طلعت جريدة السياسة بحدث جديد للأستاذ الفاضل مدير الجامعة ينزع فيه إلى مذهبه في حديثه الأول من الإملاء على البرلمان وإلقاء العصا الفلسفية لا رغبة في أن تتحول ثعبانا كما تحولت عصا موسى من قبل بل محاميًا يسحر على أبصار النواب وأسماعهم بل منوما ينقل إليهم الإرادة وينصها لهم نصا بقوة المغناطيس بل سحابة تتنزل عليهم بالملك الموكل بالهداية كما تقول السياسة وإن عهد القراء بحديثه الأول لمنذ قريب.
ولنبدأ بكلمات الأستاذ لأن المذهب الجديد يجعلها من الحروف التي لها الصدارة قال وهو يعني قانون الجامعة المطروح الآن بين أيدي النواب: لست أعني بذلك أن هذا القانون هو المثل الأعلى ولكنه عمل إنساني كبقية الأعمال يلحظ فيه التطور في المستقبل متى وجد لذلك ضرورة.
وعلى كل حال فإن في هذا القانون القاعدة الأساسية الكبرى لنظام التعليم العالي وهي قاعدة أن الجامعة يجب أن تكون لها شخصية معنوية لتستطيع أن تدير أحوالها بنفسها واستقلال يكفل لها حرية التفكير التي هي الأساس الأولي للتعليم العالي.
إلى أن يقول: وبما يرد على الخاطر أن الجامعة في نشأتها محتاجة إلى وصاية الحكومة عن قرب وتدخلها في كل شئونها إلى أن يشتد ساعدها وتستطيع الوقوف على قدمها اجتنابا لما عساه يقع من التخبط في الجامعة عند بدايتها ذلك التخبط الذي جرت العادة بأن يقترن دائمًا أو غالبًا بكل بداية وعلى ذلك يمكننا أن نختار ضرر التدخل باعتباره أخف من ضرر التخبط في البداية هذا اعتراض له حظه من الصواب لأول نظرة إذا كنت يسمى تدخل السياسة كذا وهو يريد بالسياسة أينما وردت في حديثه الحكومة في كل شئون الجامعة ضررًا فحسب ولكنه ليس ضررًا بل هو هدم للجامعة من أساسها وبهذا التدخل لا جامعة ولا حرية للتفكير أترى لو أنك تفكر تحت وصاية الغير هل أنت تفكر ؟ فإذا تعلقت منازع التدريس وكيفياته وطرائق البحث بغير جماعة المدرسين كان ما ترجوه البلاد من احتمال نصيبها من التقدم العلمي في العالم خيالا في خيال.
وظاهر من نص العبارة أن أخف الضررين عند الأستاذ هو التخبط أي فساد النظام وإضاعة الأموال وإزاغة العقائد وإفساد العلم والتدليس على الناس، وليت شعري عنه ما الذي يضطر الأمة إلى كل هذا في سبيل كلمة اسمها الجامعة؟ إما مدرسة تتسامى إلى مقام الجامعات وإما لا بَيْد أن جريدة السياسة نقلت تلك العبارة وجعلتها رأسا لجسم مقالة افتتاحية أو رئيسية كما يقولون جاء فيها عن الجامعة وهذه ميزانيتها وهذا قانونها أنت وهذه سمعتها وهذا عملها سيعرض عما قريب على البرلمان وسينظر البرلمان في الأمر بغية الوصول إلى تحقيق مجد العلم ومجد مصر أنت ومجد طه حسين وإنا لسعداء حقا أن هذه الفرصة الحسنة لنشر حديث الأستاذ مدير الجامعة قبيل نظر الميزانية وقانون الجامعة تأملوا ونشر هذه الحكمة التي صدرنا بها حديث اليوم لتكون نبراسا وهاديًا عند النظر في هذا الموضوع الخطير.
أما الهادي فقد مر بك تفسيره آنفًا وهو الملك الذي سينزل من السحابة الفلسفية وأما النبراس فلا ريب أنه سينزل بها البرق على النواب: قال الله سبحانه : ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ).
