صدر سنة 2015 عن مؤسسة الإدريسي الفكرية للأبحاث والدراسات كتاب بعنوان تعريب الدولة والمجتمع بالمغرب الأقصى خلال العصر الموحدي للباحثة رحمة تويراس ويضم الكتاب 319 صفحة وهو في أصله أطروحة دكتوراه في التاريخ نوقشت بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2004 تناول الكتاب موضوع التعريب خلال العصر الموحدي والعوامل التي أنتجت هذا الواقع التاريخي دون أن يغفل المكانة التي كانت للغة الأمازيغية في إرساء أسس هذه الدولة.
يضم الكتاب أربعة أبواب مهد بابه الأول للعوامل التي ساهمت في انتشار اللغة العربية قبل العصر الموحدي فتناول فصله الأول تاريخ المجموعات البشرية التي صنعت الخريطة اللغوية المجتمع مغرب العصر الوسيط بدءا بالأمازيغ الذين استوطنوا المنطقة منذ أقدم العصور ثم العرب الذين توافدوا على بلاد المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى العصر المرابطي فشكل بذلك أهم وسيلة للتعريب دون إغفال مساهمة العناصر القيروانية والأندلسية أما الفصل الثاني من هذا الباب، فخصص لإبراز دور المدن في مسلسل التعريب فالعناصر العربية الأولى المهاجرة استوطنت المدن والأمصار باعتبارها مراكز جذب لنخبة الفقهاء والعلماء والتي كان لها دور في تنظيم الإدارة والتعليم وهكذا ظهر التعريب في المدن قبل البوادي ولم يمتد إلى هذه الأخيرة إلا لاحقا مع قدوم القبائل العربية الهلالية.
خصص الباب الثاني لدراسة عوامل أخرى مؤثرة ساهمت تدريجيا في صنع هذا الواقع التاريخي فاهتم الفصل الثالث بدراسة دور المؤسسات الدينية والتعليمية في نشر اللغة العربية مثل المسجد والكتاب والرباطات ويدل انتشار هذه المؤسسات على احتكاك الناس باللسان العربي خصوصا أنها مؤسسات شعبية تتصل بعامة الناس بل تضافرت وتكاملت فيما بينها لتدعم إشعاع اللغة العربية لكن أدوارها كانت غير متكافئة واختلفت من وقت لآخر أما الفصل الرابع فيتعلق بمسألة انتحال الأمازيغ للنسب العربي وهي ظاهرة لا نجد لها مثيلا عند الشعوب الألقرابة ضمن سلسلات النسب مع إقامة علاقة افتراضية بين هذا الانتحال والتعريب إذ يحتمل أن تكون هذه العلاقة لبنة من اللبنات التي أسست الموقف ايجابي من التعريب لأنه قد يكون ساهم في تقبل اللغة العربية وانصب الاهتمام في الفصل الخامس على حلقة أخرى من حلقات التعريب وهي الاندماج في الثقافة العربية ويبدو أن هذا الاندماج تحكمت فيه إرادة الخلفاء والعلماء والصلات الثقافية وعلاقات التجاذب التي ربطت بين المغرب الأقصى وباقي أقطار المشرق الإسلامي حيث شكلت الرحلة العلمية جسرا مرت عبره الثقافة العربية في شكلياتها ومضامينها لتصبح بعد ذلك مؤهلا أساسيا لشغل المناصب الكبرى.
أما الباب الثالث فركز على دراسة تعريب الدولة الموحدية ويحتوي على الفصلين السادس والسابع وقف الأول على دور الدولة في إرساء هياكل تنظيمية كانت السيادة فيها للغة العربية التي ظلت مرعية في الشؤون الإدارية وحظي ديوان الرسائل بأهمية خاصة ساهمت في استمرار ترسيخ اللغة العربية لغةً للكتابة وكذا هيئة الحفاظ التي أنشئت لتخريج كفاءات ذات خبرة ودراية في مجال التدبير ولا شك أن هذا الإجراء ساهم في تعزيز الإدارة الموحدية بعناصر ذات ثقافة عربية وتناول الفصل السابع المؤثرات المختلفة والوسائل التي استخدمتها الدولة الموحدية لتطوير الثقافة في قالبها العربي وكذا مجهوداتها في استعمال اللسان الأمازيغي سواء على المستوى الديني أو الرسمي.
