0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)
قد يسافر المرء الى حلب بالقطار ويبلغ الموصل بالمركبة على أن من يريد المضي في رحلته قدما أن يتخذ وسائل أكثر بساطة من هذه اذ ليس بالامكان النفوذ الى هضاب کردستان بعجلات وان رحالة الالف التاسعة عشرة بعد الميلاد وارث ما سلف من العصور لن يجد نفسه هنا في حال افضل من حال اسلافه في العام ۱۱۰۰ قبل الميلاد اولئك الذين كتبوا بيد ملكهم العظيم على الواح الصوان التي لا يدركها البلى.

انا تغلات بيلاصر اضطررت الى السير ماشيا.

ولهذا فقد طرأ تبديل تام على اشخاص تمثيليتنا في الموصل اذ أرفق بنا اثنان جدد من الضبطية وقمنا بشد امتعتنا على البغال بالحبال واتخذنا لركوبنا خيلا مسرجة او افراسا صغيرة الجرم لا ترتفع عن الأرض أكثر من اربعة عشر شبرا.

ويستأهل مرافقا الرحلة فقرة في كتابنا هذا فهما يمثلان شعبا لم تذكر عنه حتى الان الا القليل في حين اننا ادخرنا له الكثير في الفصول التالية كان عزيز ويوحنا من الاثوريين انحدرا من الجبال انتظارا لوصولنا الموصل وكلاهما في حدود الخامسة والعشرين يرتديان زي الكرد الجبلي وهما متشربان بروح الاستخفاف التي تجدها في طبيعة سكان الجبال ازاء سكان المدن والسهول وليس ثم ما يفرق بينهما وبين الكرد الذين يشاطرونهم العيش الا ان لغة تخاطبهم هي من جذر يختلف عن جذر اللغة الكردية فهذه اخت الفارسية أي آرية لكن السريانية لغة سامية وهي اللهجة الحديثة الاقرب من غيرها الى اللغة الآرامية التي كانت لغة التخاطب في فلسطين اثناء حياة السيد المسيح وتؤكد اخبارهم المتواترة وفي احيان كثيرة تعزز اقوالهم هذه سيماء وجوهم تعزيزا قويا انهم يتصلون بالآشوريين القدماء نسباً بعضهم يؤكد بذلاقة لسان وبكل بساطة ان اسرته من صلب نبوخذ نصر فاذا صح زعم اهل وبلز بأن ثارات الدم القبلية هي من اهم العوامل لبقاء السلالات فلا شك أن لهؤلاء كل المبررات لبقاء انسابهم واضحة هكذا حتى الوقت الحاضر.

وكلا الرجلين نصراني بل وهما في مرتبة الشمامسة على المذهب السرياني الشرقي القديم المعروف بالبيعة النسطورية الا ان الشمامسة الاثوريين وان كانوا يرسمون بشكل اصولي، لا يشترط فيهم أن يتفرغوا الى الواجبات الاكليريكية وإن أصابوا شيئا من العلم والتدريب حتما وربما كانوا يعرفون القراءة والكتابة كما عرفها شما سانا المرافقان والزي الجبلي المعتاد هو سترة كالصدار تلبس فوق قميص واسع وسروال عريض جدا يخرط بقوة حتى يزم فوق الخصر النحيف وعند نقطة التقاء السروال بالصدار يشد حزام عريض جدا.

والقماش عادة هو نسيج صوفي خشن شبيه بقماش ايزايللا الملون عندنا وهو مخطط بخطوط متباعدة حمراء أو زرقاء رفيعة اما الاخضر فأقل الالوان استعمالا لانه اللون الخاص بالنبي الكذاب لكن عندما يكون اللون العام هو الاحمر فانه قد يخطط احيانا بالاخضر وهي خطوط عمودية في كل من السترة والسروال وافقية في الاكمام فقط على أن هذه الحلة كثيرا ما تكون مهلهلة ممتلثة بالرقع بحيث يصعب على الفاحص أن يعرف كم تبقى من القماش الاصلي اما غطاء الرأس فهو قلنسوة مخروطية من اللباد تشد فوقها عمة في أكثر الاحيان والنصف الأمامي من الرأس يحلق ورجال قبائل التياري يجدلون شعر قذالهم بجديلتين قصيرتين تنوسان على طرفي الرأس من الخلف وهم يضعون في احزمتهم عادة خنجرا او مسدسا عندما يكون الفرد منهم في مسكنه بالجبال وفي احيان كثيرة يعلقون على اكتافهم بندقية عتيقة الطراز اثرية.

