الحياة العقلية : حاول كثير من المؤرخين تجريد العرب من كل علم حتى المؤرخين المسلمين رغبة في بيان أثر الإسلام بينهم وفضله عليهم كما فعل ذلك دعاة الشعوبية من غير العرب نقمة عليهم وخصوصاً من قبل الفرس.
وحقيقة القول إن العرب كانوا على صلة بالحضارات القديمة من فرس وهند ورمان على نحو ما عرفنا من تلك الإمارات المتاخمة لهم ومن أهم مواطن التلافي تلك الأسواق وسفرهم إلى بلاد الفرس والروم والأحباش سواء للتجارة أو التعليم، كذلك كانت الجاليات التي تقيم في البلاد العرب على نحو ما عرف من مبشري النصاري وعلى العموم يمكن أن نرجع الروافد الثقافية لدى العرب إلى رافدین
1- ما ورثه العرب عن أسلافهم.
2- ما اقتبسوه عن الأمم الأخرى.
ومن أهم تلك العلوم والمعارف؟
1.معرفتهم بالأنواء والنجوم.
2. إلمامهم بالطب والتداوي بالأعشاب والكي والحجامة.
3. العناية بالخيل والإبل وبيطريتها و أوصافها وأنسابها.
4. الفراسة والقيافة.
5.معرفتهم بالأنساب والأحساب والأيام والأخيار.
6.اشتهارهم بالأمثال والحكم التي تمثل خلاصة التجارب في الحياة.
7.اشتهارهم بالفصاحة والبيان ومعرفتهم بالكتابة وأن لم تكن منتشرة بينهم كثيراً.
حياتهم الدينية : كان كثير من العرب يؤمنون بالله وإنما كان اتخاذهم لهذه الأصنام والأوثان لتقربهم إلى الله. قال تعالى: (وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ومنه قول النابغة التربياني:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
وليس وراء الله للمرء مذهب
والصنم هو ما كان على هيئة تمثال أما الوثن فما كان من الجج.
وقد وجد في العرب فئة عبدوا الله ولم يشركوا به وكانوا يتطلعون إلى دين التوحيد دين إبراهيم وكانوا يترفعون عن عبادة تلك النصب والتماثيل وقد عرفوا باسم الأحناف، ويقال أنهم أنكروا الخمر ومن أشهرهم ورقة بن نوفل أمية بن أبي الصلت قس بن ساعدة وزهير بن أبي سلمى.
وليس صحيحاً ما يدعيه بعض كتاب النصارى حين يذهبون إلى أن هذه الحنيفية مستقاةهودية.
وقد كانت الوثنية الأكثر انتشاراً في الجزيرة العربية أما اليهودية فقد جاءت إلى الجزيرة العربية بعد أن طرد قياصرة الروم اليهود من فلسطين سنة ٧٠م تقريباً فنزلوا الحجاز واليمن وأهم قبائلهم في المدينة بنو قريضة وبنو قينقاع واستوطنوا خيبر وتيماء ووادي القرى ولم يتركوا أثاراً ذات شأن.
أما النصرانية فقد انتشرت عن طريق الروم والأحباش ونصارى الحيرة وأبرز شاعر عرف للنصارى هو عدي بن زيد العبادي وقد اعتنقت بعض القبائل العربية النصرانية مثل جذام وقذاعة وتغلب كما عرفت الجزيرة بعض الديانات كعبادة الكواكب وهي من أثار الصابئة والمجوسية وهي عبادة النار، ولا شك أن هذه الديانات إنما كانت أثراً من أثار احتكاك العرب بما حولهم من الأمم كالفرس والرومان والأحباش والهنود.
ثالثاً : نشأة الفصحى؟
يصعب على الباحث اليوم الكشف عن أطوار النشأة الأولى للعربية والمعروف أن العرب قسمان قحطاني عدناني ولكن ظروف الحياة والمعيشة الخاصة بكل منهما جعل كلا منهما يتخذ أسلوباً خاصاً في التعبير وكيفية النطق بالألفاظ وبذلك فقد دخل كلاً من القسمين بعض التغيرات إضافة إلى تكاثر كل قسم من القسمين وتعدد قبائله مما أدى إلى تكون لهجة خاصة بكل قبيلة وإن كانت من نفس القسم، ويمكن ملاحظة ذلك الاختلاف في دلالة الألفاظ ومدلولات المعاني والأصوات والنطق، وكانت العرب تأخذ عن بعضها البعض بالمخالطة والمجاورة فربما انتقل لسان العربي عن لهجته إلى لهجة قبيلة أخرى وربما تداخلت اللهجات فنشأت لهجة ثالثة.
