مما لا شك فيه أن تقييم سياسات النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي بعد من الموضوعات الهامة التي تشغل بال متخذي القرارات وراسمي السياسات والباحثين و ذلك نظرا للآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسة التي تترتب عنها و قد اتخذت المؤسسات النقدية الدولية مجموعة من التدابير ترمي إلى التغيير الجذري لبعض المناهج الاقتصادية وتحقيق مبدأ شمولية الاقتصاد العالمي وعليه فإنه من الضروري أن نبين أهمية هذه المؤسسات النقدية للتحولات الاقتصادية العالمية وخاصة الدول التي اتخذت النهج الاشتراكي واتجهت الآراء نحو ضرورة البحث عن نظام نقدي عالمي جديد تكون مهمته إعادة تنظيم العلاقات النقدية الدولية ووضع الأسس الكفيلة لتنظيم التجارة الدولية ودعم نموها في فترة بعد الحرب و هذا النجاح يرجع للرغبة الأكيدة في الوصول إلى شاطئ الأمان بعد الأزمات النقدية و الاقتصادية المتلاحقة و الكساد الكبير الذي طال كثيرا من دول العالم على أثر المشكلات النقدية والمالية وعدم التوازن في ميزان المدفوعات في كثير من الدول، إلا أن هذا العجز لم يطل الولايات المتحدة الأمريكية فقد كانت تتمتع بفائض في ميزان المدفوعات ولهذا صنفت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها أقوى دول العالم اقتصاديا بعد الحرب العالمية الثانية فأصبحت بلا منازع قائد الأمم غير الشيوعية.
أولاً : صندوق النقد الدولي، النشأة والتعريف الأدوار والمسئوليات؟
1. تداعيات إنشاء صندوق النقد الدولي؟
لقد مرت اتفاقية إنشاء صندوق النقد الدولي بعدة مراحل حتى صيغت في صورتها النهائية حيث بدأت بمفاوضات ثم الإعداد ثم التوقيع عليها وتصديقها من طرف برلمانات الدول و على هذا الأساس سنتعرض بصورة مختصرة هذه المقترحات و المفاوضات التي سبقت إبرام اتفاقية صندوق النقد الدولي، حيث نجد أن قاعدة الذهب السائدة منذ أواخر القرن التاسع عشر تغيرت لدى الكثير من الدول و ذلك لجمودها و عدم قدرة الأنظمة للوفاء بمتطلبات التجارة الدولية مما أدى بالدو تخفيض أسعار صرف عملتها من أجل زيادة حجم صادراتها والعمل على توازن میزان مدفوعاتها وظهر في ذلك الوقت اتجاه ينادي بضرورة عقد اتفاقيات دولية ثنائية أو جماعية بهدف إيجاد تعاون نقدي دولي ملزم لكل دولة مشاركة وذلك من أجل تحقيق مصالح الدول المشتركة وتم عقد العديد من المؤتمرات وصدرت العديد من الدراسات التي أجمعت على ضرورة إنشاء بنك التسوية الدولية وإتباع سياسة الرقابة على الصرف واتفاقية المقاصة واتفاقية المقايضة اتفاقيات الدفع والتعاون الإقليمي في مجال التبادل النقدي.
وقد تبلور ذلك في ثلاث أنظمة نقدية : قاعدة الذهب الدولية، ونظام النقود الورقية المشكلة، ونظام الرقابة على الصرف، وعلى الرغم من تعاقب هذه الأنظمة النقدية الثلاثة في الفترة قبل الحرب العالمية الثانية إلا أن نظام النقد الدولي لم يصادفه الاستقرار ولم تتمكن الدول من علاج الأزمات النقدية و المالية المتفاقمة وشعر السياسيون وخبراء الاقتصاد والمال إن الاستقرار السياسي لن يتحقق إلا بالاستقرار الاقتصادي و قد تبنت الولايات المتحدة الأمريكية فكرة إيجاد تعاون دولي باسم خريطة التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية بصفة عامة والنقدية بصفة خاصة وقد ظهر في ذلك منظورين
المنظور الأول وتترأسه الولايات المتحدة الأمريكية ويتكون من مجموعة الدول المستفيدة من الحرب العالمية الثانية أي الدول الدائنة.