وهذا هو الزي الكردي بالذات الا ان سلاح الكرد اكثر بكثير وهو عادة احدث طرازا وهذا هو الفرق الوحيد الذي يتميز به الكردي عن المسيحي الجبلي على أن هناك عنجهية ونفرة تطبع نفس الكردي تكشف عن كرديته.

والشخص الثالث الذي رافقنا هو الربان ورده وكان رئيسا لاركاننا وهو شماس کالآخرين لكنه يكنى بالربان لانه ينتمي الى رهبانية غريبة في نظامها ما زالت سائدة في البلاد المسيحية الشرقية تستغرب من بعض مظاهرها رهبانيات الغرب فالريان والربانة هناك عدد قليل من النسوة أيضاً ينذرون التبتل وتحريم استعمال الموس والامتناع البات عن اكل اللحم الا انهم لا يعيشون جماعات في اديرة ولا يتبعون سننا او انظمة معينة وهم باستثناء المحرمات الثلاثة التي ذكرناها تراهم يعيشون كما يعيش سائر الناس ومن هؤلاء الربانين يتم اختيار الكهنة الاثوريين فهنالك تقليد قديم هو أن الاباء أي المطارنة يجب أن يكونوا عزابا متبتلين على ان القاشا أي القس يتزوج دائماً.

وملامح الربان ورده هي صورة طبق الاصل من سانشو يانزا الخالد الذكر وكان يرتدي فوق سرواله القرمزي الواسع سترة اوروبية سوداء طويلة الذيل ويعلو رأسه طربوش احمر لكن ينبغي ان لا تقاس قيمته بمظهره الخارجي الذي لا يدل على مخيره ومع ان آراء في القرن العشرين مشوبة بسذاجة وقصر نظر الا انه في بيئته القرون الوسطى بعد ذكيا ومرافقا اهلا للاعتماد والثقة التامة.

في الواقع ان الرحلة الى الجبال تنقلنا الى القرون الوسطى او على الاقل الى جبال اسكتلندا كما كانت قبل مائتي عام لهذا فان المشاعر التي اعتملت في نفس بيلي نيكول جارثي عند رحلته الى قبائل اللينوكس هي كالمشاعر التي تصطحب في نفس الجوال في جبال حكاري اليوم.

عبرنا جسر الموصل الخشبي واجتزنا السهول الرسوبية الواسعة التي تكونت من مجاري دجلة القديمة واخذنا نرتقي مرة اخرى النجاد والهضاب وهي تطرد في الارتفاع وتمتد حتى الجبال المتوجة ذراها بالثلوج تلوح على طول خط الافق شمالا، وتركنا على يسارنا البقعة الواسعة التي كانت تحتضن موقع مدينة سميراميس والتلال التي تغطي تلك الأسوار المنيعة حيث نشر الفاتحون الاشوريون عليها جلود الملوك المسلوخة بعد أسرهم وقطعنا عدة اميال قبل ان نترك موقع نينوى القديمة لان الارض التي تقع ضمن الاسوار لا تؤلف الا نواة المدينة الداخلي فالبساتين العظيمة والحدائق الجميلة والقصور والخمائل المماثلة لما تجد في وان مدينة البساتين اليوم كانت كلها خارج نینوی وربما شملت نينوى العظمى قصور خرصیاد : خسرو آباد شمالا ومعابد نمرود جنوبا. وهذا يفسر عبارة مدينة عظيمة تقع بمسيرة ثلاثة ايام من نهاية الى نهاية وردت على لسان النبي يونان اعنى ان قطرها يقارب من ستين ميلا.