وقد أدى اختلاف اللهجات العربية إلى وجود الترادف القمح والحنطة كذلك الشعير والأضداد جلل بمعنى عظيم حقير وكلمة شری بمعنى اشترى باع، ولكن مهما تعددت اللهجات في لغة من اللغات ومهما ضعفت الصلة بينها بمرور الزمن واختلاف الظروف فإن ذلك لا يمكن أن يلغي أصلها الواحد كما لا يمنع ذلك أن تقوم بين أصحاب هذه اللهجات لغة خاصة تكون لغة للأدب والحديث الممتاز الفصحى.
فاللجة الفصحى لم تصل لهذه المرحلة إلا بعد مراحل طويلة من النمو والتطور حيث وجدنا نماذج منها في بعض النقوش لكنها لا تمثل الفصحى العربية الكاملة ويمكن اعتبار نقش النمارة أقدم النقوش شبه التامة في العروبة وهو لامرئ القيس ثاني ملوك الحيرة وقد وضع على قبره و كان ذلك سنة ٣٢٨م وبذلك فإنه يمكن اتخاذ هذا النقش بدءاً لتكوين الفصحى.
وقد كان هذا الملك يلقب بملك العرب وقد يكون في ذلك ما يدل على تفكير العرب أو بعضهم في إنشاء وحدة سياسية لهم وخط يميزهم عن كتابة المسند الجنوبية وكتابة الآراميين الشماليين كما أن ذلك النقش يدل على إحساسهم بوجوب اتحادهم ضد الروم والفرس والأحباش إضافة إلى أنهم رأوا الديانات اليهودية والنصرانية والمجوسية تغزوا بلادهم وتهدد دينهم.
كل ذلك وغيره أدى إلى قيام إمارات مختلفة تعبر عن وجودهم وكيانهم كما أدى التفاف قلوبهم حول مكة بيت أصنامهم وكعبتهم الكبرى وقد أدى ذلك إلى تحول القوافل التجارية إلى مكة إذ لم يعد بيد اليمنيين المهددين من الأحباش ولم يعد بيد النبط المهددين من الروم وإنما أصبح بيد المكيين البعيدين عن الدولتين وعن سيادتهما وفي هذه الأثناء أخذت شخصية هؤلاء العرب الشماليين اللغوية تنمو سريعاً وكذلك خطهم على نحو ما يصوره أحد النقوش المسمى بزبد والمؤرخ ٥١٢م، وهو مكتوب بثلاث لغات عربية ويونانية وسريانية وفيه تكاملت مقومات الخط العربي وصفاته النهائية.
وبذلك فإن الخط العربي تكامل مع أوائل القرن السادس كما تكاملت الفصحى معه على نحو ما نثبته نصوص الشعر الجاهلي وقد وأخذت هذه اللغة الفصحى تغزوا العربية الجنوبية وتؤثر فيها.
سيادة لهجة قريش : يدل الشعر الجاهلي الذي وصل إلينا على أن القبائل الشمالية اصطلحت على لغة أدبية فصيحة ينظم فيها جميع الشعراء وقد اختلف الدارسون في هذه اللغة الفصحى فبعض المستشرقين يرى أن الفوارق بين اللهجات كانت قليلة وقد تركبت منها جميعاً هذه اللهجة الفصحى وذهب بعضهم الآخر إلى أنها لهجة القبائل التي اشتهرت ينظم الشعر، ثم جمع اللغويون منها مادتهم.
ومنهم من يرى أنها لهجة أعراب نجد واليمامة وقد أدخل فيها الشعراء كثيراً من الكلمات فتغيرت ومنهم من نرى أنها لغة شعبية مكية وهي التي نزل بها القرآن ثم كتب بعد ذلك بأسلوب فصيحوهذا ليس له أي نصيب في الصحة، أما برد وكلمان فيرى أن الفصحى كانت لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعاً.