وهذه الجامعة لا تملي على النواب فقط بل هي تحذرهم أن يهدموها وتنذرهم بطشة التاريخ على إذا حدث العالم أن نواب الأمة المصرية صَدُّوا عن ذكر الله في المسجد الجامع حين لم يطلقوا حرية الأذان فيه ولم يدعوا للمؤذن أن يقول: حي على بوذا حي على برهما، حي على العجل أبيس ونحن فإنا سعداء حقا أن وجدنا في النسخة العتيقة من كليلة ودمنة هذا الحديث :
قال كليلة ويح لهذه النفس إذا لج بها منزعها وركبها سوء طبعها وكان من ورائها قلب دوي أفسده داؤه وصرف همه وخوصره فيما تميل إليه فقد قالت العلماء: إن الرأي لا يكون رأيًا حتى يُمكن له في الطبع أشد التمكين وإن المصلح لن يقبل منه وفي طبعه ما عسى أن يتحول به عهده أو ينتكث وما مثله إلا مثل الزلزال الذي أراد أن يتعاطى الهندسة.
قال دمنة : وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أن زلزالاً كان صديقا لأحد البراكين فقال له يوما: قد كثر أذاك وإفسادك أيها البركان فأنت دأبا غيظ للناس وهلاك ولعنة وما تنفك بين حريق وتدمير وإني لأرى لك حالا ما أحسبك فيها إلا قد بعثت من جهنم إلى هذه المدينة وما أظنك تفلح أبدًا في تغيير طبعك ومذهبك حتى لو كنت بحرا لانقلبت على الناس طوفانا تهدم بالماء كما أنك تهدم بالنار فقد سئمت صحبتك وأنا ذاهب عنك التمس عملا أنفع به هؤلاء المساكين لعلي أرد عليهم بعض ما تأخذ منهم فقد قالت العلماء: إن خير ما يكون الخير إذا هو جاء بعد شر ما كان من الشر.
قال البركان: أيها الزلزال لا تغتر بالفلسفة والخيال فإن الكلام أيسر ما أنت آخذه وأهون ما أنت معطيه وإنه لن يكون قولك قولا ما لم يكن عليه من طبعك دليل وشاهد وإلا فإنما هو كلام بعضه كبعضه وحقه كباطله وشريفه کخسيسه ولو شئت أن أسمي هذا الحميم الذي أصهره في جوفي من الصخور والمعادن خمرا سائغة للشاربين لفعلت وقلت ثم لوصفتها وزينتها بالشعر والحكمة وكابرت فيها وجادلت عليها ولكن ذلك كله قول هراء إذا أنا لم أجد من يقول: اسقني وما فلسفتك هذه إلا كفلسفة مدير الجامعة التي في مصر.
قال الزلزال : وما ذاك؟
قال: إنها كانت مدرسة تولاها هذا الرجل الفاضل المتكلم وكان من المعلمين فيها صخر إنساني عظيم اسمه طه حسين أخذت طينته من بعض أجدادنا وإذا تدحرج هذا الصخر فليس منه إلا الهدم والتخريب والدمدمة على الناس فأرادت تلك الأمة إقرار هذه الصخرة في حفرتها وشدها إلى موضعها وأبي مدير الجامعة إلا إطلاقها وتركها حرة مستقلة ثم تحريرها مع ذلك على الطرق العامرة والدور القائمة دون القفر واليباب وذهب يدفع عنها فكان فيما قاله: إن التخبط قد جرت العادة بأن يقترن دائمًا أو غالبا بكل بداية فدعوا الصخر يتخبط على طبيعته وعلى طريقته فلا عليكم منه وما أنصفتم والله إذ تقولون إنه يهدم عليكم الدور ثم تنسون أنه يوسع لكم الشارع.
قال الزلزال: دعني منك فوالله لأكونن غير ما في نفسك، وأنت تعلم حدة طبعي وما قد خصصت به من تمام القوة والذكاء فأنا غاد فمتعلم الهندسة وإنها لمن أوكد الأسباب فيما أريده من الإصلاح.
قال كليلة : وضرب الدهر ضربة فإذا هو مهندس قد برع وفاق وأحكم وأتقن ثم جعل يرتصد اليوم الذي يجيش فيه البركان ليعمر ما يخربه ويسد معاقر أهل المدينة بعلمه وفضله فلما كان اليوم الموعود لطف الله من لطفه ليخرج للناس الموعظة من هذا الحمق فهاج البركان غير طويل وشعث من ههنا وههنا ثم كظم على ما في قلبه فلم يدمر إلا ربع المدينة وبقي سائرها قائما على نعمة وعلى سلامة وفي أمن ورضا فقال المهندس لنفسه: إحدى لياليك فهيسي هيسي وذهب ليعمر ما خرب صاحبه فلما جاء تحت قواعد المدينة هز أنقاض البيوت الخربة ليعيدها بزعمه قائمة فما زاد على أن هدم البيوت القائمة فأرجعها خربة وأتلف البركان المفسد ربع المدينة وهدم المهندس المصلح ثلاثة أرباعها.
