هذا الذي أوردنا يذكرنا بجرجرتنا للقبلية حتى اليوم في عالمنا العربي وكذلك الإسلامي.
إن هذه المظاهر السياسية الإثنية تتأكد لإنتاج الصورة التي يصفها إيمانويل ليفيناس بأنها: ضحة الثقافات المتعددة والمتوازية وكل منها يبرر في إطار ظرفه الخاص، وذلك في زمن لم يكن يتصور فيه بالطبع بعد أن الإمبراطورية الشيوعية سوف تتفكك فذلك هو نتيحة زوال الاستعمار الذي خلق بالتأكيد عالماً غير مستعمر ولكن أيضا في الوقت نفسه أوجد عالماً تائهاً ضال الوجهة، ويبدو لنا أن العالم غير المستعمر سياسياً بقي مستعمراً اقتصادياً الاستعمار الجديد.
فإذا ما كان الأمر كذلك وإذا ما تعايشت الثقافات في إطار انفصالها بعضها عن بعض فلن يبقى هناك من معنى المسألة التسامح ومن ثم نواجه تسامحاً من دون عقبات والذي هو لقاء الغيرية ما يخص الآخر في مقابل الأنا وليس الثقافات إنما بما هو أبعد منها فلتر إذن ضحة الثقافات ومسألة غير المحتمل.
إن هذا الاصطفاف للثقافات الإنسانية يؤدي إلى اعتبارها كلها كتعبيرات عن العالمي وكلها متساوية أو بالأخرى متعادلة، لكن هل من الضروري عدم التفكير في تعايشها بغير عبارات السيطرة وعلاقات القوى التي تحدد الإمبرياليات أو الانفصالات؟
يتبادر إلى الذهن في هذا المقام قول جاك بيرك ما معناه أن الخطر قد ظهر إلى الوجود حالياً من تجاوزات القومية الخارقة للدينامية نحو انتقامات متهورة والتي من المفترض أن تدفع الجميع نحو الأكثر من الإنسانية والتصرف الأكثر انفتاحاً نحو العولمة.
لكن يبدو لنا أن ما أشرنا إليه آنفاً من بقاء الاستعمار الاقتصادي والاستثمار الجديد قد لعب دوره السلبي هنا في تأجيج القوميات القبلية لاحتواء ما في أراضيها من خيرات اقتصادية مستغلاً في ذلك تركيبها المتعدد الديانات والمذاهب والاثنيات واللغات الأمر الذي أدى إلى الصراعات العرقية غير المتسامحة والتأخر عن مواكبة البعد الإنساني في ثقافة وحضارة هذه البلدان الحديثة الاستقلال وتلكنها عن مواكبة العولمة لما تتوجس فيها وهي على حق في ذلك من شر اقتصادي قبل أن يكون ثقافياً حضارياً يضمر لها في هذه العولمة وفي ذلك تعليق على ما يقول جاك بيرك وعلى كل اللوحة السالفة الوصف هنا.
لذلك فالتسامح بالمعنى الأول وهو هنا القبول بالاختلاف الثقافي يجد نوعا ما حدوده في الحالة المعتبرة غير محتملة وذلك أبعد من كل شرعية ثقافية للنساء يعمل على بترها مثلاً وبذلك تتجسد على ما يبدو اللزومية التي عبر عنها إيمانويل ليفينا بالنظر إلى الحضارات والحكم عليها انطلاقاً من الأخلاقي فيها.
الواقع أن عصرنتنا وممارستنا لها يعملان على إرساء شرعية نوع من الصراع حول حقوق الإنسان وحول ما يدعى بواجب التدخل فهذا المفهوم مهما كان احتمالياً وأياً كان الخطر الذي يتضمنه في الممارسة لإعطاء لباس أخلاقي للقوة التي تعمل على إظهار المصلحة ويبقى خطراً رئيسياً عندما يتعلق الأمر بالتفكير في التسامح الحقيقي والإيجابي.
