فالذي يحصل من كل ما تقدم أن لا جديد إلا حيث تبدع الحكمة شيئًا لم تتصل نواميس الحياة النفسية بهذا الشيء فإذا هي تفعل به ما اقتضته الحكمة مما نسميه هدمًا أو بناء فأنت إذا كنت مجددًا في اللغة مثلا وكانت فيك العناصر الكافية لاجتماع قوة من قوى الناموس العام فلا بد أن تبدع شيئًا غير موجود لا يستطيعه غيرك كما تستطيعه أنت فإذا أبدعت واستحدثت رأيت القديم نفسه هو الدليل على أنك جددت فكنت بشهادته مجددًا وهي شهادة كما ترى لا تنالها بأنك محرر صحيفة أو مترجم مجلة أو ملخص من بعض آراء الفلاسفة بل من حياة عصرك وطبيعته وقوانين وجوده إذ تكون أنت زيادة في العصر وآية في الطبيعة وكلمة جديدة في قوانين الأمة.
كأن هذا بعيد عن موضوعنا ولكن كيف نصنع وموضوعنا طه حسين وهو رجل كشبكة الصائد كلها عيون وخروق وبين كل خرق وخرق عقدة.
رأينا عصبية طه على الإسلام تلبس ثلاثة وجوه؟
أولها: عقيدته في القرآن وأنه من وضع الذي جاء به لا من وحي ولا تنزيل ولا معجزة.
وثانيها: رأيه في النبي ﷺ وأنه رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة.
وثالثها: عمله في توهين أمر الأئمة من الصحابة فمن بعدهم وقياسهم في الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه.
فأما القرآن فقد أفردنا له مقالا افتضح به أستاذ الجامعة أشد فضيحة وأخزاها ونزيد عليه هنا أن الأستاذ يقول في الرد على المستشرق هوار الذي زعم أن النبي ﷺ أخذ من شعر أمية بن أبي الصلت واستعان به في نظم القرآن: من الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرًا من القصص القرآني كان معروفًا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم وكان من اليسير أن يعرفه النبي ﷺ تأملوا كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبي ثم كان النبي وأمية متعاصرين فلم لا يكون النبي هو الذي أخذ من أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ من النبي.
وهذه العبارة ناطقة برأي قائلها حتى كأنه يقول: إن القرآن لا ينقصه إلا أن يكتب عليه تأليف فلان ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ويقول في بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى شواهد من الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: نخالفهم أشد الخلاف لأن أحدًا لم ينكر عربية النبي فيما نعرف.
يعني إذا لم ينكر أحد عربيته لم ينكر صحة كلامه ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ثم يقول عن علماء الموالي وعلماء العرب: وأرادوا هم علماء العرب أو الموالي أو أولئك وهؤلاء أن يدرسوا القرآن درسًا لغويا ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها، انتهى.
والرجل يكرر هذا المعنى ويطيل فيه ولا يفهم أن الاستشهاد بالشعر لا يراد منه إثبات عربية القرآن ولا مطابقة ألفاظه لألفاظ العرب ولا هو من شك في العربية ولا من أمر ما، وإنما يراد به اتخاذ القرآن سببًا في جمع مادة اللغة وشواهدها كما هو السبب في وضع العلوم العربية كلها أفترى وضع النحو كان لإثبات أن القرآن ليس فيه لحن أم كان لإقامة الألسنة الزائغة حتى يسهل عليها الأداء والقراءة؟ ثم يراد من تقييد تلك الشواهد وجمعها وتدوينها تفسير كلمات القرآن ليفهمها من يجيئون بعد العرب كما فهمها العرب أنفسهم وظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالنص على معاني الكلمات عندهم ولا ثقة بهذا النص إن لم يكن عليه دليل من شعرهم إذ هو وحده المحفوظ عنهم وهو كان متن اللغة والخبر والأثر ولعمري لولا صنيع العلماء في جمع هذه الشواهد لقام ألف زنديق يضيفون إلى مطاعنهم في القرآن أن فيه خطأ في اللغة فانظر أين هذه الحكمة مما يخبط فيه أستاذ الجامعة.