فانظر يا دمنة إنه الجوهر والأصل لا الظاهر والحلية وإنه العمل لا القول وأنه الطبع لا الرأي وإن الفاسد إذا كان معلمًا فوجد طلابا يهديهم كان كالزلزال إذا صار مهندسا فوجد بيوتا يصلحها.
وننظر الآن إلى كلام مدير الجامعة فإنا لا تعجبنا هذه السفسطة من هذا الأستاذ الفاضل وما هو وحده الرجل الذكي ولا البليغ المتكلم وكان ينبغي لمثله أن يتنزه عن مثل هذا فإنا لنعلم أن من الكلام كلامًا يأمر الناس وهو في أسلوب النصيحة ويكرههم على انتحال أحد الرأيين وهو على طريق التخيير بينهما جميعًا كبعض ما يسمى في عرف السياسة مذكرة وهو إنذار أو إنذارًا وهو حرب فكلام مدير الجامعة مذكرة للبرلمان أو في أسلوبها أو في غايتها ولكن يا سيدي المدير قد كان لزلة الجامعة عذر يسعها حتى أصررت أنت وكابرت وازدريت الأمة وعلماءها وقبلت على الجامعة من الأراجيف والأقوال والتهم ما لا يقبل ذو عمل على عمله فلم تسع الجامعة عذرا بعد.
ولقد أصفقت الأمة كلها على أن إفساد الأدب والتاريخ والتهكم بالدين وما جرى هذا المجرى، ليس شيئًا منها يسمى علمًا فإذا كان علمًا عندك وعند شيعتك فما هو من حاجتها وليس لك أن تكرهها عليه ولا أن تعدو رغبتها فيه ثم انعقد الإجماع أو ما يسمى الرأي العام على أن هذه الجامعة مفسدة تناولت ما كان موجودًا كالحقوق والطب فراغت بهما كما زاغت الزلزلة بآلة الرصد في حلوان وكانت آلة الرصد هذه معيارا في دقة نظامها وضبطها ولكن ذلك لم يمنع الزلزلة أن تدفعها عن موضعها وتوقع الخلل في أرقامها ودلالتها وتبتليها بمثل ما ابتليت به الجامعة أي سنة تجربة على نص حديثكم الأول أو سنة تخبط على نص حديثكم الثاني.
ثم تناولت الجامعة ما أرادت أن توجده كتاريخ الأدب العربي فأقسم بالله قسما برا: ما عرفنا في كتب الأدباء أحمق ولا أجهل ولا أشد بلادة من كتاب الجامعة في الشعر الجاهلي ففيم تريدون استقلال الجامعة بعد هذا وإن أدنى ما في ذلك الاستقلال أن ينتفع قوم منكم بسلطة وظائفهم في إفساد عقائد الطلبة لأن ذلك من مذهبهم في الإصلاح الاجتماعي ثم العدول بالأدب العربي إلى ناحية الجهل والفساد والسخرية لأنه أساس في لغة القرآن؟ ولأن القرآن أساس في الدين لأن الدين ينافي مذهبهم في الحضارة الغربية التي يعملون لها جهد طاقتهم وعندكم يا سيدي قوم وصفتهم أعمالهم وشهد عليهم الأصحاب والأعداء والأبرياء والأظنَّاء أفيجيز القانون استقلال هؤلاء الموظفين ليسخروا سلطة وظيفتهم في مثل ذلك.
أتريدون الاستقلال في المحاسن أم في المساوئ ؟ فإذا كانت الأولى فأين هي محاسن الجامعة وما عند الناس أسوأ من سمعتها ولا أدعى إلى السخط من اسمها وإن كانت الأخرى فما هو يا مولانا مجرى الماء يأتي هذا بالإناء فيملؤه ويأتي الآخر بالقربة ويأتي الثالث بالفنطاس وتأتي الجامعة بعربة الرش إنه البرلمان يا سيدي الأستاذ وفيه عقول ذكية وقلوب حديدة ونفوس مؤسسة وطباع مؤمنة وهو الحفيظ على مصلحة الأمة ولن يمكن بحال من الأحوال أن يجعل أولادنا في هذه الجامعة غيظ قلوبنا في كفرهم وتمردهم ولعنة تاريخنا في تحقيرهم وزرايتهم وأعداء ديننا في شكهم وإباحتهم.
