يمكن ملاحظة هذه الزيادة باتساع الكتفين لدى الذكور واتساع محيط الأرداف لدى الإناث كما يطول الجدع لدى الجنسين وتزداد العظام صلابة وقوة وتنمو وتشتد العضلات ويستمر النمو الجسمى هذا لدى الجنسين حتى سن الواحدة والعشرين تقريباً إلا أن سرعة نمو المراهق تهدأ بعد سن الرابعة عشر عند الإناث والخامسة عشر عند الذكور إضافة إلى الفروقات الفردية والجنسية حيث يكون نصيب البنات وافر من الشحوم والدهون يقابله نمو العضلات وصلابتها عند الأولاد وتصل البنات إلى أقصى طول لهن عند سنا لسادسة عشر ومعدل نموهن أسرع بينما يصل الولد إلى أقصى طول له عند الثامنة عشر من عمره.
مع بداية المراهقة يزداد كذلك نمو القلب ولكن لا تنمو الشرايين بنفس السرعة وعليه ينصح بعدم الإرهاق والابتعاد عن التدريبات الشاقة ويلاحظ على المرافق أيضاً الخمول والكسل والارتعاش وعدم الاستقرار الحركي نتيجة لطفرة النمو السريع مع بداية المرحلة وبما أن نمو العظام يسبقه نمو العضلات فيلاحظ على المراهقين الطول والنحافة غير أن نسب الجسم وتوازنه تتعدل مع نهاية المراهقة.
عدم التوازن الحركي وخلخلة التوافق العصبي والعقلي والرعونة وعدم التوافق الحسي العصبي وعدم تناسب تقاسيم الوجه من حيث الحجم أو طول اليدين مقارنة بالجسم كل ذلك يرجع إلى تفاوت سرعة النمو بين أعضاء الجسم المختلفة مما يسبب قلق المراهق وخوفه من سوء قوامه الامر الذي قد ينتج عنه انعكاسات نفسية سلبية في كثي من الأحيان حيث يكون المراهق فكرة خاطئة عن نموه نتيجة لوصف الآخرين له بعدم السواء وقصور القدرات ونقص النمو وتشتت الانتباه وعدم الاكتراث واللامبالاة الخ ووعي المراهق بظروف نموه هذه وإدراكه بأنها ستتعدل مع نهاية المرحلة يطمئنه ويساعده على اجتياز المراهقة بسلام.
سابعاً : النمو الانفعالي وخصائصه؟
الانفعال مفهوم افتراضي لا ندركه عن طريق الحواس غير أننا نستنتج وجوده من النتائج المترتبة عليه فعندما نرى شخصاً مسودا لوجه مرتعدا لفرائص متربص إلى الهجوم نقول بأنه غاضب وعندما نرى طفلاً يصرخ ويجري مرتعشاً نقول بأنه خائف وهكذا إلا أن ما نقصده بالنمو الانفعالي للمراهق أشمل من مجموعة الانفعالات والعواطف التي لهما انعكاسات جسمية فسيولوجية مثل الغضب والحب والخوف والتقزز ، فالحياة الانفعالية للمراهق تشمل أنماطاً سلوكية متعددة كالصراعات النفسية والقلق والتناقض الانفعالي وتقلب الأفكار والأمزجة ومحاولة ضبط الأنا الشهوانية وتطرف العواطف وعدم التأكد من الذات التي تمثل القدرات والإمكانيات الشخصية ومعاناة جهل الآخرين لواقعه وصراعاته مع السلطة الأدبية والتربوية وكسب ود الجنس الآخر والتوافق مع الواقع الأسري ومحاولة الاستقلال يصف ستانلي هول مرحلة المراهقة بأنها مرحلة عواصف وتوتر وشدة تكتنفها الأزمات النفسية والتقلبات الانفعالية وتسودها المعاناة والإحباط والصراع والقلق والمشكلات وصعوبات التوافق ويتخللها التأرجح بين الأمل واليأس وبين المرض والصحة وبين العبوس والابتهاج.
ويشير أحمد زكي صالح إلى وجود صراع في حياة المراهق يؤدي إلى الانتقال من حالة انفعالية إلى أخرى فهو يتأرجح بين التهور والجبن وبين المثالية والواقعية وبين الغيرة والأنانية وبين الغضب والاستسلام وبين التدين والكفر وبين الكرم والبخل وبين القلق والطمأنينة وغير ذلك من التناقض في الأفكار والمعتقدات والطموحات والقرارات.