ويقول : إن اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم.
ولم نفهم شيئًا من هذا الكلام لأنه يحتمل كل شيء ولو فسر لنا فسرنا له وأريناه مبلغ جهله وسوء أدبه.
وأما رأيه في النبي ﷺ فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما من عالم أو كاتب مسلم يذكره إلا صلى عليه أو وضع رمز الصيغة ولو هذا الحرف ص، وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية لأن المسلمين يقرءونها أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبي ﷺ ولا يحسن عظمته ولا أثره فقد ذكره في كتابه مرارًا تفوت العد فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا بعقيدة المسلمين أخذ ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى بل طريقته هي طريقة المبشرين بعينها تشعرك وقاحة الكاتب وغروره وانتثار عقده مع أنهم قالوا: إن هذه الصلاة من الرجل المسلم إنما تكون دليلا على خلوص نيته وقوة عقيدته وأنه لا شوب فيها ولا شرك وعلى أن بشاشة الإيمان قد خالطت قلبه ولكن شيخ الجامعة قد تجرد من دينه منذ الصفحة الأولى وقد والله صدق هذا الحديث: رغم أنفُ عبد ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ علي، فما أنف أرغم من أنف طه حسين كَمَدًا وذلاً وخزياً ولعنة.
والأستاذ يكذب الحديث الصحيح ويتهكم به كما رأيت في بعض ما مر وما نظن أحدًا يسلم من تكذيبه بل هو يقول : فأنا لا أقدس أحدًا من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال.
فإذا كان هذا من رأيه فيمن يعاصرونه ويعرفهم حق المعرفة فيهم أستاذه وصديقه وأبوه وأمه فكيف به فيمن لا يعرفهم إلا من الكتب بل هو يكاد يصرخ أن كل شخص لا يعرفه فأكبر الظن عنده أنه من أشخاص الأساطير لم يوجد قط قال: نحن لا نعرف من سعد ومن مالك ومن زيد سناة فأكبر الظن عندنا أنهم أشخاص أساطير لم يوجدوا قط.
فهل تعرف يا أستاذ الجامعة أولئك الذين ألفوا كتب التاريخ؟ وإذا كنت لا تعرفهم فليس ما يمنع أن يكونوا أشخاص أساطير وإذن فالكتب قد ألفت نفسها إذ لو قلت: إن غير أولئك ألفوها قلنا لك وهؤلاء لا تعرفهم فلا تزال تدور في محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم.
قالوا: سعد ومالك وزيد مناة وفلان وفلان وفسروهم وأخبرونا خبرهم فإن قلنا: إننا لا نعرفهم ولم نثبتهم عيانًا فيجوز لذلك أن يكونوا رجال أساطير صدق هذا على كل ما كان قبلنا وسيصدق علينا وعلى تاريخنا إذا جاء من بعدنا وورثتنا الدنيا فلا يكون العلم التام إلا الجهل التام وحسبك بهذا جهلا ممن يقول به ثم إنه ليس في الطبيعة الإنسانية تواطؤ على نمط واحد من الخلق فإن وُجِدَ الكذب وجد معه الصدق وإن كانت الغفلة كان التحرز وإن عرف التلفيق عرف النقد والتمحيص وما قط وجدت أمة يجمع كل أدبائها وعلمائها على الكذب ولقد امتازت الأمة الإسلامية دون كل الأمم بعلم الرواية وشروطه الكثيرة كما بسطنا الكلام عليه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب، فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم فإن عندنا الناقدين والمصححين والثقات ولكن ما أنت صانع في رجل كطه حسين جهله أوسع من علمه ولسانه أوفى من عقله ولا يدري إلى الآن أنه متى صار التاريخ إلى الطريقة الجدلية فلا حاجة إلى اطلاع ولا فكر ولا علم وكل عامي هو مؤرخ إذ حسبه من العلم أن يقول فيما لم يكن: إنه كان وفيما كان يجوز أنه لم يكن وعجيب أن تكون هذه هي طريقة أستاذ الأدب في الجامعة وأن يكون رجال هذه الجامعة من الغفلة بحيث يظنون هذا علمًا أو تجديدًا في العلم.