على أن الرأي قد استقر لدى أسلافنا على أن اللهجة الفصحى التي نزل بها القرآن هي لهجة قريش ومن أهم من قال بذلك الفارابي وابن فارس فهم يرون أن لهجة قريش قد تجمع لها من الأسباب ما جعلها تسير نحو الرقي والكمال فتم لها ذلك واتخذها العرب لغة رسمية لهم يقولون بها أدبهم وينطقون بها في أحاديثهم الرسمية وأشهر هذه الأسباب
1. من الناحية الدينية : حيث كانت قريش تنزل مكة وكانت مكة قبلة العرب الدينية وبها أصنامهم ويتجهون إليها للحج وبما أن قريش تتولى خدمة البيت فقد جعلهم ذلك موضع الاحترام من العرب كما أن اختلاطها بهم جعلها تسمع لغات جميع القبائل فكانت تنتقي أحسنها لفظاً وأعذبها وتضمها إلى لغتها. ومما ساعدهم على ذلك كونهم حضريين تعودت أسماعهم على الألسنة المختلفة بعكس البدو وقد أتاح لها ذلك إكساب لهجتها ثروة من اللهجات الأخرى إضافة إلى تجمع قلوب العرب حول مكة خوفاً على ديانتهم من الديانات الأخرى.
2. من الناحية الاقتصادية : فقد كانت مكة مركزاً تجارياً هاماً تمر بها القوافل وتستريح بها وقد اشتغل أهلها بالتجارة وكانوا يقومون برحلات تجارية خارج مكة بجانب تجارتهم الداخلية مما زادهم غنى وثراء ومن ذلك رحلة الشتاء والصيف، ولا شك أن ثراءهم زادهم مهابة واحتراماً إضافة إلى مكانتهم الدينية كما أن هذا الاختلاط التجاري قد أكسبها ثروة لغوية سواء عند حلول غير العرب في ديار قريش أو عند سفر تجار قريش إليهم فقد أخذ القرشون من ألفاظهم وعربوا ما ليس عربياً من لغات غير العرب ممن احتكوا بهم.
3. من الناحية الاجتماعية : فقد كان للعرب أسواقاً يجتمعون فيها على مدار السنة وكانت قريش من أوفر القبائل حظاً في ذلك إذ كان يقام حولها ثلاثة أسواق وهي: ذو المجاز ٣ أيام ومجنة ٧ أيام وعكاظ ۳۰ يوماً.
وكانت القبائل تحضر هذه الأسواق حين تكون متجهة إلى الحج وكانت تعرض في هذه الأسواق المشكلات وتتبادل فيها الآراء لفض المنازعات وتسوية الخلافات كما كانت هذه الأسواق ميداناً للخطابة والشعر ومن البدهي أن تؤثر تلك البلاغة في آذان القرشيين وتؤثر في لغتهم مما يزيدهم فصاحة في الأسلوب وثروة في ألفاظ وبذلك تهيأ لقريش ما لم يكن لغيرها مما جعلها تبلغ درجة عالية من التهذيب والكمال فاتخذ العرب لهجتها لغة لهم قبل الإسلام، وقد شملت هذه اللهجة القرشية جميع أنحاء الجزيرة حتى الجنوب الذي كانت تنتشر به لغة حمير إذ بدأت هذه اللغة الحميرية في الانحسار بدليل أن الوفود اليمنية التي جاءت تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن بحاجة إلى مترجم.
على أن هذه اللغة الفصحى كانت خالية من العيوب الموجودة في بعض لهجات تلك القبائل كالكشكشة في لهجة أسد والعنعنة تميم والكسكسة في لهجة ربيعة.
أما نزول القرآن على سبعة أحرف فإن ذلك معناه الترخيص للقبائل العربية بالقراءة بلهجاتها المختلفة متى جاءت بها الرواية الصحيحة من مد وإطالة وتحريك وتسكين وتشديد وتسهيل حتى لا يجدوا مشقة وثقلاً في نطق بعض ألفاظه وهذه السبع لغات هي أفصح لغات العرب هوازن وتميم وأسد وكنانة وهذيل.
وليس اتجاه اللغويين في القرن الثاني إلى القبائل النجدية لجمع اللغة معناه أنها هي اللغة التي تكونت منها الفصحى ولكن لأنهم كان يتحرون الينابيع الصافية التي بقيت فيها اللغة الفصحى بعد انتشارها فيها صافية لأن المجتمعات المتحضرة كثر فيها الاختلاط بالأعاجم مما أدى إلى ظهور اللحن والفساد في اللغة.
