أراك قد استغربت قول إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا: إنك لو تركت الجملة القرآنية والحديث الشريف لكنت الآن المرجع الذي لا ينازع ولبد مذهبك في البلاغة المذاهب كلها من قديم وحديث.
ويحق لك ولغيرك وايم الله أن يستغربوا هذا التمني الدال على مرض روحي عند بعض الناس لأنه قد يجوز أن إنسانًا لا يعتقد بتنزل القرآن ولكن لا يوجد عربي سليم الذوق لا يعتقد ببلاغة القرآن وحديث الرسول ﷺ ولعمري إن الأمر لكما قال ذلك الذي سأله سائل هل يقال: فأذاقها الله لباس الجوع، فأجابه: ويحك هبك تتهم محمدًا بأنه لم يكن نبيا أتتهمه بأنه لم يكن عربيا.
ولكنك لم تلبث أن فهمت مغزى هذه النزعة الغربية وعبرت عما ظهر لك في تلك الجملة الموجزة من المرامي والمقاصد البعيدة فقلت وأنت سيد القائلين فظهر لي في نور هذه الكلمة ما لم أكن أراه من قبل حتى لكأنها المكرسكوب وما يجهر به من بعض الجراثيم مما يكون خفيًا فيستعلن ودقيقا فيستعظم وما يكون كأنه لا شيء ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به.
نعم إن وراء الأكمة ما وراءها إن هناك دسائس خفية تظهر بعض أطرافها في هذه الجملة ولكن دعني أقول له: إنه ليس مرادهم العدول إلى الركاكة ولا مناصبة القرآن العداوة لمجرد كونه فصيحا، وليس الأمر من قبل ما ذكره أحمد فارس في الفارياق من أن بعض خدمة الدين ممن كان يتكلم عنهم يتبركون بالركيك من القول ويستوحشون من العربي الجزل البليغ ولا هو من نمط ما رواه في كشف المخبا عن فنون أوربا من أنه كان يعرب التوراة وهو في إنجلترا فكان يقف على الترجمة العربية قسيس إنجليزي شدا شيئًا من العربية فكان كلما رأى لأحمد فارس جملة شم منها رائحة الفصاحة مسخها واستبدل بها جملة ركيكة فكان الشدياق يعجب من أمره وقد نقل عنه من هذا النسق جملا يستغرب لها الإنسان من الضحك إذ يرى كيف كان ذلك القسيس يتعمد قلب العالي بالساقط والجيد بالرذل تعمدًا وتهافت على الركيك تهافت الذباب على الحلواء ويصرحبأنه إنما يتوخى بذلك إبعاد الكلام عن شبه القرآن.
كلا يا أيها الأخ إن هذه الفئة لا تمج الفصاحة من حيث هي ولا تدين بالركاكة التي كان يدين بها قسوس أحمد فارس فيسخر بهم ما يسخر ولا تحارب اللغة العربية نفسها ولكنها تحارب منها القرآن القرآن.
إن هذه الفئة تحارب القرآن والحديث وجميع الآثار الإسلامية وتريد أن تتبدل بها من كلام الجاهلية وكلام فصحاء العرب حتى من المخضرمين والمولدين وكل كلام لا يكون عليه مسحة دينية وهذه الفئة قد تعددت غاياتها في هذا المنزع ولكن قد اتفقت في الوسائل فمنها من لا يجهل بلاغة القرآن وجزالته وكونه من العربية بمنزلة القطب من الرحى ولكنه يدس الدسائس من طرف خفي لإقصائه عن دائرة الأدب العربي وتزهيد النشء فيه بحجة كونه قديمًا وأن كل قديم هو بال حتى إذا تم لهم ما يبتغون من غض مكانة القرآن في صدور الناس يكونون قد طعنوا الإسلام طعنة سياسية في أحشائه على حين هم يزعمون أن الموضوع موضوع لغوي لا مدخل للسياسة فيه فيزلقون بهذه الدعوى المرحاض كثيرين ممن لو تفطنوا لما وراء الدعاية البارزة في زي لغوي أدبي من المآرب السياسية الخبيثة لكانوا منها على حذر بل لانقلبوا عليها وصاروا قرآنيين ولكن مع الأسف نقول: إن الحوادث الأخيرة لا سيما ما جرى قبيل الحرب الكبرى إلى ما بعدها قد أثبتت أنه ما زالت هناك فئة تلعب بفئة وتسوقها إلى حيث تريد فلا تستفيق هذه من سكرتها إلا وقد قضي الأمر الذي فيه تستفتيان وهذه الدسيسة التي ظهر لكم مكنونها من جملة واحدة إن هي إلا حلقة لغوية من سلسلة دسائس مقصود منها الإسلام لا القرآن من حيث كونه قرآنًا ولا الفصاحة من حيث كونها فصاحة.