المنظور الثاني تتزعمه بريطانيا ومجموعة الدول المدينة حيث أن المشروع الأول من إعداد الاقتصادي الانجليزي جون مينارد كينز يقوم على أساس إنشاء مصرف عالمي و عملة عالمية ونظام موحد للمقاصة إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية اعترضت على هذا المشروع و تقدمت مع كندا بمشروع ثاني باسم هوايت إلا أن انضمام كل فرنسا و الصين في مناقشة المشروعين السابقين أدى إلى إيجاد صيغة مشتركة تجمع بين المنظور البريطاني و المنظور الأمريكي و تم إصدار بيان مشترك تمهيدا لإنشاء صندوق النقد الدولي و في الآتي يمكن توضيح محتوى المشروعين كما يلي؛
المشروع الأول اقتراحات كينز : وهي نسبة إلى الاقتصادي البريطاني ج م كينز حيث قدم هذا الأخير مشروع يقترح فيه إنشاء اتحاد مقاصة دولي تشترك فيها جميع الدول الأعضاء ويكون معيار تحديد كل حصة هو حجم التجارة الخارجية أي بمعرفة قيمة الصادرات والواردات و ذلك حتى يخدم بريطانيا لأنها تعتبر من الدول الكبيرة جدا في تجارتها الخارجية من الدول الأخرى حتى بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية كما أن قيمة الحصة تحدد بالعملة الدولية التي اقترحها كينز في المشروع و هي البانكور كعملة ائتمانية تحدد قيمتها بوزن معين من الذهب من أجل جعلها وسيطا في تسوية الحقوق بين الدول و بالاعتماد على هذه العملة الجديدة هو التقليل من الاعتماد على الذهب من حيث كونه وسيلة لتسوية المبادلات الدولية الذي كان سائدا قبل الحرب العالمية الثانية، كما تضمن مشروع كينز كيفية عمل اتحاد المقاصة في التسوية الحسابات بين الدول الأعضاء بالوحدة المقترحة و تتم المراقبة من قبل الاتحاد بشكل يحول دون تجاوز مديونية الدول الحصتها بحد أقصى ميزان المدفوعات بحيث أن يفرق بين الدول التي لها عجز في ميزان المدفوعات وتلك التي لها فائض في ميزان مدفوعاتها وأن مشروع كينز يتفق مع المصالح البريطانية الاقتصادية، وهذا ما أدى إلى الاعتراض عنه إلا أن أفكار كينز نجد لها سمات في اتفاقية إنشاء صندوق النقد الدولي والتعديلات التي أدخلت عليه.
المشروع الثاني اقتراحات هوايت : وهي نسبة إلى الاقتصادي الأمريكي هاري ديكشير هوايت حيث يتضمن إنشاء صندوق توازن دولي مهنته تثبيت النقد الدولي الجديد من خلال تثبيت أسعار الصرف عن طريق تحديد أسعار تعادل بين عملات الدول و ربطها بوحدة نقدية دولية على أن تكون هذه الوحدة النقدية بالدولار الأمريكي أو بوحدة تعامل دولي يطلق عليها اليونيتاس التي ترتبط قيمتها بوزن معين من الذهب بالإضافة إلى أن اشتراك جميع الدول الأعضاء في رأس مال الصندوق حسب مستوى الدخل القومي و التجارة الخارجية و مقدار احتياطاتها من الذهب على أن يدفع الفرد 25% من الحصص ذهبا كما يقوم الصندوق بإقراض الدول الأعضاء في حدود حصصهم ومنحهم مختلف التسهيلات لمساعدتهم في القضاء على الخلل في ميزان المدفوعات ومحاربة كل أشكال القيود الرقابية على الصرف و جميع الإجراءات التميزية في مجال التجارة الخارجية وحرية انتقال رؤوس الأموال فضلا عن ذلك فالصندوق لا يقدم القروض للدول ذات العجز في ميزان المدفوعات إلا بشروط معينة منها دفع فائدة بواقع 1% بالذهب على المبالغ التي تزيد عن حصة الدولة، لأن المشروع يسمح في بدايته للأعضاء مهلة زمنية لعدة سنوات بحل المشاكل الاقتصادية بعد الحرب.
