العولمة الحديثة؟
شهد القرن التاسع عشر ظهور العولمة بشكل حديث حيث أن الثورة الصناعية سمحت للبضائع المنزلية الرخيصة أن تخضع للمقاييس الاقتصادية في حين أن النمو السكاني السريع أدى إلى طلب مستمر على البضائع، و في الفترة نفسها أدرجت بعض المناطق الإفريقية وجزر المحيط الهندي في النظام العالمي حيث استولى الأوروبيون على مناطق جديدة في العالم مما أدى إلى استغلال مواردها الطبيعية الثمينة مثل المطاط و الألماس والفحم وتجارة الوقود كما توسعت حركة الاستثمار بين الدول الأوروبية الاستعمارية وبينها و الولايات المتحدة و لقد كان التطور الاقتصادي للإنسان نقلة استثنائية في ذلك العصر الذي انتهى.
لقد أصبح العالم في ظل العولمة محكوماً بقوى كلية تصعب مراقبتها قائدها في ذلك الشركات المتعددة الجنسيات التي ليس لها أي التزام تجاه أي دولة وطنية بعينها فهي تحدد أماكن توطنها بناء على معايير المزايا القصوى و رغم تزايد الاهتمام بالعولمة فإنها ليست جديدة في تاريخ الرأسمالية حيث يمكن أن ترجع بذور العولمة إلى الجهود الدولية المتعلقة بتنسيق السياسات الاقتصادية نتيجة الشعور بترابط العلاقات و اعتماد الاقتصاديات على بعضها مما يؤدي إلى تأثرها بالأحداث التي تقع هنا وهناك مثلما حدث في بداية الربع الثاني من القرن العشرين أو مع الأزمة الآسيوية في أواخر التسعينات التي امتدت إلى مختلف دول العالم و يمكن أن ندرج ضمن هذه الجهود تأسيس المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي إلا أن الجديد في ظاهرة العولمة هو أنها دخلت مرحلة جديدة من تطورها خلال السنوات الأخيرة من تلك الفترة خاصة مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وقد ميز بين ثلاثة مراحل للعولمة
المرحلة الأولى: هي الفترة التي غطتها نتائج حولة كنيدي ضمن اتفاقية الغات والتي ضمت خمسين دولة تمثل %75 من حجم التجارة العالمية وتم فيها الاتفاق على عدم وضع عراقيل أمام منتجات الدول النامية وتخفيض التعريفات عليها.
المرحلة الثانية: تميزت بتوسع السوق الدولي لرؤوس الأموال بسبب إعادة رسكلة البتر ودولارات الناتجة عن الصدمة البترولية الثانية الأمر الذي مكن من توسيع حركة الإقراض والاقتراض.
المرحلة الثالثة: تميزت بالخيار المعسكر الاشتراكي و حينها تم تسجيل نوع من الهيمنة الأمريكية على العالم و اندثار الخصوصيات الثقافية مما أدى إلى الطلب و تحول السلع و الخدمات إلى منتجات منمطة على المستوى الكوني لقد أفرز نمو العولمة عدة نتائج منها تقارب المخاطر النوعية في كافة أنحاء العالم سواء كانت تجارة مالية أو تكنولوجية ما عدا المخطر السياسي و إذا كانت العولمة ظاهرة متجددة فلابد من الإشارة إلى أن البشرية منذ القديم تعاملت مع قضايا كونية بطبيعتها.
وإذا كانت الكوكبة ظاهرة متجددة فلا بد من الإشارة إلى أن البشرية منذ القديم تعاملت مع قضايا كونية بطبيعتها:
أ. الممتلكات المشتركة بين البشرية مثل أعالي البحار، استخدام القضاء الخارجي استخدام القارة القطبية الجنوبية.
ب. قضايا البيئة والسكان إذ إن البشرية أدركت منذ نشر تقرير روما حدود النمو.
ج. أن استمرار البشر في استغلال موارد الطبيعة غير المتجددة سيؤدي إلى نضوبها ومن هنا فلا بد من بذل الجهد المشترك المحافظة عليها واستغلالها بشكل منظم وهذا ما جعل من قضايا البيئة قضايا كونية وما الاهتمام بالمحافظة على طبقة الأوزون إلا نموذج على ذلك.
د. قضايا الفقر في العالم ذلك أن الفقر ظاهرة تقلق أغنياء العالم لما يمكن أن يحدثه من هزات اجتماعية يمكن أن تقلب أنظمة الحكم وتمتد إلى أماكن أخرى و أعمال إرهابية ليست أي دولة بمنأى عن آثارها.
و. مكافحة الجريمة المنظمة الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال المشبوهة وتحريب رؤوس الأموال.