بهذه الصورة يمكننا وصف المراهق بأنه شخصية مضطربة غير مستقر تبحث عن سند للمساعد في حل المشكلات و عند الفشل و الإحباط ينقلب المراهق ضد ذلك السند أو المصدر الذي يقدم المساعدة أو كان سبباً في إثارة المشاكل. وفي غالب الأحيان لا يجد المراهق ملاذاً من الهموم و التعاسة إلا اللجوء إلى الاستغراق في الخيال وأحلام اليقظة، والكثير من مشاكل المراهقة سببا صراعات بين هدفين أو رغبتين متناقضتين لا يستطيع تحقيقهما في أن واحد فهو يسعى مثلاً إلى أن يصبح راشداً مستقلاً متحملاً للمسئولية ولكنه في ذات الوقت يرغب في أن يبقى طفلاً ينعم بالسعادة والأمن من قبل والديه يود المراهق أن يعتمد على نفسه ولكنه في حاجة إلى مساعدة أسرته اقتصادياً واجتماعياً وتربوياً يسعى إلى الحرية وتحقيق الذات وإشباع الرغبات وفي ذات الوقت يرغب في أن يرضي المعايير الاجتماعية والقيم الدينية والأخلاقية وتحقيق التوافق الاجتماعي.
الدوافع الجنسية مصدر ضغط دائم ومستمر على المراهق و الهو مما يولد الكآبة والحزن وألام تأنيب الضمير يريد المراهق اتخاذ قرارات مهمة في حياته إلا أنه خائف من فشلها كل هذه التناقضات تفسر صعوبة مرحلة المراهقة وشدتها وتوتراتها الانفعالية وكذلك أهمية اجتياز المراهق لها بسلام لضمان سلامة حياته المستقبلية.
هذا ويتميز السلوك الانفعالي في المراهقة بالآتي؟
1. حدة الانفعالات وتطرفها فهي شديدة وعنيفة لا يستطيع المراهق السيطرة عليها ولا على مظاهرها الجسمية والفسيولوجية.
2. عدم الثبات والتقلب الانفعالي وعدم ملائمة الانفعال مع مثيره.
3. تذبذب مثيرات الانفعال فقد تثيره مثيرات طفولية وقد تثيره مثيرات كما نلاحظها في سلوك الكبار.
4. التناقض الانفعالي كحب وكره شخص واحد مثلاً الانبيك لا نصبر عليك.
5. شدة الحساسية الاجتماعية القابلية للإثارة تحت ضغوط المتغيرات الجسمية والفسيولوجية.
6. التغير المزاجي وعدم الاستقرار والانتقال المفاجئ من الكآبة إلى البهجة أو من الحب إلى الكراهية أو تغيير رأيه بعد الاقتناع أو البكاء إلى الضحك أو من الثورة إلى الهدوء أو من الطاعة والولاء إلى التمرد والعصيان.
هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أن حياة المراهق بجميع مظاهرها تتأثر سلباً وإيجاباً بالإطار الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه فالأسرة المتزمتة التقليدية القاسية قد تزيد من معاناة المراهق وصعوبة اجتيازه لهذه المرحلة بينما قد يلقى مراهق الأسرة المعتدلة الديمقراطية يد العون والمساعدة على حل مشكلاته وتسهيل اجتيازه للصراعات النفسية والمشاكل ولا يقتصر تعامل المراهق على الأسرة فقط بل يتعداه إلى جميع المؤسسات الاجتماعية كالمدرسة والرفاق والنادي وسائل التثقيف والإعلام ورجال الأمن والقانون وغيرهم ممن يحتك ويتفاعل معهم المراهق و هؤلاء جميعاً قد يجعلون المراهقة مرحلة نمو عادية سلسة وسعيدة وقد يحولونها إلى جحيم يطال سعيره الجميع.
ثامناً : النمو العقلي وخصائصه؟
النمو العقلي هو التغيرات الايجابية الزيادة في أداء الأفراد صغاراً أو مراهقين في الاختبارات والمقاييس العقلية يعني ذلك الزيادة في نمو الذكاء والقدرات الفرعية أو الطائفية تناسباً مع زيادة العمر الزمني.
يعرف سبير مان الذكاء على أنه يتكون من قدرة عقلية عامة تتدخل في أنواع النشاط العقلي وتوجه جميع أنماط السلوك وقدرات أولية أو جزئية أو طائفية تتمركز في أنشطة أو أنماط سلوكية مختلفة.