2. البيان المشترك لخبراء الاقتصاد والمال وتوقيع اتفاق الصندوق؟
ظهرت الكثير من الآراء لتقليل الفجوة بين المشروعين السابقين و قدم كل منهما تنازلات على المشروع المقدم إذ يتضح ذلك من خلال صياغة البيان المشترك إلا أنه أقرب إلى مشروع هوايت منه إلى كينز ومن أهم سمات هذا المشروع هو الإبقاء على دور الذهب و الدولار الأمريكي القابل للتحويل إلى الذهب لتسوية المدفوعات الدولية و يسمى هذا النمو قاعدة الذهب الدولار كما أخذ المشروع مرونة التعديلات في أسعار التعادل لتصحيح الاختلال في ميزان المدفوعات وقد حضي المشروع بالقبول وتم نشر المشروع الموحدة تمهيدا لإنشاء صندوق النقد الدولي بحيث حثت الولايات المتحدة الأمريكية على عقد مؤتمر اقتصادي عالمي لمناقشة الأوضاع الاقتصادية الذي تمخض عن إنشاء هيئتين التوأم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.
1. الرقابة : حفاظاً على الاستقرار ومنعا لوقوع أزمات في النظام النقدي الدولي يتابع الصندوق سياسات البلدان الأعضاء والتطورات الاقتصادية والمالية على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية من خلال نظام رسمي يعرف باسم الرقابة، ويقدم الصندوق المشورة لبلدانه الأعضاء ويشجع اعتماد سياسات تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحد من التعرض للأزمات الاقتصادية والمالية وترفع مستويات المعيشة كذلك يجري الصندوق تقييمات منتظمة للتطورات العالمية المحتملة من خلال تقرير آفاق الاقتصاد العالمي ولتطورات الأسواق المالية من خلال تقرير الاستقرار المالي العالمي ولتطورات الموارد العامة من خلال تقرير الراصد المالي وللمراكز الخارجية للاقتصاديات الكبرى من خلال تقرير القطاع الخارجي بالإضافة إلى نشر سلسلة من التقارير عن آفاق الاقتصاد الإقليمي.
2. المساعدة المالية : أحد مسؤوليات الصندوق الرئيسية تقديم القروض لبلدانه الأعضاء التي تمر بمشكلات فعلية أو محتملة في ميزان المدفوعات وتصمم السلطات في كل بلد برامج وطنية للتصحيح الاقتصادي بالتعاون الوثيق مع الصندوق وبدعم تمويلي منه، على أن يرتمن استمرار هذا الدعم بمدى فعالية تنفيذ التعديلات المقررة.
3. تنمية القدرات : يقدم الصندوق المساعدة الفنية والتدريب المعاونة البلدان الأعضاء في بناء مؤسسات اقتصادية أفضل وتعزيز القدرات البشرية ويتضمن هذا على سبيل المثال تصميم وتنفيذ سياسات ضريبية وإدارية أكثر فعالية وإدارة الإنفاق وسياسات النقد والصرف والرقابة والتنظيم في النظامين المصرفي والمالي والأطر التشريعية والإحصاءات الاقتصادية.
4. الموارد : حصص عضوية البلدان الأعضاء هي المصدر الرئيسي الذي يستمد منه الصندوق موارده المالية، وتمثل حصة البلد العضو في الأساس انعكاسا للحجم الاقتصادي النسبي للبلد العضو ومركزه في الاقتصاد العالمي ويجري الصندوق مراجعة عامة دورية للحصص.