نقول تسامحاً حقيقياً وإيجابيا على اعتبار أنه يوجد تسامح سلبي كما نعرف وهو الذي يقوم على قبول الاختلافات بمعنى القبول بها طالما لا تزعجنا كثيراً أو لا تمسنا مباشرة، وهذا التسامح هنا يمكن أحيانا أن يقبل بغير المحتمل مع رفض محاكمة الآخر من جراء الكره الثقافي وفي ذلك على ما يبدو لنا الوصول إلى اللامبالاة والتي تبدو بمثابة التسامح السلبي في حين نحن بحاجة إلى التسامح الإيجابي لذلك يبدو لنا أن هذا المعنى الإيجابي والسلبي للتسامح يتميز هنا بربطه بالثقافة حيث يحدث التسامح الكبير مع ثقافة الآخر.
هذا ومن المحتمل أن يصل التسامح السلبي حسب الظرف الثقافي المتطور إلى درجة اللامبالاة كما إلى درجة اللاتسامح، وفي ذلك عود على بدء الإشكالية الموضوع التسامح حيث للتفاصيل يراجع الفصل الثالث: إشكالية التسامح من كتابنا المشار إليه أنفا أضواء على التسامح والتعصب حيث إنه على ما يبدو لنا أن للثقافة دوراً في تحرك الإشكالية هنا لكن مع تأكيدنا مجدداً في إطار الحضارة والثقافة على كبر دور العامل الاقتصادي الذي نرى فيه المقرر الأكبر في نهاية المطاف الذي يتأكد منه بمراجعة دراستنا العنصرية والحضارة الغربية أو الجذور الاقتصادية للتمييز العنصري في مجلة العرفان.
لذلك بإمكاننا ومن دون التركيز على هذا التناقض هنا القول بأن الأبرتايد انظر دراستنا الجذور الاقتصادية للتمييز العنصري المشار إليها أعلاه كان يمارس هذا التسامح الذي أشرنا إليه الآن تسامح كل في بيته والذي يذكرنا بتعبير بول كالوديل التسامح هناك بيوت له إن جاز التعبير، إن هذه النظرية للتطور المنفصل تفكر بالثقافات التي هي مختلفة بشكل أساسي والمنغلقة في مبادئها وتقاليدها الخاصة، إن الإرادة التي دمعت هذا النظام الأبرتايد قامت على خلق ومنح الاستقلال الأكبر ما يكون للبوتوستونات المعازل نظر دراستنا الجذور الاقتصادية للتمييز العنصري في مجلة العرفان المشار إليها والتي تتوافق والثقافات الأخلاقية المحصاة وهذا يبدو بالتالي بمثابة الترجمة السياسية للفلسفة التي حتى قبل أن تكون غير متساوية في الواقع كانت غير إنسانية بمعنى أنها تختزل مفهوم الإنسانية بمجرد خلاصة علم الحيوان لإنسانيات منفصلة بعضها عن بعض.
إن إعطاء البعد الفلسفي الأخلاقي للأبرتايد يبدو لنا أنه في غير محله وذلك لأنه نظام عنصري في منتهى اللاإنسانية ويقوم على المصالح الاقتصادية للأقلية البيضاء في جنوبي أفريقيا ليس إلا ويعمل على بنائه اليوم في إسرائيل حيث الحائط المكهرب العازل بين إسرائيل والفلسطينيين إن ما أقدم عليه الكاتب سليمان بشير ديغان من التفسير الفلسفي السياسي الأخلاقي للثقافة لا نقبل به لمثل هذا النظام، وللتدليل على ذلك تحيل من يرغب في التفصيل إلى الجذور الاقتصادية للتمييز العنصري دراستنا المنشورة في مجلة العرفان المشار إليها أنفاً.
وقد تسربت عدوى الأبرتايد إلى بعض الأيديولوجيات القومية التي نادت بالتطور المنفصل من أجل الخير الأكبر لكل الثقافات، وفي هذا المقام فإن الآن دي بينوا في كتابه المعنون أوروبا العالم الثالث نفس الصراع يأخذ هذه الطريقة نفسها في التفكير. ولذلك نراه يقول في كتابه: لكل الثقافات في العالم الحق في الوجود وهذا أمر ضروري من أجل الحفاظ على الخصوصيات الثقافية الاجتماعية الجماعية ليس هناك من ثقافة بعد تعدد الثقافات فالإنسانية هي مفهوم يعود لعلم الحيوان سهولة لغوية أو مفهوم خال من المعنى.