إنه إذا خرج ابن الجاهل عالما فقد توثق ما بينه وبين أبيه بزيادة عطفه عليه ورحمته له وإذا خرج ابن المسلم كافرًا مستهينا بنبيه وكتابه وعلماء دينه وتاريخ قومه مُرْصِدًا لكل ذلك بكيده وعمله فقد انقطع ما بينه وبين أبيه وصار كلاهما لعنة على الآخر وأوجب الدين على الأب أن يبرأ من ابنه وينبذه فما نعطيكم أنسابنا لتقطعوها ولا أرواحنا لتهلكوها ولعنة الله على حرية تفكير أول ما فيها أن أكون عدو أبي وأن يكون أبي عدوي.
إن هذه الجامعة بعد الذي قد بدا منها ومن مديرها لأحق بالمراقبة من الأظنَّاء والمتهمين والمشبوهين حتى تستقيم على منهاجها وتخلص لها نية الأمة ويثق بها العلماء والأدباء فكما أعطيت الاستقلال سنة تجربة يجب أن تُحْرَمَه سنة تجربة إلى سنتين إلى ثلاث إلى مائة إلى آخر ما في عمر طه حسين وأمثاله مما جاءوا إلى هذه الجامعة من تاريخ دنس ملوث بالإلحاد ليس فيه موضع ثقة ولا أمانة.
ألا وإن الأمة الإسلامية لتعلم حق العلم أنها مبتلاة في عداد مصائبها بفئة من أذكيائها يناقضونها الرأي في الدين والأخلاق واللغة والأدب وهم في ذلك قوم مرضى العقول أصيبوا بنحو مما يسمى بجنون الفكرة الثابتة فلا تردهم قوة من القوى عن آرائهم وأوهامهم في الإصلاح ما داموا آمنين مرزوقين فبعض هؤلاء يريد جعل اللغة عامية لتنتهي الأمة يوما إلى نسيان قرآنها وإهماله والتفصي منه وبعضهم يتعجل هذه العاقبة فيريد الانسلاخ من هذا الدين ضربة واحدة بقرار من الحكومة أو بجنون حكومي كالذي وقع في تركيا والعاقل من أولئك من يتماسك ويتصابر ويتسبب إلى غايته في رفق وهيئة ومكر وسياسة فيذهب إلى صوغ الأمة في عقولها في مدرسة كبرى كالجامعة وشريطته في هذه المدرسة أن تكون للحكومة لما يعلم من حاجة الناس إلى مدارسها وشهاداتها ثم أن تكون هي مستقلة عن الحكومة قائمة على حرية التفكير بنص قانونها وبمعنى أوضح من هذا يريد هذا الفريق الذكي أن تكون الحكومة هي العاملة في تكفير الأمة من حيث تدري أو لا تدري وبالمعنى المكشوف الصريح: يريدون من نواب الأمة أن يهدموا الأمة التي أنابتهم عنها فيا شرها من قملة خبيثة تتوهم أنها ستلد أربعة عشر مليون قملة لتقع في رأس كل مصري واحدة ثم لا يكون الفوج الأول المقتحم إلا لرءوس النواب خاصة.
هبوا الجامعة المصرية قائمة بنفسها وبما حبس عليها الواقفون ولا شأن للحكومة بها ولم تستلحق مدرستي الحقوق والطب واجعلوها على ذلك مستقلة إلى أبعد ما في الاستقلال قائمة على أوسع المعاني في حرية التفكير والتكفير فماذا يجدي عليها كل ذلك وأضعاف ذلك؟ إنها يومئذ لا تكاد تنكر إبراهيم وإسماعيل حتى لا ترى مسلما ولا يهوديا ولا نصرانيا وحتى تصبح خاوية على جذوعها من طه وأمثال طه وهذه حقيقة لا شبهة فيها فليس الأمر إذن إلا أن هؤلاء الأذكياء يريدون تسخير النواب ليكرهوا الأمة إكراها على صدع أساسها الاجتماعي وتخريب بنائها التاريخي ما دامت الجامعة قائمة ببعض هؤلاء الناس المعروفين وما دام ذلك تاريخهم وهذا عملهم وليس في الأمر إذن حرية تفكير، بل حرية عمل بل حرية هوس مكري بل حرية استخدام سلطة الوظيفة لقد صاحت الأمة من حمق طه حسين وتهوره فماذا فعل مدير الجامعة ؟ بل ماذا فعل طه غير أنه زاد على ذلك إنذار الأمة في أبنائها أن دروس السنة الآتية ستكون في مناقشة القرآن من الوجهة الأدبية ويقول هذا وهو هو الذي كذب القرآن من الوجهة التاريخية فإن صرح بعد أو خادع فما هو بمأمون ألبتة.