلوا ما يسميه برنارد لويس تراثا يهوديا إسلاميا مشتركا، ويتم في الوقت نفسه الربط بين أبحاث تنتقد أدلجة الإسلام واليهودية ما زالت حتى الآن تعمل منفصلة تماما عن بعضها بعضاً رغم كونها متأصلة في فضاء حضاري واحد مطبوع باللغة العربية، ويهدف هذا الربط إلى الكشف عن العلاقات المتبادلة والتشابهات والاختلافات الموجودة بين التراثين اليهودي والإسلامي وغني عن القول أن الفصل الحاد بين الحقول الأكاديمية التي تتناول الإسلام واليهودية والمسيحية الشرقية غير ممكن فهي تتناول مجالا حواريا ثقافيا وجغرافيا مشتركا وليس هذا الفصل الحاد إلا تعبيرا عن إيديولوجيا تم تجاوزها ثقافيا، وقد انطلقت هذه الرؤية من الاعتقاد بوجود غرب مسيحي يوناني منفصل ثقافيا عن الشرق مما أدى إلى أن تحرم الحقول المذكورة آنفا كالفلسفة العربية والآداب الشرقية وسواها من الاندماج في الحلقات الأكاديمية العلمية في أوروبا.

غالباً ما يغيب عن الوعي السائد في إسرائيل وبلدان العالم الإسلامي أن عناصر جوهرية من التراث الفكري الخاص تنتمي فعلا إلى المحال الثقافي الواحد الذي ينتمي إليه أيضا التراث الفكري الموجود لدى الجيران والأعداء من هذا المنطلق نسعى إلى أن يخلق المشروع الذي سيستمر في معهد الدراسات المتقدمة في برلين عدة سنوات منبرا أكاديميا عالميا لفكر نقدي يهودي وإسلامي معاكس للوعي السائد وما زال هذا الفكر في بلدان الشرق الأوسط يسعى لينال الظهور في مجالات مشتركة مفتوحة المشروع يسعى إذا إلى لفت نظر العلماء والمثقفين في الطرفين إلى ضرورة إعادة التفكير في الحدود القديمة التي سبق أن رسمت بين التراثين الدينيين وإلى الإسهام بشكل فعال في التغلب على العدوانية الكامنة في الأبحاث التي يقوم بها مسلمون ويهود كل عن الطرف الآخر.

ولهذا السعي ما يسوغه ففي سياق النقاش النقدي الذي يدور حاليا تبرز القرون الوسطى كمجال مفتوحللحوار تفاهم فيه مفكرون مسلمون ومسيحيون ويهود حول الفلسفة وسائر العلوم فهم يشكلون محالا ثقافيا مثاليا تم في الحداثة تضييقه وتقسيمه تحت تأثير النزعات القومية، فالقرون الوسطى إذا مصدر إلهام البعض المفكرين اليهود في سياق نقدهم استخدام التراث الديني لأغراض سياسية وترتبط إعادة تقييم المجالات الحوارية التعددية في القرون الوسطى بنهضة في دراسة العلوم اليهودية التي ازدهرت في ألمانيا في القرنين التاسع عشر والعشرين وأدت يومها إلى تكوين بدايات دمج علمي لأدب التراث اليهودي في ألمانيا وقد ترافق ذلك حينئذ مع اهتمام بالغ في التداخل الذي كان قائما بين التراثات اليهودية والمسيحية والإسلامية خاصة في الفلسفة الوسيطة والأدب السكولاستيكي المدرسي. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)

