ويعرف المتصوفة الهوية بأنها الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق، أما عند علماء النفس فهي وحدة ذات الشخص في مراحله المختلفة طفلاً وشاباً وكهلاً وشيخا وعلماء الاجتماع يرون في الهوية ذلك الشيء الذي يشعر الشخص بالاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه، والانتماء إليه، أما علماء الميتافيزيقا الغيبيات فالهوية عندهم جوهر العقل وماهيته، أو أنها والعقل شيء واحد فهي ماهيته وصورته وقانونه إنها الضروري مطلقاً في مقابلة المستحيل مطلقاً ويقترب علماء المنطق والرياضيات من الأفهام أكثر عندما ينظرون إلى الهوية، على أنها علاقة بين شيئين تجعل منهما متساويين فهي ما يجعل شيئاً ما متشابهاً تماماً مع شيء آخر.
إن ما استعرضناه من إشارات سريعة إلى مفهوم الهوية من وجهات نظر مختلفة وعبر رؤى متباينة يدل على أن الهوية مفهوم مطلق يعني الحقيقة والماهية والذات والوحدة والاندماج والانتماء والتساوي والتشابه، وكلها دلالات تصب فيما نحن بصدده من قضية اللغة في علاقتها بأصحابها.
ولكن كيف تتشكل الهوية وما هي العوامل التي تسهم في هذا التشكل؟
قبل الإجابة تذكر أن الهوية تكون هوية فرد كما تكون هوية جماعة وهوية الفرد تكون هوية بسيطة تلك التي هي الأقرب إلى الذهن والأكثر انتشاراً نعني ما يُعرف اليوم بـ البطاقة الشخصية التي تتضمن مفردات الاسم والعمر والمواصفات الشكلية والجنسية، إلخ مما يميزه عن غيره الأفراد ويعرف الآخرين به، وهوية مركبة تلك التي تحدد اتجاهه ومسار فكره وعقيدته وانتماءاته ومثل هذه الهوية هي التي تجمعه بغيره من الذين يشتركون معه في الاتجاه والفكر والعقيدة والانتماءات وتميزه في الوقت نفسه بتلك الفروق أو التضاريس التي لا يشترك معه فيها غيره.
ومجموع الهويات الفردية والمركبة يساوي هوية الجماعة الهوية العليا التي تجمع أفرادها من ناحية وتميزهم من ناحية أخرى أيضاً.
إن الهوية العليا كما أسميناها تتشكل تلقائياً أو عفوياً دون تدخل مباشر من قبل الإنسان وقد تكون نتيجة لفعل إنساني واع وربما تخرج عن هذا وذاك ويكون الفاعل فيها هو الله الذي يرسل رسلاً يدعون إلى أديان تصبح في وقت لاحق هوية للمؤمنين بها.
وقد عرض المنظرون لمسألة الهوية لتلك الحالات وحصروا العوامل التي تشكل الهويات فيما يلي: الجنس أو الأصل أو العرق الدين التاريخ الجغرافيا المكان، التكوين النفسي الثقافي الإرادة أو المشيئة الاقتصاد بالإضافة بالطبع عاملا كذلك إلى اللغة ويمكن أن نزيد الدولة وهو عامل فاعل رأه بعض الماركسيين غير ستالين.
3. جدل اللغة والهوية؟
١. أقدم تجليات الهوية : بعد أن توقفنا بعض الشيء عند اللغة والهوية كل على حدة أصبح من الضروري أن تجمعهما في هذه الفقرة الأساسية وتجمع إليهما العناصر الأخرى للهوية وذلك للكشف عن العلاقات بين اللغة والهوية ومكانة اللغة ضمن منظومة عناصر الهوية ثم موقع اللغة أيضاً ضمن نظريات الهوية.
إذا كانت اللغة هي تلك الخاصية الإنسانية التي تعكس العقل الجمعي لفئة من البشر وتعبر عن رؤيتهم للعالم من حولهم وإذا كانت الهوية هي الحقيقة والذات والماهية فإنه يمكن القول دون أن يكون ثمة افتعال: إن اللغة تعد صورة حية الحقيقة أصحابها وذاتهم وماهيتهم.