فالسلوك الحركي مثلاً يتأثر بالقدرة العقلية العامة الذكاء وكذلك السلوك اللفظي والحسي وكذلك السلوك والإدراك والخيال والإبداع وهكذا مع جميع الأنشطة السلوكية أما القدرات الطائفية أو الأولية فهي التي تشمل نشاطاً واحداً أو مجالاً متميزاً بجملة من الأنشطة المتجانسة أو المتشابهة فالرياضة البدنية بصفة عامة مجالا أما لعبة كرة القدم فهي نشاطاً محدداً والتفوق العلمي مجالاً يشمل جميع العلوم أما التميز في الرياضيات مثلاً أو الأدب أو الفن يعتبر نشاطاً خاصاً تدعمه قدرة رياضية أو أدبية أو فنية خاصة أو طائفية.
كما تجدر الإشارة هنا إلى الارتباط الوثيق بين النمو العقلي والمعرفي فعادة ما يشار إلى اكتساب الخبرة والمعارف بأنها تمثل النمو المعرفي والواقع أنه يصعب فصل النمو المعرفي عن النمو العقلي الذي هو أساس النمو المعرفي فتعلم الحساب والكتابة معرفة ولكن القدرة على تعلمها نمواً عقلياً.
أن فهم طبيعة الذكاء عملية معقدة فلا يمكننا إدراك هذه الطبيعة عن طريق الحواس فهي ليست شيئاً مادياً ولكنها خاصية لنشاط بشري ذي طبيعة دينامية تطورية غالباً ما توصف بالتجديد والذكاء أيضاً عملية مجردة لا ندركه حسياً ولكن نستدل على وجوده من الآثار المترتبة عليه ولذلك عرف الذكاء بتعريفات متعددة نذكر منها إضافة إلى تعرف سبيرمان سالف الذكر ما يلي
أ. تعرف شتيرون الذي يرى فيه بأن الذكاء هو القدرة العامة للفرد على ملائمة تفكيره شعورياً للمواقف الجديدة وظروف الحياة المتجددة.
ب. تعريف شتو دارد الذي يفترض فيه بأن الذكاء هو القدرة على القيام بأوجه النشاط التي تتميز بالصعوبة والتعقيد والتجديد والاندفاع نحو الهدف والقدرة على الانتباه والتجديد والاحتفاظ بهذه الأوجه من النشاط تحت ظروف تتطلب تركيز الجهد ومقاومة العوامل الانفعالية.
ج. تعرف وكسلر الذي يقول فيه بأن الذكاء هو طاقة الفرد الكلية على العمل بهدف التفكير المنطقي والتفاعل مع المحيط البيئي بنجاح.
د. تعريف الفرد بينية للذكاء على أنه القدرة على اتخاذ اتجاه محدد والاستمرار فيه والقدرة على النقد الذاتي والملائمة مع المحيط الذي يعيش فيه.
وفي كل الأحوال يتجه علماء النفس إلى اتجاهين مختلفين في تفسير ظاهرة الذكاء حيث يفسر أصحاب الاتجاه الأول الذكاء في ضوء السلوك الفسيولوجي للفرد محاولين ربط نشاط الجهاز العصبي بالسلوك الذكي ومن هؤلاء واطسون وهو من رواد المدرسة السلوكية فهو لا يعترف بوجود عمليات عقلية صرفة بل يرجع هذه العمليات إلى أنماط خاصة من النشاط الجسمى ويقيم التفكير بأنه يتركب من استجابة كلامية باطنية أو حديث حيوي غير مسموع ويفترض بأن التفكير يجب أن يكون حركياً حسياً من نوع ما وينسب آخرون من المدرسة السلوكية الذكاء إلى نشاط الجهاز العصبي ويعتقدون في إمكانية تغيره بعبارات فسيولوجية.
ومن هؤلاء ثورندايك الذي يرى بأن الذكاء والقدرات العقلية عموماً تعتمد على أسباب فسيولوجية ويتمثل الذكاء عنده في العمل الذي يقوم به عدد كبير من الروابط العصبية وعدد هذه الروابط هو الذي يحدد مستوى ذكاء الفرد ويعرف الذكاء بأنه القدرة على تكوين ارتباطات واقترانات بين المنبه والاستجابة.