خصص الباب الرابع لتعريب المجتمع خلال العصر الموحدي عبر رصد بنيته وتحديد العناصر السكانية المشكلة له في كل من المدينة والبادية ففى الفصل الثامن تم التركيز على متابعة مسلسل تهجير القبائل العربية ورصد تحركاتها ومناطق نفوذها وقد كان إنزال العرب الهلالية بالسهول والأرياف الدفعة التي أعطت للتعريب قوته خاصة على المستوى المحالي وبما أن المنطقة عرفت ما يكفي من الحركية السكانية خاصة أواخر الحكم الموحدي عندما فقدت السلطة الموحدية جل مقوماتها مما شجع القبائل الهلالية على الانتشار والتحرك فإن هذه التحركات كان لها عميق الأثر في انتشار اللغة العربية وحمولتها من أعراف وتقاليد كما تم توضيح الظروف التي ساهمت في تعريب المدن الموحدية حيث جاءت الهجرة الأندلسية لتتجه بالمجتمع الحضري من جديد نحو التعريب وتناول الفصل التاسع العامية المغربية خلال العصر الموحدي وتم الاعتماد في هذا الباب على بعض الجمل التي وردت في كتاب أخبار المهدي للبيذق وعلى بعض الأزجال المتفرقة أما الفصل العاشر والأخير فكان النظر فيه مركزا على دراسة أسماء الأماكن الطوبونيميا التي عكست الواقع التاريخي السالف الذكر وقد تم الوقوف على أعلام أمازيغية محرفة وفق النطق العربي وكذلك على أعلام عربية مما يفصح عن واقع بشري ولغوي جديد عرفه المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط.
الهوية واللغة ومراحل التحول بالمغرب الوسيط؟
يضم الكتاب بين دفتيه سبعة مقالات وملحقاً سبق أن أسهم بها المؤرخ محمد القبلي في مناسبات علمية مختلفة ونشرت متفرقة ثم جمعها في هذا الكتاب وتكون في مجموعها خمسة وتسعين صفحة وهي
1. نحو مقاربة أولية لمراحل البحث في تاريخ المغرب الوسيط.
2. حول بعض مرتكزات الهوية في تاريخ المغرب الأقصى الوسيط.
3. حول التبدل والاستمرارية بمغرب العصر الوسيط.
4. حول بعض جذور الوضع اللغوي الحالي بالمغرب.
5. حول الإصلاح وإعادة الاصلاح بالمغرب الوسيط.
6. الدولة والولاية بالمغرب الأقصى في منتصف العصر الوسيط.
7. المجتمع بين الإصلاح والابتداع بالمغرب الاقصى الوسيط.
8. ملحق من كتاب المعيار المعرب.
ونظراً لغنى هذه الأبحاث وعمقها وتنوعها فقد ارتأيت الاقتصار على عرض المقالات الأربع الأولى لصلتها بموضوع ملف هذا العدد من مجلة أسيناك.
المقالة الأولى: نحو مقاربة أولية لمراحل البحث في تاريخ المغرب الوسيط : استهل المؤلف هذه المقالة بالإشارة إلى أن من ألصق الضوابط المتصلة بوضع حصيلة ما أن يتم الاعتناء بتوطين المجال الذي يهم هذه الحصيلة مع استحضار أبرز المواصفات المحددة التي تؤطره ثم أبرز مراحل البحث في تاريخ المغرب الوسيط وحصرها في ثلاث هي
1. مرحلة الاستكشاف : وقد كان من أهدافها: ضبط الواقع عن طريق المعرفة استناداً إلى فرضيات قائمة على مجموعة من الثنائيات السهل والجبل والعرب والبربر والزوايا والمخزن وانعزال المغرب النافع عن بقية البلاد مع الاهتمام بجوانب أخرى من تاريخ المغرب الوسيط مثل الحفريات والمسكوكات والنقوش والفن المعماري والعناية بالتراث المخطوط جمعاً وفهرسة وترجمة بعضه الى اللغة الفرنسية وقد بصم هذه المرحلة باحثون فرنسيون من مثل: ليفي وكولان وجورج مارسي بروفنسال وهنري تيراس وروني باشي وغيرهم.
وشهدت نهاية هذه المرحلة ظهور بعض المشاريع المونوغرافية لبعض الباحثين الفرنسيين من أمثال: روجي لوترنو وگاستون دو فيردان مع الإشارة إلى أن وجاك مونيي وجاك بيرك باحثين إسبان اهتموا بشمال المغرب وكانت لهم نفس العمليات الاستكشافية مع تباين في الكثافة والإمكانيات وكان منهم كارسیا گومیز گونزاليس بالانسيا ومنينديز بيدال وبوش فيلا وأمبروسيو هويسي ميراندا وآخرون.
أما الباحثون المغاربة فقد ظهرت لبعضهم بعض الأعمال المونوغرافية وإن كانت لا تلتزم بالعصر الوسيط زمناً لها فقد مهدت لما سوف يتلوها مباشرة من تموقع الباحث المغربي خارج الخطاب المعرفي السائد لدى مؤرخي الحماية ومنها أعمال محمد الكانوني وعبد الرحمان بن زيدان والعباس بن إبراهيم الذين عرفوا بمآثر وأعلام مسقط رأسهم وما يميز هذه المرحلة أن البحث بمعناه المعاصر لم يكن متوفرا لدى المغاربة بالنسبة لتاريخ المغرب الوسيط.
2. مرحلة الانطلاق والتموقع: قدم المؤلف تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت لمقدمة ابن خلدون، نقطة البدء في هذا الاتجاه كما اختار لنهايته توقف مجلة تطوان عن الصدور أو بداية التأليف التيمي التركيبي مع نشر الأستاذ محمد بنشقرون الأطروحته عن الحياة الثقافية المغربية في عصر المرينيين والوطاسيين سنة 1974 باللغة الفرنسية.