3. الأدوار الرئيسية لصندوق النقد الدولي وأهدافه؟
يركز صندوق النقد الدولي على ثلاثة أدوار رئيسية:
- تقديم المشورة للبلدان الأعضاء بشأن اعتماد السياسات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعجيل وتيرة النمو الاقتصادي وتخفيف حدة الفقر.
- إتاحة التمويل للبلدان الأعضاء لمساعدتها في معالجة المشكلات المتعلقة بميزان المدفوعات بما في ذلك حالات عجز النقد الأجنبي الناتجة عن تجاوز المدفوعات الخارجية الإيرادات من النقد الأجنبي.
- تقديم المساعدة الفنية والتدريب للبلدان الأعضاء بناء على طلبها لمساعدتها في بناء وتعزيز الخبرات والمؤسسات اللازمة لتنفيذ السياسات الاقتصادية السليمة كما يهتم الصندوق بما يلي:
صندوق النقد الدولي هو المؤسسة المركزية في النظام النقدي الدولي أي نظام المدفوعات الدولية وأسعار صرف العملات الذي يسمح بإجراء المعاملات التجارية بين البلدان المختلفة.
ويستهدف الصندوق منع وقوع الأزمات في النظام عن طريق تشجيع البلدان المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة كما أنه كما يتضح من اسمه صندوق يمكن أن يستفيد من موارده الأعضاء الذين يحتاجون إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما يتعرضون له من مشكلات في ميزان المدفوعات تتضمن الأهداف القانونية الصندوق النقد الدولي تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية وتحقيق استقرار أسعار الصرف وتجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات وإجراء تصحيح منظم لاختلال موازين المدفوعات التي تتعرض لها البلدان.
كما يهتم صندوق النقد الدولي في إشرافه على السياسات الاقتصادية للبلدان الأعضاء بأداء الاقتصاد ككل وهو ما يشار إليه في الغالب بأداء الاقتصاد الكلي ويشمل هذا الأداء الإنفاق الكلي وعناصره الأساسية مثل الإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الأعمال والناتج وتوظيف العمالة والتضخم وكذلك ميزان المدفوعات في البلد المعني أي ميزان معاملاته مع بقية العالم.
ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها وإضافة إلى ذلك يوجه صندوق النقد الدولي اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة وانخفاض التضخم وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
بالإضافة يهدف صندوق النقد الدولي إلى ما يلي:
تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي بواسطة هيئة دائمة تهيئ سبل التشاور والتآزر فيما يتعلق بالمشكلات النقدية الدولية.
تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية وبالتالي الإسهام في تحقيق مستويات مرتفعة من العمالة والدخل الحقيقي والمحافظة عليها وفي تنمية الموارد الإنتاجية لجميع البلدان الأعضاء على أن يكون ذلك من الأهداف الأساسية لسياستها الاقتصادية.
العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على ترتيبات صرف منتظمة بين البلدان الأعضاء وتجنب التخفيض التنافسي في قيم العملات.
المساعدة على إقامة نظام مدفوعات متعدد الأطراف فيما يتعلق بالمعاملات الجارية بين البلدان الأعضاء وعلى إلغاء القيود المفروضة على عمليات الصرف والمعرقلة نمو التجارة العالمية.
تدعيم الثقة لدى البلدان الأعضاء متيحا لها استخدام موارده العامة مؤقتا بضمانات كافية كي تتمكن من تصحيح الاختلال في موازين مدفوعاتها دون اللجوء إلى إجراءات مضرة بالرخاء الوطني أو الدولي.
العمل على تقصير مدة الاختلال في ميزان مدفوعات البلد العضو والتخفيف من حدته.
تشجيع استقرار أسعار الصرف و المحافظة على ترتيبات صرف منظمة بين الدول الأعضاء، وتجنب التخفيف التنافسي في قيم العملات و بالتالي الاحتفاظ بقاعدة الذهب التي كانت سائدة قبل ذلك إذ يلتزم كل عضو بتحديد قيمة عملته على أساس الذهب.