كان القضاء على هذه العاصمة الضخمة كارثة من أهول الكوارث في تواريخ الامم ونحن نملك ادق التفاصيل التي دونت عن حياتها حتى اخر ساعة من ساعات احتضارها هذه المدونات تكشف لنا عن فتوحاتها المستمرة وبناء قصور ملوكها وبعد ذلك كله يسود صمت فجائي عميق فلا تسمع شيئا عنها خلال خمسين سنة ولما واصلت مدونات جديدة تسجل وقائع المدينة فانها كانت مكتوبة بلغة اخرى واحرف اخرى وهي تتحدث عن مدن وشعوب لم يسبق ذكرها من قبل وهكذا تلاشت نينوى تماما وبعد مائتي سنة تقريبا من سقوطها سار جيش گزینفون على اديمها بالضبط دون ان يفكر بتسجيل اسم الخرائبها وزحفت جيوش اخری غیر جیش گزينفون واشتبكت بمعارك فوق خرائبها ففي العام ٣٣١ قبل الميلاد واجه الاسكندر الكبير جيش داريوس اللجب في قرية گوگميلا في الزاوية المنحصرة بين نهري دجلة والزاب كانت تلك المعركة الحاسمة التي ستقرر مصير امبراطورية اسيا ان الانتصار الساحق الذي احرزه الاسكندر وضع كل بلاد الفرس تحت قدميه وكانت گوگميلا واقعة في متنصف الطريق بين نينوى و اربيلا اي اربيل التي كانت تبعد زهاء ثلاثين ميلا عن ساحة المعركة على الجانب الايسر من الزاب على ان داريوس كان قد كدس كل متاعه وكنوزه واثقاله حوالي اربيل ولما راح الجيش المنتصر يطارد فلول الجيش المنكسر متدفقا نحو مواضع الغنائم منحت اربيل اسمها لتلك المعركة الفاصلة ولم تسم بمعركة نینوی.

وهنا أيضاً فوق أرض نينوى بالذات جرت في حدود العام ٦٢٧م اخر موقعة من سلسلة الحروب الطويلة بين الساسانيين الفرس والرومان البيزنطيين فقبل خمس سنوات من هذا التاريخ طورد هرقل امبراطور البيزنطيين حتى اسوار القسطنطينية ثم تسلل من ملاذه الاخير هذا تسللا، وفي شمال سورية قام ببناء جيش عقد عليه آخر آماله وظل خمسة ايام بلياليها يزحف ويحارب بين جبال ارمينيا يضرب يمينا ويضرب شمالا بحساب لا يخطيء وبنجاحمتواصل كل الجيوش التي كانت تناوشه القتال أو تتعرض لمسيرته من اي جانب عنت واخيرا وقع كسرى ابرويز نفسه في الفخ بدوره في ارض نينوى عباً مقاتليه في نسق المعركة وقيل أن تعدادهم بلغ نصف مليون وقاتل العاهل البيزنطي الفرس قتال المستميت وكان اسهل عليه قتلهم من هزمهم لكن البراعة وحسن حظ الامبراطور اعاناه على خصمه وبطش هو نفسه بـ رازاطا القائد العام الفارسي في مبارزة منفردة جرت لكليهما في الأرض التي تفصل بين الجيشين قبل خوض المعركة وتم سحق قوات کسری الا ان الرومان لم يكونوا بأقل ارهاقا من الفرس جراء هذا النزاع الطويل وفي غضون بضع سنوات تقوضت اركان الامبراطوريتين بذلك الاندفاع الاسلامي العظيم.

لو ان المرء تطلع بعين الطير من فوق الجبال نحو السهل ليدت له الارض على مستوى واحد مطلق باستثناء نجد جبل مقلوب الذي يرتفع مثل جزيرة وسط ماء مستو على انه في الواقع سلسلة من التلال والكهوف ووديان حافلة بالمستنقعات تعترض اراضي مروزعة منسقة كما يبدو للرحالة الجوال ومررنا بعدة قرى كبيرة الحجم مثل تلكيف وتللسقف وكل واحدة منهما كما يدل عليه اسمهما تتحلق قاعدة تل عتيق وبعد رحلة يوم طويلة قطعناها على سير البغال وهو ابطأ من المسير الاعتيادي بلغنا بليدة القوش وتقع عند قاعدة الجبال.