ويلاحظ أننا عبرنا بحقيقة وذات وماهية مفردة لأن اللغة شيء مشترك للمتحدثين بها، واللغة كما نراها هي أقدم تجليات الهوية لدى الجماعات البشرية إذ لا شك أن تشكل هذه الجماعات قد ارتبط يبحثها عن وسيلة للتفاهم وإذا كنا لا تعرف على وجه الدقة طبيعة هذه الوسيلة الآن فإن المؤكد أنها مع بعض التجاوز لغة وأنها هي التي مكنتها من أن تكون مجتمعاً أحس أفراده بأن شيئاً مشتركاً يجمعه مع من يتفاهم معهم من ناحية ويميزه أو يميزهم عن غيرهم من ناحية أخرى.
واللغة تبدأ هوية بسيطة ثم تغنى وتتعمق مع مرور الزمن فهي أشبه بالوعاء الذي تثريه الأيام ذلك أن العلاقات الإنسانية المتشابكة داخل الأسرة اللغوية والعلاقات مع الأسر الأخرى والأحداث والآمال والآلام كل ذلك يصب في اللغة حتى يصبح الصوت اللغوي منجماً شعورياً واجتماعياً يربط بين الناس ويوثق علاقاتهم ويحدد ملامحهم ويوحد نظرتهم إلى أنفسهم والآخرين والعالم والكون من حولهم.
إن العلاقة بين اللغة وأصحابها علاقة تفاعلية يصعب معها الفصل بين الطرفين فهي هم وهم هي وبعبارة أخرى هي اللغة الهوية، وهي الهوية اللغة.
وعلماء الاجتماع ينظرون إلى اللغة على أنها حقيقة وظاهرة اجتماعية وتعبير عن تنظيم اجتماعي المجتمع معين ومن هنا نفهم تعلق كل شعب بلغته لأن الأفراد دائماً يرتبطون بأبنيتهم الاجتماعية، كأن هؤلاء يرون في اللغة أيضاً مظهراً من مظاهر الهوية أو الوجود.
ويربط أحد الباحثين بين مستقبل اللغة ومستقبل الهوية على أساس أن اللغة إحدى قسماتها ولا شك أن ربطه هذا صحيح وبخاص في حال لغة كالعربية ترتبط بالدين وتكتسب قداسة حتى عند غير الناطقين بها فضياعها يعني ضياع أحد المقدسات، لكن الله سبحانه قد حفظها من التفكك والموت، وعلى الرغم من ذلك فإن اللغة هوية وليست الهوية لغة بمعنى أن اللغة ليست المقوم الوحيد للهوية وإن كانت من أهم هذه المقومات وأشدها خصباً وعمقاً وتركيباً، إن العلاقة بين اللغة والهوية هي علاقة الخاص بالعام فالهوية أعم من اللغة لأن الهوية لها تجليات عديدة غير اللغة إذ إنها الهوية ببساطة متناهية ليست سوى تلك القواسم المشتركة أو القدر المتفق عليه بين مجموعة من الناس ذلك الذي يميزهم ويوحدهم وليست اللغة وحدها التي تقوم بهذه المهمة وهذا يعيدنا إلى المقومات الأخرى للهوية.
٢. اللغة وعناصر الهوية الأخرى : الهوية نسيج يتكون من عدة خيوط سبقت الإشارة إليها كل خيط منها يمكن أن يكون نسيجاً ويتحول إلى هوية كما أن كل خيط يمكن أن يتأخى مع خيط أو أكثر لتشكل هوية واحدة وقد يحظى خيط ما بدرجة أكبر من القوة ويطغى على ما عداه ويكون أفصح حضوراً لدى الجماعة نفسها وفي عقول الجماعات الأخرى عنهم، ومن هنا نقول: إن هوية هذه الجماعة لغوية أو تاريخية أو دينية أو جغرافية إلخ، مما يعني أن العنصر الطاغي هو هذا أو ذاك دون أن يلغي ذلك دور العنصر الآخر أو العناصر الأخرى بالمرة.
على أن بعض المنظرين يلغون دور بعض الخيوط في نسيج الهوية فالماركسيون مثلاً يرون أن الهوية هي حصيلة خمسة خيوط فقط هي اللغة والتاريخ والتكوين النفسي والثقافي والاقتصاد، والجغرافيا، والألمان لا يضعون في حسبانهم سوى العرق أو الجنس واللغة والفرنسيون يعتمدون خيط الإرادة أو المشيئة الذي يقوم بدوره على الجغرافيا والاقتصاد والقوميون العرب يركزون على اللغة والتاريخ والقوميون السوريون على الجغرافيا الأرض والإسلاميون على الدين.