أما أصحاب التفسيرات النفسية للذكاء ومنهم بنتر الذي يربط مستوى الذكاء بالقدرة على التكيف ويقول بأن الذكاء هو القدرة على التكيف مع المواقف الجديدة ويعرفه تيرمان بأنه القدرة على التفكير المجرد ويعرفه ودورت بأنه القدرة على الاكتساب والتعلم، ويعرفه شتيرن بأنه القدرة على التكيف العقلي لمشاكل الحياة وظروفها الجديدة أما بياجيه فيعرفه بأنه عملية توافق وتنظيم ، و التوافق عنده هو حفظ التوازن بين الفرد والبيئة الذي يعيش فيها أما التنظيم فهو عملية يمكن اكتسابها بوضع الخطط وتصميم الإستراتيجيات التي تعمل على تحديد سلوك الفرد في علاقاته مع البيئة ويضيف بياجيه بأن الذكاء هو صورة من صور الاتزان الذي تميل نحوه كل البنيات العقلية والبنيات العقلية هي عبارة عن بنيات افتراضية تتكون داخل العقل أثناء تطوره وبمعنى آخر خلال نمو الإنسان من الطفولة إلى الرشد.
ولا تشير الدراسات في علم نفس النمو إلى وجود طفرة في نمو الذكاء كما هو الحال في النمو الجسمي وهو ما يتوافق وقوانين سرعة النمو أي الأهم قبل المهم فالذكاء مسئول عن النمو الفسيولوجي والحركي واللفظي والاجتماعي والانفعالي بل وكل نواحي النمو والأجدر بأن ينمو باطراد ايجابي عبر سنوات الطفولة والمراهقة ومن مميزات السلوك العقلي خلال المراهقة ما يلي
أ. تتضح وتتميز القدرات الطائفية الخاصة كالقدرات اللفظية والعددية والميكانيكية والحركية و الفنية وترتبط بالميول والاتجاهات لتظهر بذلك الفروق الفردية بين المراهقين سواء بين الجنسين أو في داخل الجنس الواحد فهذا يتجه إلى الفن وآخر للرياضة وثالث للخطابة والأدب ورابع للمهن الميكانيكية.
ب. نتيجة لزيادة التحصيل العلمي والانتقال إلى مرحلة التعليم المتوسط والنمو في القدرات العقلية يزداد فهم المراهق للمفاهيم والمدركات المجردة بدلاً من التركيز الحسي المادي أثناء مراحل الطفولة السابقة، هذه القدرة على التفكير المجرد بدأت طبعاً منذ بداية مرحلة الطفولة المتأخرة حيث بداية فهم الوقت والاتجاهات والأبعاد المكانية إلا أن إدراك المجردات يتعمق خطر المراهقة بفضل زيادة القدرة على التفكير والنقد والتحليل الناتج عن الشك والبحث عن الحقيقة فعادة ما يتفحص المراهق في مفاهيم مثل الجنة والنار و الأخوة والتعاون والإيثار والأنانية، حتى يجد لها معان منطقية يقبلها عقلياً وعملياً.
ج. يزداد ويتعمق مدى انتباه المراهق زمنياً وكيفياً أي أنه أقدر على الفهم ويستطيع التركيز على أكثر من موضوع في آن واحد وتزداد قدرته كذلك على التذكر المبنى على الفهم ولمدة أطول من ذي قبل.
د. يتميز خيال المراهق بالشمولية والتجرد إلا أنه خيال أقرب إلى الواقع ولو أنه لا يتقيد بالزمان أو المكان ونعني بالواقع أنه قابل للتطبيق العملي فطفل المرحلة المبكرة مثلا قد يتخيل نفسه بأنه طائر يطير من ربوة إلى أخرى بينما يتخيل المراهق بأنه بطل رياضي مشهور أو صاحب ثروة طائلة أو متزوج بأجمل بنات عصره، وهكذا.
هـ. تزداد سرعة التحصيل العلمي فالمراهق أصبح أقدر على الحفظ والفهم والاسترجاع وعلى فهم مختلف الموضوعات العلمية خاصة بعد نمو إدراكه من المحسوس إلى المجرد.
و. تزداد القدرة على التفكير حيث يستطيع الآن أن يدرك العلاقات المجردة بين الأشياء مما يجعله قادراً على الاستدلال والاستنتاج وإصدار الأحكام واتخاذ القرارات.
ز. تزداد القدرة على التعلم نتيجة لزيادة المفردات اللغوية والقواعد وتبرز كذلك القدرات الجسمية والعضلية التي تمكنه من تعلم كثير من المهارات ونتيجة لزيادة قدراته العقلية الإدراكية يتحول التعلم في هذه المرحلة من التعلم الآلي إلى التعلم المبني على المنطق والتعلم المجرد.