نظرة واحدة الى الخريطة توضح كم هو صعب تعيين النقطة المضبوطة لنهاية الأرض السهلة وبداية الأرض الجبلية والواقع أن مثل هذه الحيرة لا اساس لها ذلك أن صدر سلسلة الجبال انما تأخذ بالارتفاع المطرد كما ابتعدت عن الرائي حتى تستوي امامه كالجدار فوق نجاد ووهاد في الهضبة الامامية أما الشوامخ الجبلية فتمتد الى اليمين والى اليسار امتدادا متواصلا وهي ملتحمة كأنما تتعقب خطا لا تحيد منه وليس في كل اوروبا بلاد غير بلاد اسبانيا قريبة الشبه بتضاريس شرقي كردستان فالارتفاع الفجائي لجبال كانتابریان فوق حوض نهر دويرو هو نسخة رائعة لارتفاعات سلاسل جبال کردستان فوق سهل الموصل.

وتقع القوش في قاعدة السفوح فهي مصيدة لحر الشمس القاسي وتبدو فعلا وكأنها تتلظى في أتون القيظ اللاهب الذي ينصب عليها من الجنوب انها جحر صغير بائس لكن كنيسها يفخر بمزار شهير هو قبر النبي ناحوم الذي يتمتع هو أيضاً بمنزلة من القداسة لا تقل عن مزار يونان: يونس بوصفه وليا من أولياء المسلمين على ان مفسري التوراة عموما يؤكدون بأن القوش النبي ناحوم كانت في فلسطين لكن الرواية المحلية نصر بأنها القوش الأشورية ويحج اليهود اليها سنويا ويزورون القبر وعلى كل حال فإن المسألة تحتمل الاخذ والرد كثيرا فـ ناحوم هو من ابناء السبي وهو لاشك يعرف نينواه بأفضل مما يعرفها اي ساكن من سكان فلسطين.

شاهدنا ظاهرة سحر عجيبة في صبيحة اليوم التالي كانت الغيوم منخفضة جدا مسلطة فوق السهل بصورة افقية وتحتنا أيضاً وبدت قطع كثيرة منها وكأنها تحط على الارض مثل بحيرات تحت مستوى الاشعة التي كانت ترسلها الشمس البازغة وكانت الغيوم ترتفع كلما ارتفعت الشمس في فلكها ثم تتقطع في كبد السماء ثم تتلاشى على شكل ابخرة متصاعدة لكم يصدق هذا المنظر العجيب على كلمات النبي ؟ وكم منه يا ترى أوحى اليه بهذه الفكرة عنها حين قال نينوى القديمة مثل بركة الماء ومع ذلك فانها ستطير بعيدا.

وعلى بعد زهاء ثلاثة اميال شرق القوش اخدود عظيم بين جبلين اقرب الى الوادي منه الى جيب عميق الغور في صدر السفوح وفي نهاية هذا الجيب العليا يستكن اثر من اروع الآثار النصرانية في هذه البقاع انه الدير العتيق المعروف بدير الربان هورمزد اقصى دير من ناحية الشرق ان هذه الدير ليس ديرا غربياً بل هو مثال المنسك الشرقي ويتألف من مجموعة صوامع صخرية يشغلها نساك متعبدون مستقلون لا جمعية ووحدة القوام من الرهبان ووصفنا اياه بمجموعة صوامع لا يفي بتمام الغرض كقولنا انها نقر محفورة في الرمال على جانب من البحر ذلك لان صوامع نساكه كلها كهوف بعضها طبيعي وبعضها صناعي منقور في قلب الصخرة العظمى.

اسس الربان هرمزد منسكه هنا في القرن الثامن بمفرده وما لبثت قداسته ان فاح أريجها فاجتذبت مئات المتعبدين الى موطن عزلته المنفردة حيث كان يعيش متعبدا صائما متقشفا معذبا جسده على طريقة القديس انطونيوس يصارع الأبالسة الذين يغشون تلك القفار باستمرار وبعزم شديد لا تلين قناته ويظهر انه كان من المؤمنين بوجوب القيام بعمل محكم في معالجة الجيب الملاصق له المعروف بوادي الجن وبهذه المناسبة تذكر انه كان يوجد ثم قرية صغيرة لليزيدية مازالت مأهولة بهم الى يومنا هذا وهي تقع في فم الوادي.