التساؤل الذي يمكن أن يثار هل يمكن ترتيب هذه العناصر على وفق أوليتها ودرجة أهميتها في صياغة الهوية.
هذا التساؤل استدعى من الذاكرة ما يسمى لدى علماء الشريعة بالمقاصد الخمسة التي رتبها الشاطبي على النحو التالي: الدين، فالنفس، فالعقل، فالعرض، فالمال، ورأيتني أحاول أن أنظر في أمر ترتيب عناصر منظومة الهوية.
على أن ثمة فرقاً بين المنظومة والمقاصد يتمثل في السياق الذي يجمع عناصر كل فعناصر المقاصد ليست هي الشرع بل غايات له أما عناصر المنظومة فهي الهوية أو مفرداتها.
وبداية فإن الدين في رأيي يأتي في طليعة هذه العناصر ذلك أنه يرتبط بالبنية العميقة للإنسان والتكوين الداخلي لهذا الكائن والمؤمن به يعتقد اعتقاداً يقينياً أنه صادر عن الله خالق الكون وخالق الإنسان ومن ثم فهو أي الخالق أدرى وأعلم وأقدر على ترتيب مصالحه ورسم خريطة حياته ووضع خطة سعادته ومستقبله، وهذا ما يفسر لنا استمرار الأديان السماوية واستقطابها مجموعات هائلة من البشر سواء استمرت على نقائها أو شابتها شوائب كثيرة أخرجتها عن حقيقتها ومن الدين تنبثق مجموعة من القيم التي ترتبط بهذا الدين، وتحدد ملامح أتباعه.
والدين ليس سوى مستوى واحد فمن المعلوم أن الأديان ارتبطت بالظروف التاريخية ومستوى العقل البشري فيها والإسلام هو آخر هذه الأديان بلغ العقل البشري عند نزوله مرحلة متقدمة من النضج وجاء ليستمر ويتوافق مع الزمن الآتي فهو دين ودنيا عبادات وفكر علاقة مع الخالق ومع الكون ومع الإنسان.
وقد ظل الإسلام هو الهوية لشعوب كثيرة في مناطق عديدة متقاربة ومتباعدة ولا يزال وإن كان قد تراجع امتداداً وتأثيراً إلى حد كبير نتيجة لظروف وعوامل عديدة.
وعلى الرغم من أهمية الدين فإنهم في الغرب قد أقصوه منذ مطالع عصر النهضة وحصروه في زوايا محددة لا تتجاوز الطقوس لقد سقط الدين بوصفه أساساً من أسس الهوية عندهم كما توارى بسقوط الخلافة العثمانية وضعف صوته على الأقل على المستوى الرسمي والسياسي إن ساطع الحصري أبرز المنظرين العرب في القرن الفائت لفكرة الهوية القومية نفى دور الدين وجعل منه أمراً ثانوياً يقول: فسياسة الدول لم تقم على أساس العلائق الدينية أبداً، العلائق السياسية لا تتبع العلاقة الدينية على الرغم من أنه حاول محاولات أولية التوفيق بين الدين واللغة أو بين الوحدة الإسلامية والوحدة العربية.
يلي الدين في رأيي اللغة وسأتوقف عندها في الفقرة التالية؟
بعد الدين واللغة يأتي التاريخ فالتاريخ يصنع هوية لأنه مجموعة كبيرة من المشتركات للجماعة البشرية تتكون عبر الزمن وتنضج على ناره وهي تشمل مواقف الفراج وتأزم أفراحاً وأتراحاً وبالإجمال هي ذكريات تستقر في أعماق النفس الجمعية وتربط المصائر وتصهر الناس داخل إطار واحد.
وكلما كان التاريخ ممتداً وحافلاً وأكثر تشابكاً كان أقدر على التأثير وصياغة الهوية، ولكن ما مفهوم التاريخ يرى الحصري أنه بمثابة شعور الأمة وذاكرتها، كأنه يرى فيه نزعة نفسية شعوراً وأحداثاً ومواقف مضت ذاكرة.
