تشمل مؤثرات النمو أربعة محاور رئيسة هي العوامل الوراثية والبيئية والآثار الناتجة عن إفرازات الغدد وعوامل النضج والتدريب والتعليم وفيما يلي استعراض لتلك العوامل كل على حدة؟
أولاً : العوامل الوراثية؟
تمثل الوراثية كل العوامل الذاتية التي كانت موجودة لدى الفرد قبل ولادته أي منذ بداية حياته الرسمية وتشير قوانين الوراثة إلى أن ما نرثه هو مجموعة الإمكانيات التي تتضح فيما بعد إلى خصائص وراثية تميز جنسياً عن آخر وتميز بين الأفراد من الجنس الواحد مثال ذلك بذرة القمح التي تزرعها لتتفتح إمكانياتها فتخرج الأوراق والسيقان والسنابل شريطة توفر الظروف البيئية الملائمة لنموها إن مثل هذه الإمكانيات الوراثية الكامنة في البويضة الأنثوية والحيوان المنوي تتحول بعد الإخصاب إلى خصائص وراثية لتخرج لنا مخلوقاً جديدا يحمل نفس الخصائص والصفات التي اتصف بها آباؤه وأسلافه.
هذا وتؤثر الوراثة على النو سلباً وإيجابياً فمثلما نرث مستوى رفيعا من الذكاء قد نرث استعداداً لاستقطب بعض الأمتراض كالبول السكري أو العشى الليلي وقد نرث بنية جسمية قوية أو ضعيفة أو بشترة بيضاء أو صفراء أي نأخذ مما هو موجود لدى آبائنا وأسلافنا من خصائص وسمات تؤثر الوراثة أيضاً على سرعة النمو وتباطئه ونضجه أو قصوره ونوعه ومداه وتنقل الخصائص الوراثية إلى الأجيال الجديدة عن طريق الجينات التي تحملها الكرموزومات التي يحملها كل من الحيوان المئوي الذكري والبويضة الأنثوية وبعد اختراق الحيوان المنوي جدار البويضة والتصاق نواته بنواتها تصبح بويضة مخصبة تحمل صفات من الأب والأم والأجداد وتتفاعل هذه الموروثات بعضها مع بعض لتنتج صفات جديدة قد تختلف بعضها عن تلك التي تميز الآباء والأمهات مثال ذلك زواج آسيوي بأوربية مما قد ينتج عنه طفل أوروبي القامة وأسيوي العينين وقد يكون شعره أشقر أو بشرته صفراء وقد تكون كل هذه الصفات أو بعضها بين البينين كنيجة لتلك التفاعلات التي تحدث داخل البويضة.
أ. السمات والخصائص الموروثة : تنقسم السمات الوراثية إلى نوعين : سمات وراثية سائدة وأخرى منتجة، ويقصد بالمنتجة تلك الصفات أو السمات المتخفية التي قد لا تظهر دائما وقد تأتي من أجيال سابقة لا علم ولا معرفة للجيل الحالي بها وهي التي قد تجعل الطفل لا يشبه أباه تماما ومنها صفة فقدان شعر الرأس أو الصلع التي تخص جنس الذكر فقط حتى ولو كانت موروثة من ناحية الأم وقد تظهر عند طفل ولا تظهر عند أخيه وقد تختفي أجيالاً ثم تظهر من جديد والمثل الشعبي يقول : العرق يمتد إلى السبعين جد.
أما السمات السائدة فتشمل لون ونوع الشعر ولون البشرة ولون العينين وتقاسيم الوجه وملامحة العامة وفصيلة الدم وحدود الجسم الهيكلية وحدود طول القامة ونسب أعضاء الجسم بعضها لبعض والإستعدادات لاستقطاب بعض الأمراض كمرض البول السكري والعشى الليلي وبعض الأمراض الصدرية على أن معظم الإستعدادات المرضية تنقلها جينات متنحية وتكون الفرصة أكبر للإصابة بالمرض إذا نقل الإستعداد له من جين متنح من الأب وآخر من الأم.
ب. أهداف الوراثة؟
1. المحافظة على النوع حيث يبقي الإنسان ينجب إنساناً والحيوان ينجب حيواناً.
2. المحافظة على السلالة حيث يبقى الزنجي ينجب زنجياً والعربي ينجب عربيا والأوروبي ينجب أوروبياً.