ولعل الجن انفسهم لم يكونوا في نظر الربان هرمزد انجس واخبث من سكنة الدير العظيم المنافس في جبل مقلوب الذي يبدو بالعين المجردة من وسط سهل الموصل واضحاً بكامل هيئته ويبدو له الربان هرمز ايضا من صومعته فالربان هرموزد نسطوري ورهبان الشيخ متى بعاقبة وديرهم ما يزال مقرا لمفريانهم الذي يلي بطريركهم مقاما في بيعتهم وكلتا الطائفتين تكره المذهب الارثودوكسي المتطفل عليهما على انهما متباغضان فيما بينهما بغضة تزيد عما يكنانه معا للعدو المشترك ذلك لانهما يسلكان سبيلين مضادين.

وكان غيظه من رهبان الشيخ متى حافزا للقيام باعظم مأثرة في حياته فقد ترك صومعته فعلا وكانت المناسبة الوحيدة التي غادرها وباشر بغزوة رجل واحد على قلعة خصومه فاستقبله رهبان الشيخ متى بحفاوة وانزلوه ضيفا عليهم وفي دجنة الليل نهض وتلمس سبيله الى مكتبتهم حيث كانت تعاليم كيريل اللعين محفوظة فيما يشبه قذائف مدفعية بدون دخان وبفضل دعائه نبط نبع ماء عجائبي من وسط الارض محاكل سطر من صحائف كتبهم قاطبة تاركا لهم مجموعة من الأوراق النظيفة الجميلة خالية من اية عبارة هر طقية وغادر الدير الى صومعته مسرورا جذلا ولم يبرحها قط.

ان هذا العمل الفاضح عد عملا مبرورا ومأثرة حميدة له والواقع ان النزاعات المذهبية في الشرق استمرت حتى يومنا هذا متخذة هذا الاسلوب الفظ العنيف وظل دير الریان هورمزد حیا برهبانه دون انقطاع منذ تأسيسه ولكنه اليوم مجرد ملحق كنسى للدير الحديث الكبير الذي انشىء في السهل تحته والان لا يوجد فيه أكثر من أربعة أو خمسة من الرهبان تركوا وشأنهم في البيت الام وهم من النساطرة المتحدين الذين قبلوا الخضوع للكرسي البابوي لذلك تراهم لا يتبادلون مظاهر العطف مع بيعة النساطرة المستقلين التي انفصلوا عنها ولما سمعوا باننا راحلون الى التياري مقر النساطرة المستقلين سألونا بكل سذاجة:

اتعرفوا شيئا عن شماس هناك؟ شماس يدعى ورده وهو رجل في منتهى الشر طويل القامة احمر اللحية شماسنا هنا قصير دحداح ولحيته سوداء.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)
فأسرع الشماس ورده يجيب وعيناه ترسلان شواظا، انا هو شماشة ورده.

فأسرع مضيفونا يعتذرون بشيء من الخوف، عفواً لا نعتقد بانك الشخص الذي قصدناه، لكن الشماس الملتذ بالحديث اصر قائلا: بل أنا هو : ومع وقوع هذه الصدفة السيئة فقد بقينا مع مستضيفينا على اتم الصفاء الوفاق واطعمونا كعكا واسقونا شايا وخمرا من كرومهم وانتهوا منا بجولة في ديرهم ارونا خلالها كل ما يستحق المشاهدة فيه.

لابد وان الدير هو اشبه بالاتون في حر الصيف لان صفوف الصوامع المتراصة المتراكمة تواجه ناحية الجنوب كما ان المنحدرات الربداء الصخرية جرداء تماما لا ينمو عليها اي نبات ولا شك انها تعكس الحرارة بلا رحمة في سائر ارجاء هذه الوحدة الجبلية التي كادت تخلو من نسمة هواء ربما وجد داخل الصوامع برودة لطيفة لكن قلة الماء تجربة مؤلمة شاقة في قيظ الصيف ومهما يكن من أمر فان النساك لديهم ما يكفيهم من الماء وأكثر.