تبرر هذه الأمثلة حجم التداخل الموجود بين القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية في العالم دون الأخذ بعين الاعتبار للحدود السياسية بين الدول أو الانتماء لوطن معين.
ثالثاً : خصائص العولمة؟
مما سبق ومن خلال التعاريف السابقة يمكن أن نوجز أهم خصائص العولمة في النقاط التالية:
1. سيادة آليات السوق والسعي لاكتساب القدرات التنافسية : تعتبر من أهم ما يميز العولمة هي سيادة آليات السوق و اقترانها بالديمقراطية بدلا من الشمولية واتخاذ القرارات في إطار التنافسية من خلال الاستفادة من الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات وتعميق تلك القدرات المتمثلة في الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة وبأحسن جودة ممكنة وبأعلى إنتاجية والبيع بسعر تنافسي على أن يتم في أقل وقت ممكن حيث أصبح الوقت ميزة تنافسية يجب اكتسابها في ظل العولمة حيث أن صفة العالمية اتجهت إلى الإنتاج والأسواق فأصبح كل جزء من السلع المختلفة ينتج في أماكن مختلفة من العالم و أصبحت قرارات الإنتاج والاستثمار تتخذ من منظور عالمي لاعتبارات الرشادة الاقتصادية في العائد و التكلفة.
2. ديناميكية مفهوم العولمة : ويتضح هذا من خلال التعريفات المختلفة للعولمة وتتعمق ديناميكيتها من خلال سعيها إلى إلغاء الحدود السياسية وتقليص دور الدولة الاقتصادي والتأثير عليه بقوة كما يمكن أن تظهر هذه الديناميكية في ما يتوقع من نتائج حول قضايا النزاع بالنسبة للمستفيدين من الأوضاع الاقتصادية و فيما يمكن أن يكون من ردود أفعال بالنسبة لغير المستفيدين كالدول النامية في حالة تكتلها للدفاع عن مصالحها.
3. الاتجاه نحو اعتماد الاقتصاد المتبادل : يظهر هذا من خلال التحولات التي شهدتها فترة التسعينات من اتفاقيات تحرير التجارة الخارجية وتزايد حرية انتقال رؤوس الأموال الدولية مع وجود الثورة التكنولوجية والمعلوماتية كما ينطوي مفهوم الاعتماد المتبادل على معنى تعاظم التشابك بين الأطراف المتاجرة وهو عكس التبعية الاقتصادية حيث أنه يعني وجود تأثير وتأثر من الطرفين ويكون كلاهما تابعا ومتبوعا في نفس الوقت.
وقد ترتب على زيادة درجة الاعتماد الاقتصادي المتبادل ظهور آثار عديدة على الساحة الدولية أهمها:
أ. زيادة درجة التعرض للصدمات الاقتصادية الوافدة من الخارج نظرا للتزايد الكبير في النشاط الاقتصادي و تأثره بما يحدث في العالم الخارجي.
ب. سرعة انتقال الصدمات الاقتصادية عبر أنحاء العالم إيجابية كانت أو سلبية فإذا حدث انتعاش اقتصادي في إحدى البلاد المتقدمة سينتقل إلى البلدان الصناعية الأخرى وكذا الدول النامية.
ج. تزايد أهمية التجارة الدولية كعامل محدد من عوامل النمو في البلاد المختلفة حيث أصبحت الصادرات محرك النمو بعد زيادة درجة الاعتماد المتبادل.
د. زيادة درجة التنافسية في الاقتصاد العالمي مما نتج عنه إزالة أو تخفيض العوائق أمام التدفقات السلعية والمالية وقيام أسواق عالمية للسلع والخدمات تتنافس فيها مختلف البلدان.
4. وجود أنماط جديدة من تقسيم العمل الدولي : وظهر ذلك واضحاً في طبيعة المنتج الصناعي الذي لم تعد تنفرد بإنتاجه دولة واحدة مهما كانت قدرتها الذاتية فأصبح في إمكان كل البلدان أن تشترك في تصنيع مكونات هذا المنتج ومثال ذلك صناعة السيارات والأجهزة الكهربائية وغيرها.
5. تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات : تعتبر الشركات المتعددة الجنسيات أحد أهم السمات الأساسية للعولمة فهي تؤثر بقوة على الاقتصاد العالمي من خلال ما يصاحب نشأتها من نقل للتكنولوجيا والخبرات التسويقية والإدارية وتأكيد ظاهرة العولمة في كافة المستويات الإنتاجية والمالية والتكنولوجية والتسويقية والإدارية.
ويلاحظ أن هناك العديد من المؤشرات الأخرى الدالة على تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات العالمية النشاط في تكوين وتشكيل العولمة، أهمها ما يلي:
أ. سيطرتها على مصادر التمويل الدولية.