3. المحافظة على الجنس حيث يبقى نصف البشر أو الحيوانات الأخرى ذكوراً والنصف الآخر إناثاً وقد لا يكون هذا في نفس العائلة الواحدة أو المجتمع الواحد لسبب أو لآخر ولكن على مستوى البشرية يكون عدد الإناث والذكور دائماً متقارباً.
4. المحافظة على قرب الأجيال من المتوط فليسوا كل الناس طوالاً ولا كلهم قصاراً ولكن الجميع يتمتع بصفات قريبة من المتوسط فالأبوين الطويلين مثلاً قد يكون بعض أطفالهما أطول منهما وبعضهما أقصر منهما وربما البعض منهم مساو لهما في الطول في الطول وهكذا مع بقية الصفات الجسمية والعقلية الأخرى وعادة ما تكون المعادلة الوراثية للطول وبعض الصفات الجسمية الأخرى.
لقد أشرت سلفاً إلى أن الخالق المبدع جعل للوراثة أهدافاً محددة منها المحافظة على النوع و السلالة وحفظ التوازن بين الذكور والإناث وبقاء صفات الخلف مشابهة لصفات السلف وهو جل شأنه لم يخلق شيئاً عبثاً وكان قادراً على أن يخلق الإنسان في أي صورة شاء وحيت أنه فضله على سائر مخلوقاته فقد أرتضى له هذه الصورة لأسباب هو دون غيره.
غير أن التطورات العلمية في مجال الهندسة الوراثية وعلم أحياء الجزئيات وعلم الإستنساخ وغيرها من علوم التكنولوجيا والمعلوماتية أثارت تساؤلات وتخوفات حول مستقبل البشرية برمتها وأفرزت خلافات حادة بين مختلف الأوساط العلمية والسياسية والدينية فبينما يبشر المؤيدون بما ستقدمه هذه المستجدات العلمية من أفاق جديدة في مجالات الطب و وفرة الغذاء وزيادة متوسط الأعمار وغيرها من الإنجازات الإيجابية لصالحالإنسان خاصةً نجد المعارضين يحديرون من التدخل في صنعة الله خشية الإخلال بالتوازن الطبيعي للخلق إضافة إلى إعتبارات أخلاقية ودينية ويعتبرون التخلص من المستنسخ الجديد بعد الإستفادة من بعض أطرافه قتلاً عمداً محرماً لدى الأديان والشرائع السماوية كافة فهو أيضاً مخلوق طوره الإنسان بإذن من ربه كما يحذرون كذلك من وقوع هذه القدرات العلمية في الأشرار من بني البشر ليسخرونها فيما يغضب الله وفي غير صالح البشرية.
وفي ضوء هذه التطورات العلمية وما يشهده العالم من تلاش لحدود الدولة الوطنية الأمر الذي يستوجب تزويد القارئ ببسطة موجزة عن بعض التطورات في مجال الخرائط الجينية للإنسان حيث تشغل أبحاث المجين البشري، بال العلماء ورجال الدين والسياسين على د سواء فيما هو المجين البشري ياترى.
المجين البشري : هو حامض د. ن . أ . D.N.A الموجود في الخلية البشرية يتكون من مجموعها جسم الإنسان، وتحتوي كل خلية حية في هذا الجسم ما عدا خلايا كريات الدم الحمراء على نسخة مطابقة من الحامض مرتب في عدد 23 زوجا من الكرومزومات، ويمثل هذا المجين جملة المخزون الوراثي الذي يحدد الصفات الجسمية والنفسية للإنسان.
إن الكشف عن المخزون الوراثي البشري ربما يتيح الفرصة لكشف الخلل الوراي المسبب لبع الأمراض ومن ثم اكتشاف علاج لها كبعض الأمراض السرطانية وأمراض القلب والكلى وارتفاع ضغط الدم والسكري والزهيمر وغيرها غير أن هذه التعرية لأسرار التكوين البري لا تخلو من المخاطر فقد تتيح الفرصة إلى الشروع في إعادة تصميم هذا المخلوق الذي كرمه الله على سائر خلقه وذلك عن طريق مجين معدل يغير من المواصفات الحالية للإنسان كتحقيق أحلام النازية في تطوير الإنسان الأسمى أو استغلال هذه المكتشفات لصالح دولة ضد أخرى أو تغيير المخزون الوراثي للإنسان أو خلطة بمخزون وراثي المخلوقات أخرى مما سيؤدى بدوره إلى تغيير الإمكانات والقدرات الجسمية والعقلية البشرية كالقدرة على مقاومة الأمراض أو تغيير درجة حرارة الجسم أتغيير نمط الغذاء.