والصوامع تقع في اعلى قسم من الطنف الجبلي ويتم الصعود اليها بممر شديد الانزلاق كثير المنعرجات ونحن لم نحاول ان نحزر عدد تلكم الصوامع على اننا نقدرها بالمئات على الارجح لانها تمتد صفوفاً الى مسافة عدة مئات من الامتار على طول حافة التجويف صف يعلو صفاً مثل فتحات افواه مدافع البوارج الخشبية الحربية القديمة وهندستها الشبيهة بهندسة صوامع دارا القديمة تراها لا تتبع تصميما واحدا وقليل جدا منها ما امتاز بنوافذ وابواب ولعل بدعة النوافذ والأبواب لهذا القليل جاء متأخرا وتربط المجموعة كلها شبكة من الممرات ضيقة ودرجات خشبية غليظة البناء يسرت للنساك التجمع للصلاة في بيعتهم.

واعترض الممر الرئيس ابواب معقودة خشنة البناء هنا وهناك واما البناء الحقيقي الوحيد في الدير فهو البيعة التي شيدت فوق نتوء صخري وهي حديثة العهد بالنسبة الى عمر الدير فقد شيدت في حدود الألف الخامسة عشرة للميلاد على انه يوجد خلفها بيعة اقدم عهدا منها بكثير ولعلها اقيمت في القرن التاسع أو العاشر وهي متكنة تماما علي وجه الجرف الصخري تزدان ببعض المنحوتات الجميلة الشبيهة بعض الشبه بالنحت الروني في بلادنا وتوجد خلف البيعة مباشرة صومعة الربان هورمزد الاصلية وهي حجرة تبلغ مساحتها حوالي ثماني اقدام مربعة ويتم الدخول اليها ينفق ملتو ضيق جدا منقور مثلها و باب الصومعة وشباكها الاصيلان مسدودان في الوقت الحاضر لان البيعة بنيت من ناحيتهما اما قبره فهو في بقعة تقع خلف المذبح مباشرة عدا الجدار.

وبيعة الربان هورمزد بيعة طائرة الصيت وشهرتها جاءت لكونها موطن حج ومارستانا العلاج المجانين بصورة خاصة ويؤتى بالمجنون على الاغلب باختياره هو فيدخل البيعة بكل جد ورزانة في هذه البلاد يطلق على المجنون اسم المجذوب اعني الذي دخلته الشياطين او الجن وفي البيعة يطوق عنقه بسلسلة حديدية مسمرة الى الجدار فيبقى والطوق الحديدي في رقبته طوال الليل وعند انبلاج الصبح يعلن المجنون عادة بأنه شفي تماما ان لم يكن جنونه جنونا مطبقا طبعاً وهناك عدد كبير من البيع في الجبال تفخر بمثل هذه الشهرة الا ان طريقتها العلاجية اعنف من هذه الطريقة كما سنشرح ذلك فيما بعد.

واصلت قافلتنا سيرها من فم المضيق باستقامة نحو الشرق محاذية قاعدة الجبل قمررنا اولا بقرية باعذري وقلعة علي بك التي تشرف عليها ثم لحقنا بالطريق الذي كنا قد سلكناه في زيارتنا المعبد اليزيدي وبعد حوالي ساعتين من السير وراء عين سفني بلغنا نهر الكومل وهو مسيل ماء جبلي واسع نوعا ما ومنه عرجنا يسارا الى اعاليه تاركين الطريق بمسافة نصف میل تقريبا لكي نلقي نظرة على صخور باقيان المنحوتة.