أما في العالم العربي والإسلامي فيبدو أننا ما زلنا بعيدين على وجه العموم عن نقاش حر ناقد للثقافة يطرح تساؤلات جذرية حول الفهم الذاتي السائد سياسيا للدين وتاريخ التراث الفكري رغم ذلك وبالدرجة الأولى بسبب الوضع السياسي الضاغط ينمو الاستعداد لدى بعض مجموعات علماء الدين إلى قبول نسبية قراءات التراث وقد بدأ بعض أساتذة الآداب وعلماء الدين والفلاسفة يقرؤون مصادر الإسلام الدينية قراءة جديدة مغايرة وهم بذلك يفتحون الدرب أمام استنارة عميقة الأثر للتأويلية ولعالم الواقع الذي يعيشون فيه على السواء فهم لا يقرؤون المصادر الدينية أو يفسرونها ببساطة من أجل القيام بإصلاح ديني ومن أجل أن يماشوا متطلبات العصر بل هم على العكس يمنعون الفكر من موقع نظري ناقد في العلاقة القائمة بين نماذج التفكير الدينية المتوارثة وواقع السياسة الثقافية المعيش وهكذا يعود الاهتمام منصبا على الغنى الثقافي والفلسفي والجمالي الذي تحتويه النصوص المقدسة والذي يمكن إبرازه بواسطة قراءات ومقاربات جديدة من نوعها.

لكن الاستعداد لتوسيع وعي المجال الثقافي الخاص لكي يستوعب تراثات الأديان الأخرى ما زال في العالم اليهودي والعالم الإسلامي ضعيف الأث وذلك لأسباب تاريخية وسياسية معروفة تتعلق بالاستعمار وبتأسيس دولة إسرائيل، فإذا كان أوائل المستشرقين قد رأوا في الدين العامل الوحيد المؤثر فعليا في تاريخ البلدان الإسلامية وحاضرها وأعلنوا أن دين المسلمين هو سبب دونيتهم وعجزهم البنيوي عن الإصلاحفقد عاد مفكرون مسلمون في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى الدين ليدافعوا عن أنفسهم من موقع إيديولوجي ويوضحوا وضعهم الراهن مقدمين حججا معاكسة مؤداها أن ليس الإسلام بل الابتعاد عنه هو سبب الأزمة التي تعتري البلدان الإسلامية، وقد نتج من ذلك أن صار من واجب كل مفكر إصلاحي في العالم الإسلامي أن يؤكد أن مطالبه هي مطالب إسلامية لا غش فيها. 

ولم يظهر أي تبدل في هذه النماذج المتبعة إلا في السنوات الأخيرة حيث برز مؤلفون وباحثون أتون من خلفيات اجتماعية وفكرية مختلفة يعملون على تحديد وظيفة الدين من جديد وهم يحاولون بذلك أن يحرروا مجالات فكرية واجتماعية واسعة من جبريتها اللاهوتية هكذا صار يطالب مثلا بالديموقراطية من دون إرجاعها إلى الإسلام وصار يفصل إلى حد بعيد بين مجال السلطة السياسية بأسره ومجال الدين وصرنا نسمع عموما أن القرآن إنما بحث الناس على التصرف العقلي والمسؤول.

إن التحاور والمشاركة القائمين بين تراثات فكرية يهودية وإسلامية ومسيحية شرقية موجودة في المجال الحضاري العربي الطابع الممتد من جنوب فرنسا إلى آسيا الوسطى يستحق اهتماما خاصا في إطار معالجة بني تناقل النصوص الدينية وتدوينها مع الإعلان عن قدسيتها وهذا ما لا يعمل به بعد كما يجب.

فقد تم في برامج الدراسات اليهودية المتبعة في إسرائيل تقليص أهمية التحاور والمشاركة المشار إليهما لمصلحة اهتمام تأويلي يقتصر إلى حد بعيد على علاقات موجودة بين النصوص في إطار يهودي بحت أما في برامج الدروس المتبعة في الجامعات العربية والإيرانية فليس من الممكن بعد تغيير الوضع المشابه الموجود أيضا هناك.