وهنا يسوق الكاتب سليمان بشير ديغان ملاحظتين بالنسبة لقول بينوا هذا اللا إنساني بالطبع:
الملاحظة الأولى: تتعلق باللعب في حق الشعوب ضد المرتكز الإنساني مفهوم الإنسانية وذلك بالعودة إلى الأنثروبولوجيا النسبية التي وضعتها المدرسة الأمريكية والتي تدعو إلى عدم الحكم القيمي الثقافة ما تجاه ثقافة أخرى، وقد تماشى هذا الأمر مع الحركة النظرية والسياسية لزوال الاستعمار وقد أنتجت هذه النسبية الثقافية المعادية للاستعمار للأنتروبولوجيا الأمريكية للسنوات 1930-1950م ما يسميه الآن دي بينوا التوصية الرائعة المقدمة إلى الأمم المتحدة في عام 1947 من قبل المكتب التنفيذي للجمعية الأنتروبولوجية الأمريكية والتي تعلن ما يلي: إن المستويات والقيم تتوقف على الثقافات التي تتأتى عنها بحيث إن كل المحاولات لصياغة المسلمات جمع مسلمة: قضية هل يجهل قراء المجلة معنى المسلمة غير بدهية ولا مبرهن عليها ومع ذلك يسلم بها كأسس للاستدلال في المسائل النظرية والعملية المؤلف التي تتأتى عن المعتقدات أو القوانين الأخلاقية لثقافة ما يجب أن تسحب من كل تطبيق لإعلان حقوق الإنسان على البشرية جمعاء.
أولاً : الحمد لله أنه لم يؤخذ بهذا الرأي في صياغة حقوق الإنسان ثم مع موافقتنا على ما ساقه الكاتب سليمان بشير ديغان من وصف لهذه الحالة نضيف أن في ذلك امتداداً للتمييز العنصري القائم آنذاك في الولايات المتحدة نفسها فيما يشمل العالم الذي تنظر إليه ولا تزال من خلال مصالحها الاقتصادية الرامية إلى الهيمنة العالمية والتي تجلت مؤخراً بحركة العولمة الاقتصادية المغلفة بالفكر الأحادي كثقافة.
الملاحظة الثانية: مرتبطة بالأولى وتفسر قول دي بينوا نفس المعركة على اعتبار أن أنظمة القمع في بلدان العالم الثالث هي نصيرة لنظرية النسبية هذه بالنسبة لحقوق الإنسان وذلك باسم الأصل والهوية الخاصة الثقافية.
ونضيف إلى ذلك ارتباط قيادات هذه الأنظمة في العالم الثالث بالدول الرأسمالية المتقدمة لتأمين مصالحها ومن ثم فهناك تماثل بين متوازيين ليس إلا بحكم المصلحة الاقتصادية من طرف مقابل المصلحة السياسية من الطرف الآخر مع العلاقة الجدلية بين الطريفين والمصلحتين فحقوق الإنسان تشكل المبدأ الذي يوجه كل ثقافة من دون الاختلاط بين الثقافات بشكل خاص ويوجهها نحو التجسيد الكامل للشخصية الإنسانية من دون هذا الهدف المشترك نحو اللابعد من بعد الثقافات فإن حوار الثقافات لن يكون له معنى وكذلك التسامح الحقيقي الذي يرمي الحوار إلى إقامته.
نشعر هنا بالأخذ بالعقل في مبدأ حقوق الإنسان والحوار الذي هو غير ممكن من دون العقل من أجل التسامح الحقيقي.
وهنا فإن المفكر آماد وهمباني المالي من أفريقيا وضع مقابل التسامحالذي يتأتى عن مجرد اصطفاف الثقافات المنعزلة ما سماه احترام الآخر، وهو قد استعمل كلمة التسامح في الإطار الذي يفصح عن أنه يريد أن يقول في الواقع احترام و تقدي الآخر وهنا فإذا كان مفهوم الاحترام و التقدير للآخر، يتوجب عليهما أن يعطيا لمفهوم التسامح مضمونه الحقيقي فإن ذلك لن يكون باستبعاد بل على العكس الضرورة الأخلاقية والتأكد أن في ثقافة الآخر: الإنسان الذي يتلقى ما يستحق القيمة شخصه ومن دون هذا الهدف الموجه لا مجال للالتقاء والحوار.