ينبع نهر الكومل من الجبال وينحدر في واد متعرج ذي سطح مستو تقوم على جانبيه جدران من الكتل الصخرية العمودية عليه تقريباً وعلى السفوح اليمني من الضفة بمسافة قليلة الى الاعلى اعتبارا من نقطة صدور الماء تقوم مقصورة رائعة لصورة معروفة جدا عند المختصين بالأثار الاشورية ان المنحوتة البارزة الرئيسة هي لوح هائل الجرم مربع منقور ومصقول في وجه كتلة صخرية تعلو المجرى مباشرة وتتضمن أربعة رسوم بشرية جبارة الحجم هي الان مكسرة مشوهة بفعل الطبيعة لكنها مذهلة مخرسة للسان بعزلتها هنا في هذا الوادي القفر وتجد فوق هذه اللوحة حوالي عشر منحوتات اصغر منها على صف واحد في اعلى طبقة من الجرف وتحت المنحوتات وجدنا في قاع النهر لوحين عظيمين غمرهما الماء الى النصف تحتوي الصورة في اللوح الأكبر على شكلين مكررين كل نصف من الصورة اشبه بالمرأة العاكسة للنصف الآخر هذه الصدقة ساعدت كثيرا على فهم تفاصيل اللوح اذ بعد حوالي الف سنة تقريباً من نحت الصور قدم تلك الانحاء جماعة من الرهبان التائهين ليتخذوا الوادي مستقرا ونقروا في وجه السفح مجموعة من الصوامع وآثر اثنان أو ثلاثة من مخربي الآثار هؤلاء ان ينقروا صوامعهم على وجه المنحوتة الكبيرة مباشرة وفتحوا شبابيكها وسط اللوح دون اهتمام ما بالاصنام المنقوشة على سطحها ويشاء هذا الاهمال العفوي ان لا يلحق الضرر بالنقش اما الاجزاء التالفة من جانب فان عكسها من الجانب الآخر بقى سليما ويعرض المنظر الملك سنحاريب وهو يقدم القرابين الى الاله عشتار وقد دون فيها اخبار تدميره بابل التي كانت قد ثارت عليه في مبدأ حكمه فاستولى عليها عنوة ودكها دكا.

والالواح العليا في الجرف يشبه احدها الآخر فرؤوسها نصف دائرية نقش عليها صورة الملك اما اللوحان الكبيران الغاطسان في الماء فالاول منهما قد نقش على وجهه ثلاث صور بشرية هي الآله بعل وشخصان يتقدمان اليه بالدعاء وقد نقش على احد اركانه صورة صغيرة لثور مجنح برأس انسان على ان اللوح الثاني مشوه ممسوح بحيث يتعذر تحديد شكل الصورة فيه.

والظاهر ان جرف الكومل الصخري كان مقلعا من المقالع الحجرية الكبرى التي تمد نينوى بمواد البناء اللازمة لتشييد قصورها واغلب هذه الكتل الضخمة كانت تقطع من مقالع المرمر العليا ويؤتى بها الى ضفة النهر قرب المنحوتة الكبيرة في الاسفل وهم يسلكون بها طريقاً واسعاً ممهداً مازالت آثاره ظاهرة حتى اليوم وبعد ذلك يضعون الكتل فوق اسطوانات خشبية ويدحرجونها حتى تستقر بسلام على كومة من الرمل والحصى معدة تحت الضفة قريبا من ماء النهر وهذا العمل يجري كله في فصل الصيف عندما تكون مياه النهر ضحضاحة ثم يحفر الرمل والحصى تحت الكتل ويزال جزء منها ويوضع في الفراغ طوف من الاطواف المعروفة هناك بـ الكلك مصنوع من جذوع الخشب المشدودة بعضها الى بعض وتحتها قرب منفوخة والطوف المزود بعدد كاف من القرب كهذا يمكن ان يحمل على ظهره اي شيء كان مهما بلغ ثقله وعندما يرتفع منسوب ماء النهر في الخريف تؤخذ القطع الحجرية بطريق النهر الى دجلة حيث تنزل مباشرة تحت اسوار نينوى قرب القصر الذي ستستخدم في بنائه.

واللوحان الغائصان الان في الماء كان القصد فهما ان ينقلا بهذه الطريقة على ما يبدو ولسبب لا نستطيع تخمينه بالضبط تركا ولم يحملا على الطوف ولعلهما تلفا اثناء النقل واصبحا غير صالحين او ربما توقف بناء القصر باغتيال صاحبه سنحاريب ولم يستأنف البناء فيه بعد أن سحق اسرحدون ثورة شارانسر.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل فبراير 12، 2024 في تصنيف اخبار بواسطة alaistfada (2.9مليون نقاط)
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...