ثانياً : العوامل البيئية؟
تشمل البيئية كل العوامل التي تؤثر على الكائن البشري منذ تكوينه في الرحم وكل ما يؤثر على النمو خارج نطاق الوراثة يعتبر بيئياً بما في ذلك بيئة الرحم فقد تصاب الأم الحامل بأمراض تؤثر على الجنين ونصفه كآثار بيئية على نموه.
وتنقسم البيئة لى بيئات جزئية منها البيئة المادية الجغرافية الإجتماعية والثقافية والدينية، وتنقسم تلك البيئات الجزئية إلى بيئات أصغر منها فمتغيرات البيئة الاجتماعية مثلاً منها ما هو عام يخص كل البشر ومنها ما يؤثر أو يخص المسلمين فقط ثم العرب المجتمع الليبي الذي يميز بعلاقات وتراث خاص الأسرة وهكذا تشمل البيئة أيضا العوامل الإقتصادية والسياسية والثقافية التي تؤثر على نمو الشخصية ومن السمات البيئية الخاصة اللغة والدين والقيم الأخلاقية والسلوك الإجتماعي كالعادات والتقاليد والقوانين والمعايير العامة السائدة في المجتمع الذي يعش فه وفما يلي أهم المؤثرات البيئية على النمو الجسمي والصحي للفرد.
أ. الغذاء : الغذاء بأنواعه هو أصل المواد التي يحتاجها الجسم لنمو واستمرار بقاء الكائن حياً فهو الذي يزود الجسم بالطاقة التي تمكنه من الحركة والسلوك الحسي والفسيولوجي والعقلي، تجدد الخلايا وتكاثرها الذي يؤدي بدوره إلى نمو الجسم وأجهزته المختلفة يعتمد على العناصر الغذائية والنمو الوظيفي كالسمع والبصر والكلام واتفكير مصدره الأعضاء التي لا تنمو ولاؤدي وظائفها إلا بالغذاء فبدون الغذاء لا نمو ولا حياة.
هذا وتخف متطلبات الجسم من العناصر الغذائية فالطاقة مثلاً مصدرها الكربوهيدرات التي تتوقر في مواد غذائية أكثر من غيرها كالنشويات والسكريات والدهنيات بينما يحتاج تجدد الخلايا ونمو أنسجة الجسم إلى المواد البروتينية التي تتركز في اللحوم والبقوليات ويحتاج الجسم كذلك إلى المركبات الكيميائية والأملاح والمعادن والفيتامينات التي تكون الفواكه والمواد الخضراء غنية بها إلا أن جميع المواد الغذائية تحتوي على قليل أو كثير مما يحتاجه الجسم لنمو والغذاء الصحى المتكامل هو ذلك الغذاء المتنوع الذي يشمل حاجات الجسم الغذائية.
إن أمراض سوء التغية تؤثر سلباً على النمو سواء بتأخره أو انحرافاً عن المسار الطبيعي أو ضعف مقاومة الجسم لأمراض أخرى وهي ناتجة أساساً إما عن نقص الغذاء أو عدم توازنه على أن الإفراط في الغذاء لديه نتائج سلبية لا تقل عن نقصه ومنها أمراض التخمة والسكري وبعض أمراض القلب.
ب. الأمراض : تؤدي الأمراض إلى عرقلة مسيرة النمو وانحرافها وخاصة تلك الأمراض المزمنة التي تعتبر عاهات مستديمة تضعف نشاط وحيوية الف وقد تؤدي إلى الموت المبكر وقد يصيب المر الأم الحامل فيؤثر على الجنين كمأراض الدرن والزهري والحصبة الألمانية.