ب. تستحوذ على نسبة كبيرة من الناتج الإجمالي العالمي وتسيطر على جزء كبير من حجم التجارة الدولية.
ج. تسيطر على نسبة كبيرة من الأصول السائلة من الذهب والاحتياطات النقدية الدولية أي أنها تحكم السيطرة على السياسة النقدية والمالية الدولية.
د. لها دور القيادة في الثورة التكنولوجية والمعلوماتية.
6. تزايد دور المؤسسات الاقتصادية العالمية في إدارة العولمة : خاصة بعد الخيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي بالإضافة إلى إنشاء المنظمة العالمية للتجارة في أول جانفي 1991 بعد عدة جولات تفاوضية وانضمام معظم الدول إليها ومن ثم اكتمال الضلع الثالث من مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي الجديد وهذا من خلال تحكمها فيما يلي:
أ - صندوق النقد الدولي : مسئول عن النظام النقدي للعولمة وإدارته.
ب - البنك الدولي وتوابعه : مسئول عن النظام المالي للعولمة وإدارته.
ج - المنظمة العالمية للتجارة : مسئولة عن النظام التجاري للعولمة وإدارته.
7- ظهور التكتلات الإقليمية الاقتصادية : إن التطورات التي وصلت إليها البشرية بفضل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية وما صاحب ذلك من توسيع للأسواق وتحرير التجارة الدولية بدأت الدول تفكر في حماية نفسها من خلال تكوين تكتلات اقتصادية إقليمية وأحسن مثال على المستوى العالمي هو الاتحاد الأوروبي الذي سار بخطى ثابتة وبعزيمة كبيرة حتى وصل إلى الوضعية الحالية حيث أنه يهدف إلى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية الاقتصادية وتكوين قوة يستطيع بها أن يسيطر على القارة الأوروبية ثم الانتقال إلى خارج أوروبا.
8. تقليص درجة سيادة الدولة القومية وإضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة المالية والنقدية : فاضطرت الحكومات بذلك إلى إلغاء قوانين التحكم في السوق و تطبيق قوانين تحرير الأسواق حتى قبل أن تجد وسائل رقابية جديدة بالإضافة إلى أن استجابة الدول والحكومات و السعي إلى إيجاد حلول مشتركة للمشكلات الكونية قد أنقص من سيادة الدولة كما أن الانضمام للمنظمات العالمية و التوقيع على الاتفاقات الدولية يضع قيودا على السياسات المتاحة أمام الحكومة و قد يضطراتها إلى إجراء تعديلات على السياسات والممارسات المحلية التي اتبعتها وعليه ومع التقدم نحو العولمة دور الدولة يتقلص و الصالح قوى العولمة في صنع السياسات الاقتصادية الوطنية بما في ذلك تحديد حجم الاستثمارات و مستويات التشغيل و الدخل وكذا النمو الاقتصادي وانتعاش أو ركود أسواق المال وأسعار صرف العملات.
رابعاً : أهداف العولمة وأبعادها؟
1. أهداف العولمة؟
هناك مجموعة من الأهداف للعولمة يمكن توصيفها على النحو التالي
1. الوصول إلى سوق عالمي مفتوح بدون حواجز أو فواصل جمركية أو إدارية أو قيود مادية أو اختلافات عرقية أو جنسية أو معنوية بل إقامة سوق متسع ممتد يشمل العالم كله ويشمل كل قطاعاته ومؤسساته وأفراده أي الوصول بالعالم كله إلى أن يصبح كتلة واحدة متكاملة ومتفاعلة وفى نطاق هذا الهدف يتم احتكار مباشر وغير مباشر بين كافة الأجناس البشرية بموروثها الحضاري وثقافتها المتعددة واختلافها الفكري وصهر هذا الاختلاف في بوتقة التوحيد والائتلاف.
2. الوصول بالعالم إلى جعله وحدة واحدة مندمجة ومتكتلة سواء من حيث المصالح و المنافع المشتركة والجماعية أو من حيث الإحساس و الشعور بالخطر الواحد الذي يهدد البشرية جميعا أو من حيث أهمية تحقيق الأمن الجماعي بأبعاده الكلية وعناصره الجزئية الفاعلة فيه وأهمية التصدي لأي خطر يهدد الاستقرار و الأمن العالمي العام والتعامل معه بجهد و عمل مشترك و تعاون كامل من الجميع و يتضمن ذلك القضاء على بؤرة النزاع ومصادر التوتر و عوامل القلق ويتم ذلك من خلال زيادة مساحة الفكر المشترك وإنهاء حالات الصراع وزيادة الاعتمادية المتبادلة بين الشعوب وتنمية حاجة كل منهما إلى الآخر وخلق الثقة وجني المكاسب المشتركة.