وانطلاقا من هذا الواقع يخلق المشروع مكانا جديدا للتعلم المتبادل المباشر عن بني التقاليد اليهودية والإسلامية والمسيحية الشرقية، إن التطلع إلى المسيحية الشرقية في هذا السياق ذو أهمية جوهرية بالنسبة للمحاولات الذاتية للنقد الجارية حاليا من أجل الوصول إلى إنشاء كتابة تاريخية يهودية جديدة لا تعرض الدين اليهودي كمصدر كل الأديان التوحيدية ومركزها إضافة إلى ذلك فإن أخذ المسيحية الشرقية بعين الاعتبار مهم جدا بالنسبة لنقد الخطاب الديني السائد في العالم الإسلامي أيضاً إذ إن هذا الخطاب انبثق كرد فعل ضد نقد المستشرقين المسيحيين، وهذا لن يؤدي بالطبع إلى أن يتحول التركيز في المشروع على الحوار اليهودي الإسلامي حول بنى التفسير الكلاسيكي للنصوص وهو حوار لم يتم جديا بعد.

إن التأويلية اليهودية والمفكرين المسلمين على السواء لا يتبعون اتباعا أعمى النماذج الفكرية التي أبدعها عصر التنوير المسيحي الذي سبقته خطوات تأويلية تحضيرية أوحدها النقد التاريخي للدين المسيحي في قرون خلت إن النصوص الموجودة في تراث الثقافتين اليهودية والإسلامية تحتوي ما يمكن لنقد الحداثة الذي أطلقه بشكل خاص فلاسفة ألمان وفرنسيون في القرن العشرين أن يرجع فقط بل بالدرجة الأولى إلى الحركات التي أدت إلى نشوء الدول القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، كذلك يدرك المفكرون الإصلاحيون المسلمون في إيران والهند ومصر أن استغلال الدين إيديولوجيا وسياسيا إنما هو عملية حديثة.

أما أهداف المشروع فيمكن تلخيصها كما يلي؟ 

إن أخذ المجال الحواري والثقافي اليهودي العربي مجدداً بعين الاعتبار يهدف إلى بعث دفعات حيوية في العلوم اليهودية والإسلامية وعلوم الأديان والآداب وإلى ضخ نبضات في النقاشات النقدية الدائرة في العالمين اليهودي والإسلامي وتوفير إمكانية اللقاء الشخصي بين علماء يهود ومسلمين، وهو الأمر الذي ما زال نادرا أمر يستحق بحد ذاته بذل الجهد من أجل تحقيقه في إطار المشروع حيث يجد مثقفون وبحاثة نقاد هم موضوع جدل في أوطانهم الإطار المضموني الملائم لعمل مشترك إن المنبر الحواري الذي يسعى المشروع إلى أن يكونه يمكن أن يصل إشعاعه ليس إلى الشرقين الأوسط والأدنى بل أيضا إلى أوروبا ولا يخفى أخيرا أن لفت النظر إلى التراثين الأدبيين: اليهودي الإسلامي إنما فيه إغناء للتأويلية الفلسفية في أوروبا التي تجري تحت راية التراث اليوناني المسيحي، وهذا الإغناء قد ينعكس إيجابياً على المدى الطويل في الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية بشكل عام.

ومن أهداف المشروع البعيدة الأمد أيضا دمج التراثين الإسلامي واليهودي في البرامج المعتمدة في العلوم الإنسانية في الجامعات الألمانية.

أما الموضوعات الأساسية التي يجتمع حولها علماء في الإسلاميات واليهوديات والفلسفة والآداب على مدى بضع سنوات في إطار مشروع التأويلية اليهودية والإسلامية فتتناول:

1. الكتاب المقدس والقرآن.

2. النصوص الدينية والصلاة وفن الرسم الديني والنظم الشعري والجمالية الموسيقية.

3. علم التفسير.

4. الفلسفة وعلم الكلام في الإسلام واليهودية.

5. الشرع والفقه والتدوين النهائي للنصوص.

6. التصوف في الإسلام واليهودية.

7. وأخيرا كمخرج إلى الحداثة سياسة التأويلية وتأويلية السياسة.

ويحرص المشرفون على المشروع والمشاركون فيه على اكتساب محاورين من مؤسسات وجهات أخرى يناقشون معهم الموضوعات التي يبحثونها.

ويرحبون بالإسهام في ندواتهم ومؤتمراتهم التي ستنعقد في المستقبل.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...