ج. الحوادث : قد يندهش الفرد من معدل الإحصائيات التي توثق الإصابات الناتجة عن الحوادث سواء بين الأطفال أو الراشدين فالحريق والسقوط والتسمم والإختناق والغرقكلها أنواع من الحوادث أدت إلى وفاة الكثير من الأطفال والكبار ناهيك عن حوادث المور التي تأخذ ريبتها كل ساعة من الأرواح والأموال والإصابات المسببة لعاهات مستديمة تعيق حياة ونمو الأفراد.
د. التلوث : وهو تلو الماء أو الهواء أو الغذاء بالإشعاع أو بمواد دخلية تفسده وتؤدي إلى تسممات وأمراض قد يجهل الطب مصدرها لجهله بالمادة المفسدة أو المسببة للمرض أو التسمم فالكيماويات التي ترش بها الخضروات والفواكه والمواد الغذائية أو ما يسمى بالأغذية المهجنة قد تكون سبب كثير من التشوهات التي يولد الطفل مزوداً بها أو بعض الأمراض المستعصية كالسرطانات والأورام مما يعرقل النمو ويحيد به عن مسار الطبيعي الأمر الذي يتطلب من المجتمع بأسره تشديد الرقابة على أنواع الأغذية المستوردة والمنتجة محلياً لكي لا تصبح مصدراً هداماً لصحة أفراد المجتمع بدلاً من أن تكون مصدر نموهم وحياتهم.
هـ. أعمار الوالدين : يعتبر العمر المناسب للولادة بين العشرين والخامسة والثلاثين فجسم الأم في هذه الفترة قادراً على تزويد الجنين بإمكانيات جيدة من الحياة ملؤها الحيوية والنشاط والقوة الجسدية وفرص أفضل لطول العمر والتمتع بالصحة النفسية لأن الأبوين في هذا العمر قادران على إعطاء الوقت والجهد الكافي لتربية وتنشئة ورعاية أطفالهم خاصة خلال مراحل العمر الأولى أكثر من أولئك الذين تجاوزوا سن أو لازالوا يافعين مراهقين قبل العشرينات من العمر فبجانب الصحة والسلامة والقوة الجسمية التي يتمتع بها الشباب والراشدون قبلا لأربعينات حيث تتوفر فى هذا العمر مقومات النضج الإجتماعي والصبر والمثابرة وتحمل المسؤولية وغيرها من الصفات الانفعالية والمزاجية الضرورية لتحمل وزر تربية وتنشئة الأطفال.
لا ينعي ذلك طبعاً اقتصار الإنجاب على هذه المرحلة العمرية فنحن شاهدنا ونشاهد بعض النساء اللاتي ينجبن أطفالاً أصحاء أسوياء وهن في أواخر الأربعينات من العمر إلا أن كثيراً ما تشير الدراسات إلى أن بعض حالات الضعف العقلي راجعة إلى الحمل في سن متقدمة أي ما بعد الأربعينات.
و. الإنفعالات : ومنها الخوف والغضب والتوتر العصبي خاصة إذا كانت شديدة فثيراً يؤدي إلى اضطرابات فسيولوجية وخلخلة في إفرازات الغدد الصماء والقنوية مما يلحق أضرارا بالغة بنمو الجنين.
ز. الولادة المبكرة أو السابقة لأوانها : وهي التي قد تنتج عن انفعالات حادة أو أمراض أو نقص تغذية أو ظروف غير طبيعية أخرى تؤدي إلى ولادة الجنين قبل استكمال نموه مما يعرضه بالتالي إلى عدم القدرة على التكيف مع البيئة الخارجية ويجعله عرضة للإصابة بالأمراض وفي كثير من الأحيان يؤدي الأمر إلى موته وخاصة في غياب الخدمات الملائمة كتوفر الخدمة الوقائية والمتابعة الطبية الدائمة.
ثالثاً : النضج والتدريب والتعلم؟
النضج هو النمو الطبيعي الطبيعي التلقائي الذي لا يحتاج إلى تعليم أو تدريب فنمو القدرات العقلية يحتاج إلى نضج في الجهاز العصبي أولاً ونمو المهارات كالمشي والقفز والكتابة تحتاج إلى نمو الأرجل والأيدي أولاً ونمو الكلام و والمفردات الغوية يحتاج إلى نمو الحبال الصوتية وجهاز الكلام والجهاز العصبي وهكذا فالنضج الجسمي العضوي شرط أساس للنمو العقلي والإجتماعي والإنفعالي.