ويقول يعني النبي أول أمره مع قريش: ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قهر أو لم يكن ذلك في دعوته.
وهذه العبارة الأخيرة يقلد فيها دهاة السياسة في لغتهم العملية التي يجعلون لكل جملة منها بابين غير أن طه سد في عبارته البابين والنافذة أيضاً فإن معناها الصريح أن النبي ﷺ أول أمره لم يكن يطمع في ملك أو كان يطمع ولكنه كتم ذلك فلم يظهره في دعوته التي دعا بها الناس إلى الله وإذن يا شيخ الجامعة فقد كان للدعوة بطن وظهر ولا تكون كذلك إلا إذا كانت من عنده هو لا من عند الله وليتأمل القراء شنعة ما يخرج من هذا القياس من إنكار النبوة والرسالة نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره.
ثم يقول : إن النبي ﷺ كان يحرض على الهجاء ويثيب عليه أصحابه ويتحدث أن جبريل كان يؤيد حسانًا.
وهذا الجهل مما تضيق به الصدور فإن النبي ﷺ لم يكن به الهجاء ولا الإقذاع وإنما كانت تلك سنة عربية اضطرته إليها طبيعة العرب لحماية أعراض المسلمين فقد كان من هذه السنة عند العرب أنه إذا سكت المشتوم صدّق الشاتم فجرى كلامه مجری التاريخ الصحيح ثم كانت معارك الألسنة لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل ولا يغلب فيها إلا العَبِيُّ فَعِيُّهُ ذل آخر وكل ذلك من أمرهم فلم يكن بد من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء قريش أثره فيهم ويكون سببًا لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم وما كان جبريل يؤيد حسانًا في الهجاء ولكن في الكفاح عن نبيه كما ورد في الحديث: إن الله ليؤيد حسانًا ما كافح عن نبيه والعبارة بهذه اللفظة الكفاح، تفهم معاني كثيرة وليس منها معنى الهجاء وكأنه كشف له أن طه حسين سيدعي عليه ويغض منه فقيد غرضه بها ليقول للناس: انظروا فإنه، وافهموا فإنه.
وأما عصبية الرجل على أئمة المسلمين فقد مر من ذلك نبذ وانظر كيف يقول عن أبي سفيان في فتح مكة: فنظر فإذا هو بين اثنتين: إما أن يمضي على المقاومة فتفنى مكة وإما أن يُصانع ويُصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش وإلى مكة مرة أخرى قال: وألقى الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعًا في ظاهر الأمر إخوانا مؤتلفين في الدين، انتهى نصاً.
وقد طال انتظار أبي سفيان في رأي الشيخ المأفون حتى قام حفيده يزيد بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحَرَّةِ كما قال : وفي هذه الصفحة يقول: إن يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على الإسلام وما سنه للناس من سنن.
فأبو سفيان والصحابة أو أكثرهم منافقون في رأي الجامعة المصرية لأنهم لم يكونوا إخوانا مؤتلفين في الدين إلا في ظاهر الأمر وأبو سفيان مع ذلك من كتاب النبي ﷺ وقد شهد معه حنينا والطائف وفُقِئَتْ عينه في هذه وهو القائل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد غزوة حنين: والله إنك لكريم، فداك أبي وأمي والله لقد حاربتك فنِعْمَ المحارَب كنت ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت. أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص.
على أن الذي ما يُقضَى العجب منه أن رأي طه حسين هذا هو بعينه ونصه رأي الرافضة ومذهبهم فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول الله ﷺ: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجلة المهاجرين وخيار الأنصار.
فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة وهل الذي فيها أستاذ للآداب أم هو أستاذ للكفر والرفض.