ولذلك فإن الأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها، بينما لا يرى أحد الباحثين في التاريخ عامل هوية فالتاريخ بمعنى الزمان لا يعمل وحده لكنه يعمل في الإطار الاجتماعي المركب ولذلك فهو يقترح استبدال الحضارة بالتاريخ أو على الأقل التاريخ الحضاري لأن مجرد التتابع الزمني لا يكون أمة وكم من مجتمعات استمرت قائمة وحية ترزق لفترات متطاولة من الزمان ولكنها لم تتحول إلى أمم لأنها لم تضع حضارة مشتركة قومية وعميقة.
والخلاف كما رأه خلاف لفظي فما يقصده الحصري قطعاً هو المفهوم من كلمة حضارة ومعلوم أننا قد نعبر عن الشيء بأهم عناصره أو لوازمه بمعنى هل نستطيع أن نتصور حضارة دون زمن أو تاريخ.
العوالم الثلاثة السابقة هي العوامل الرئيسة وقد تبقت سنة عوامل تكاد تقف على خط واحد من الأهمية وإن كان بعيداً عن سابقاتها.
لا شك أن الجغرافيا الأرض الواحدة تقرب الجماعة البشرية وتصبغها بصبغة خاصة ويتجلى ذلك على المستوى اللغوي في ظهور اللهجات وتقارب الأصوات وعلى المستويات الأخرى الاجتماعي العادات والتقاليد والخلقي الشكلي الخلقي القيمي.
ومن المعلوم أن الانفصال الجغرافي قد يقسم الجماعة إلى جماعات خاصة إذا لم توجد العوامل الأساسية التي تقف في وجه هذا التقسيم والاقتصاد أيضاً يقوم بدور في حياة الجماعات كما هو حاله في حياة الفرد، لكنه الدور الذي يمكن أن ينقلب إلى النقيض لهذا فقد يفرق ولا يجمع كما أنه عرضة لتلاعب الحكومات وتسخيره لمصالحهم.
الإرادة أو المشيئة والدولة والتكوين النفسي والثقافي كلها في تقديري محصلة للعوامل السابقة لها دور في تعزيز الهوية لكنها لا تصوغها أو لا تقوم بذلك منفردة.
أخيراً ثمة عامل الأصل أو العرق أو الجنس وقد أخرته لأن الكثيرين يرون أنه لا توجد اليوم سلالة متميزة ولهذا فإن الحصري عبر عنه بـ الاعتقاد بوحدة الأصل والمنشأ.
٣. اللغة ونظريات الهوية : الهوية قديمة قدم الجماعات البشرية نفسها والنظريات التي حاولت أن تقعد أو تضع الأسس اللازمة التشكيل الهويات جاءت متأخرة كثيراً ولن تتضح مكانة اللغة ضمن منظومة الهوية دون الكشف عن موقعها على خريطة هذه النظريات.
لقد شهد أواخر القرن الثامن عشر والقرنان التاسع عشر والعشرون العديد من النظريات التي تؤسس لفكر الهوية: النظريات الألمانية والفرنسية والإيطالية والماركسية والستالينية ودعوات الرابطة الإسلامية والرابطة العثمانية والرابطة العثمانية الإسلامية والشرق أوسطية والشرق متوسطية والنزعات العرقية في مصر وسورية ولبنان والرابطة الإفريقية والقومية العربية والقومية السورية وغيرها.
وجدير بالذكر أن التركيز على اللغة حتى نظرياً وبالمعنى الذي يجعل منها أساس ربط أفراد الجماعة قديم يرجع إلى ابن خلدون الذي رأى في العربية الرابطة التي تجمع العرب.
وكما حظيت اللغة بهذه المكانة عند الألمان فإنها في فكر القومية العربية ساطع الحصري تجاوزت تلك المكانة وتحولت إلى محور الفكر القومي العربي فـ اللغة هي روح الأمة وحياتها إنها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري وهي من أهم مقوماتها ومشخصاتها أس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو : وحدة اللغة ووحدة التاريخ و نستطيع أن نقول: إن الأمم يتميز بعضها عن بعض في الدرجة الأولى بلغتها، وإن حياة الأمم تقوم قبل كل شيء على لغاتها.