وقد كان ظهور الفصحى قبل الإسلام نحو إلى قرن من الزمن أي خلال ما أسميناه بالعصر الجاهلي وكأن الله تعالى يسخر الأمور للبعثة الشريفة.
رابعاً : رواية الشعر الجاهلي وتدوينه؟
الشعر الجاهلي قديم موغل في القدم وقد مر بأطوار ومراحل فمن عهد بداية وطفولة إلى عهد ترعرع إلى ازدهار واستواء، وقد وصلنا الشعر الجاهلي مستوياً من حيث الشكل الموزون المقضي والأسلوب الجميل الموجز والخيال الخصب وفي لغته القوية.
ولم يكن هذا الاستواء نتيجة عمل شخص معين بل كان عمل أجيال متعاقبة وليس بالإمكان تحديد فترة معينة لبدء تلك المحاولات ولكن ما بأيدي الرواة يصل إلى مائتي سنة قبل الهجرة على أعلى تقدير كما قال الجاحظ وأما الشعر فحديث الميلاد صغير السن وأول من نهج سبيله وسهل الطريق إلية امرؤ القيس بن حجر ومهلهل ربيعة فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام علماً بأنه يتحدث هنا عن الشعر الناضج المكتمل.
وهناك دلائل تشير إلى أن هذا الشعر المكتمل الذي وصل إلينا قد سبق ببعض المحاولات ومن ذلك قول امرئ القيس
عوجاً على الطلل المحيل لأننا
نبكي الديار كما بكى ابن حذام
وليس معروف من هو ابن حذام هنا.
وكذلك يقول عنترة؟
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
وهذا دليل على أن عنترة مسبوق بأجيال من الشعراء استنفذوا المعاني الجيدة والتعابير الجميلة.
والبيان هو معجزة العرب وبذلك نزل الشعر منزلة رفيعة في النفس العربية فهو يسجل عواطفهم ومفاخرهم وأمجادهم وأيامهم وأنسابهم وهو بذلك ديوانهم، قال عمر بن الخطاب كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، ولمنزلة الشعر صار له كبير الأثر في توجيه مشاعرهم وتوحيد لغتهم وتشابه طباعهم فكم رفع من قدر أقوام كانوا أذلة وأذل أقواماً كانوا أعزة على نحو ما فعل الحطيئة مع بني أنف الناقة الذين كانوا يأنفون من هذا اللقب ولكن بعد أن مدحهم الحطيئة بقوله
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم
ومن يسوي بأنف الناقة الذنب
أصبح اسمهم هذا شرفاً لهم.
وكذلك هجاء حسان بن ثابت في جاهليته لبني عبد المدان الذين كانوا يفخرون بطول أجسامهم وغلظها فهجاهم حسان بقوله
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم
جسم البغال وأحلام العصافير
فأصبح ما يفخرون به سبة لهم ولكنهم بعد أن تقربوا إليه عاد فأصلح ما أفسد عليهم.
وبذلك فقد كان للشاعر مكانة عالية في النفوس ومنزلة رفيعة في القبيلة لأنه لسانها الذاب عنها وحامي أعراضها وأمجادها أي أنه الجهة الإعلامية في القبيلة لذلك فإنه إذا نبغ شاعر في القبيلة تباشرت وصنعت الولائم وأقامت الأفراح، ولم يكن الشعر عند العرب ضرباً من الترف أو مقصوراً على فئة قليلة من الناس بل كان الفن الرفيع الذي يجد فيه الناس تعبيراً عن عواطفهم وسجاياهم فأقبلوا عليه وحفظوه وتدارسوه واهتموا به.
وقد قامت عنايتهم بالشعر منذ العصر الجاهلي متمثلة في الرواية وهي الوسيلة الأولى لنشر الشعر وذيوعه وحفظه فكان للشاعر رواية اللازمة وينقل عنه شعره ويتأثر به فزهير بن أبي سلمى راوية لأوس بن حجر وكعب بن زهير راوية لأبيه والحطيئة راوية لكعب وهدبة راوية للحطيئة وجميل بن معمر رواية لهدبة وكثير عزة راوية لجميل.
وكانت القبائل تحرص على رواية شعرها وتعلم صغارها الشعر وحفظ أشعار القبيلة خاصة كما فعلت قبيلة تغلب بقصيدة عمرو بن كلثوم
إلهى بني تغلب عن كل مكرمة
قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبداً مذ كان أولهم
يا للرجال لشعر غير مسئوم