إن الأخذ بكلمتي احترام وتقدير ليس بالجديد في موضوع التسامح علينا انظر كتابنا أضواء على التسامح والتعصب لاسيما الفصل الثاني المخصص للتسامح، إنما الجديد هنا هو ربطهما المتين بالثقافة بثقافة الشخص الآخر الذي نكن له الاحترام والتقدير مع بقاء الضرورة الأخلاقية في الموضوع بالطبع وهذا أيضاً من الجديد لأجل الحوار، حيث يكون العقل فالأخذ بالثقافة هنا يغني الموضوع التسامح ويعمقه ويوضحه فهذه المقدرة لاستقبال الغيرية هل هي دليل ثقافة ومؤشر لبعض المجتمعات البشرية التي يمكن اعتبارها أكثر تسامحاً من غيرها وأكثر انفتاحاً على الغريب.
صحيح أن في ذلك خاصية ثقافية بارزة في بعض المجتمعات بحيث إنها تعمل كالات حقيقية لصنع التضامن والتماسك في استقبال الآخر فهذه الخاصية الثقافية تعمل بشكل واضح للغاية كوسيلة للاستقبال وتناغم الخلافات وهنا يؤخذ باللاتينية وبالقرابة ولو بشكل غير جدي وتعد بمثابة هبة من السماء.
هنا يرد إلى الذهن مباشرة القرابة القبلية لدينا في البلدان العربية والإسلامية على أنه ليس بالأمر المستر اقتصار التسامح على فن توافق الخلافات لصنع التماسك بين الاثنيات وحتى لو أن في ذلك الحيلولة دون خطر الغيرية التي تدجن عندها على اعتبار أنه لابد من بقاء الاختلاف الحقيقي والإصغاء إليه.
بالإضافة إلى ذلك يسوق الكاتب سليمان بشير ديغان هنا المرأة التي تعكس كل معتقداتنا وانتماءاتنا في إطار الاختلاف الذي يكون في الامتحان من أجل التسامح وبذلك وبعد التفكير الملي نصل إلى مسلمة حوار الثقافات أو حوار الديانات والذي هو في الحقيقة حوار داخلي حيث الهوية تعمل مع ذاتها عبر خدعة الاختلاف ويقدم بذلك الحوار واجباً فردياً وليس واقعاً ثقافياً ومع ذلك فالعرقية نزعة في الإنسان لرفع شأن قومه وبلده هي القاسم المشترك الأكبر في نهاية المطاف على اعتبار أن جوهر كل ثقافة هو التفكير في أنها بمثابة العالم بمثابة الإنسان، فهذا التسامح يختلط في البحث على ما يساعد الغيرية للقيام بخطوة خارج الذات ويسمح بالتساؤل عن هويتنا وقناعتنا لكن في الميدان الديني فالتسامح هو مؤشر خلق حقيقي تجاه الله والحقيقة وهذا التسامح هنا كالقلق الذي يُعبر عنه بأنه ليس له من حدود.
نشعر هنا ببقاء الثنائية في التسامح والتي لا تزول رغم نوعية الثقافة التي تمكن من التماسك عبر التوافق مع إبقاء الحوار المنبئ عن بقاء العقل وفي ذلك شيء في منتهى الأهمية.
فالتسامح الحقيقي والإيجابي يقوم إذا على العقل وتفوح منه رائحة عطر الحرية والديمقراطية وتغوص جذوره في التسامح المطلق بمعنى العالمي اليوناني القائم على روحية الحوارات السقراطية، كما أن العالمي هو مؤشر للعقل وبالتالي فالمجتمعات العالمية هي مجتمعات عقلانية.
هذا كما أنه عن يقظة العقل يتأتى التسامح وتبريره بحيث إن بايلي يبرر التسامح كقائم بشكل مطلق وبسيط على السبب الأخلاقي السبب العلمي العالمي.
لكن في ذلك لا يجوز على ما يبدو لنا التسامح مع اللاتسامح لذلك يتطلب التسامح الأساس الإيجابي في الاعتراف بالمساواة كحق لك للناس بحيث يغدو الشك الأساس الوحيد العالمي كون الحقيقة تصبح لا متسامحة عندما تقنع لحظة عدم الشك، ومع ذلك تختتم الدراسة بقول الشاعر العربي الكبير الفيلسوف أبي العلاء
كذب الظن لا إمام سوى العقل.
مشيراً في صبحه والمساء.