ومن مميزات هذه المرحلة:
أ. تعدد المنابر التي تنشر باللغة العربية صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، ومجلة تطوان ومجلة البحث العلمي ومحلة هسبيريس تمودا.
ب. الاتجاه نحو تحقيق النصوص الوسيطية ونشرها محمد بن تاويت الطنجي و محمد بن تاويت التطواني وعبد الله كنون ومحمد إبراهيم الكتاني، ومحمد الفاسي وعبد القادر الصحراوي ومحمد زنيبر وعبد الوهاب بنمنصور وعبد الهادي التازي، ومحمد بنشريفة وسعيد أعراب وآخرون.
ت. الاهتمام بالأعمال الببليوغرافية عبد السلام بنسودة ومحمد بن إبراهيم الكتاني ومحمد المنوني.
هذا ما يتصل بالإنتاج المغربي في موضوع تاريخ المغرب الوسيط أما الإنتاج الفرنسي في الموضوع ذاته فقد اتخذ له توجهات أخرى تأثرت بما عرف بظاهرة التاريخ الجديد أو مدرسة الحوليات كما تجسده أعمال جاك بيرك وجون بونسي وبيرنار روز نبرجي في حين حاولت المدرسة الإسبانية التوفيق بين التأليف والتحقيق فرناندو دو لاکرانجا ومارية خيسوس فيكيرا وميرسيديس كارسيا أرينال ومانويلا مارين.
أما البحث الانكلوسكسوني فقد عرف بدوره انطلاقاً في ذات المجال واعتمد المقاربة الانتربولوجية في دراسة القضايا ذات البعد الديني والاجتماعي وكذا عامل الكم في تناول بعض الظواهر الاجتماعية ومن رواد هذا الاتجاه إرنست كلنير وجون هوبكنز ومايكل دولس ومايا شاتز ميلير.
وما يجمع مختلف المدارس الأوروبية خلال هذه الفترة هو اتجاه البحث المتقيد بالضبط الببليوغرافي والتوثيق والقراءة المقارنة للمصادر ومن ممثليه البارزين تا دوز ليفيتشكي وروبير برانشفيك وهويسي ميراندا وروجي لوترنو.
3. مرحلة الاستشكال والمراجعة: هي نتيجة لسابقتها وامتداد لبعض نواحيها ذلك لأنها ستوظف النصوص الجديدة المحققة خلالها مع ما يصاحب ذلك من إثراء التساؤل وتعميق النظرة للأشياء فتصبح بذلك فترة استشراف وتأمل واستشكال وتجاوز في نفس الوقت وتميز الباحث المغربي خلال هذه المرحلة بتحقيق ونشر نصوص جديدة وإعادة النظر في بعض النصوص التي سبق تحقيقها خلال المرحلتين السابقتين والعمل على تحقيقها من جديد.
صاحب هذا التوجه اهتمام بقضايا مختلفة من تاريخ المغرب بحقبه المختلفة وضمنها العصر الوسيط نشأ في كنف الجمعية المغربية للبحث التاريخي مع منتصف ثمانينات القرن العشرين يروم ارتياد تاريخ المجتمع بمعناه الواسع المتشعب المؤدي حتماً الى اعتماد عدة مقاربات مندمجة متداخلة وتناول قضايا ذات صلة بالدين والسياسة والذهنية والتجارة والبني والذاكرة والكرامة والولاية والشرف واهتماماً بالمدينة وبمجال المغرب الوسيط وبالتحركات البشرية وأثرها في تطور الأوضاع بشكل عام.
وقبل ختم مقالته سجل المؤلف بعض الملاحظات:
أهمية الكتابة التاريخية التقليدية للحقبة الوسيطية وإفادتها للكتابة التاريخية الجديدة.
ارتقى التعاون بين باحثين من المغرب وفرق بحث أجنبية بمعرفة تاريخ المغرب وادمجه ضمن نسق حضاري أوسع.
ساعدت إمكانيات فرق البحث الأجنبية على إنجاح عملية التعاون كما سهلت إقامة باحثين مغاربة ببعض الجامعات ومراكز البحث الأجنبية عملية التواصل.
كان من نتائج كل هذا تحقيق انفتاح فعلي عند طرح قضايا المغرب الوسيط وتناولها مع مراجعة التعامل مع عامل الزمن التحقيب.
ضرورة استحضار اهتمام الباحثين اليهود من أصل مغربي بالفترة الوسيطية وما راكموه من أبحاث نوعية في هذا الباب لتكتمل صورة تعامل الباحث المغربي مع تاريخ المغرب الوسيط.
وفي نهاية المقالة خلص الكاتب إلى أن تعامل الباحث المغربي مع تاريخ المغرب الوسيط بدأ ضعيفاً غداة الاستقلال ثم تقوى بعد ذلك وفرض نفسه في الدخل والخارج بفضل تضحياته وتنظيمه الذاتي والتزامه في المقام الأول رغم التشرذم وضعف الطاقات المكتبية وهشاشة الهياكل دون إغفال دور الدولة في تكوين الطاقات البشرية القائمة على الإنجاز.