ولقد أشرتم إلى ذلك في مقالكم الجليل فقلتم: لا أعرف من السبب في ضعف الأساليب الكتابية والنزول باللغة دون منزلتها إلا واحدًا من ثلاثة فإما مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها لتتحول عن أساس تاريخها الذي هي أمة به ولن تكون أمة إلا به وإما النشأة في الأدب على مثل نهج الترجمة في الجملة الإنجيلية والانطباع عليها وتعويج اللسان بها وإما الجهل من حيث هو الجهل أو من حيث هو الضعف.
فأنا أقول: إن الوجوه الثلاثة متوفرة في السبب ولكن الوجه الأول هو أقواها وأصحاب هذا الوجه منهم من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها خدمة لمبدأ الاستعمار الأوربي ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجة أنها أقرب إلى الإفهام ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها لا حبا باللغة والآداب ولكن علمًا باستحالة تنصل العرب من لغتهم وآدابهم ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب على شرط أن لا يكون ثمة قرآن ولا حديث، وأن تكون الصيغة لا دينية وحجتهم في ذلك حب التجدد وكون القرآن والحديث وكلمات السلف كلها من القديم الذي لا يتلاءم مع الروح العصرية في شيء وآخرون حجتهم في ذلك النزعة القومية التي هي بزعمهم تناقض النزعة الدينية وأصحاب النزعة القومية هؤلاء يقولون: إنها من باب التجدد وإن روح القومية هي السائدة في هذا العصر فالدين والمعاصرة نقيضان لا يجتمعان فأما إذا سألهم سائل قائلا : إنكم وأنتم من دعاة التجدد ومن قراء الآداب الأوربية لا تنكرون أن كتاب أوربا اليوم من فرنسيس وألمان وإنجليز وطليان وإسبانيول وروس، إنما آدابهم كلها مأخوذة من اللغات القديمة كاليونانية واللاتينية وأن آيات التوراة والإنجيل تدور على ألسنتهم وأقلامهم جارية فيها مجرى الأمثال لا يكاد يخلو منها خطاب ولا كتاب حتى إن المنفضين منهم من العقيدة يتكلمون بلغة من الإنجيل والتوراة، وهذا كليمنسو الذي لا يوجد على الدين حرب أشد منه كان يجاوب بعض من اعترض عليه من أجل بعض نقاط في معاهدة فرساي قائلا : ادخلوا في فرح المعاهدة تجدوها كما تريدون ومعلوم أن جملة دخل في الفرح هي آية إنجيلية ادخل في فرح سيدك وهذا شيء لا يمكن أن يحصى إلا إذا أحصيت رمال يبرين وإنما نريد أن نثبت به كون التجدد والمعاصرة.
لم يمنعها بقاء لغات أوربا وآدابها على صيغتها القديمة ومآخذها من التوراة والإنجيل ومن شعراء يونان وخطباء رومة وأن أدباء أوربا في هذا العصر يستهجنون اختراع إنشاء جديد وأسلوب غير مألوف ويحسبونه مخالفًا للذوق ويتمثلون بمعان غابرة لم يبق لها أثر.
لن تترك اللغة فوضى لا في شرق ولا في غرب؟
طالما ترنحت الأعطاف عند ذكر الكاتب الفرنسي العظيم أناتول فرانس الذي توفي منذ بضعة أشهر وكان هذا الكاتب هو الصدر المقدم في الإنشاء عند قومه لا يرون أحدًا في منزلته بعد رنان وكان مما تميز به النزوع إلى المذاهب الاجتماعية الجديدة والغلو في كره العقائد الدينية والعادات القديمة والنفور من النصرانية بأجمعها حتى لقد وصفه كثيرون من الشيوعيين وبالرغم من هذا فقد اتفق جميع من ترجموه لدن وفاته حتى من أدباء الفئة الاشتراكية والشيوعية على أنه كان في إنشائه أصوليًا أستاذيا مقلدا يحذو حذو راسين الشاعر الذي عاش قبل هذا العهد بمائتي سنة وأنه حافظ على الطريقة الكتابية الأصولية المسماة عندهم كلاسيك أي الطريقة المدرسية وقيل للكاتب المشهور موريس باريس وكان من أنصار الديانة والكثلثكة أفلا ترى مبادئ أناتول فرانس وغلوه في الاشتراكية، فأجابهم قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم إلا أنه حفظ اللغة وهي جملة شهيرة يحفظها الجميع في باريس.
نعم يقدر العربي أن لا يكون صحيح العقيدة ولا مسلما ويكون نصاب اللغة عنده القرآن والحديث وكلام السلف لأنها هي الطبقة العليا التي تصح أن تكون مثلا ولكن ليس هذا مراد هذه الفئة التي تريد حربًا وتوري بغيرها تبغي نقض قواعد القرآن التي هي السد الأمنع الحائل دون الاستعمار والثقافة الإفرنجية وغيرها وتأتي ذلك من طريق نبذ القديم والبالي والأخذ بالجديد والحالي ولا يوجد مع الأسف كثيرون ممن ينتبهون لهذه السفسطة ويعلمون مرمى هذه الدعاية بل إن كثيرًا من نشئنا ومن عامتنا هم من فخ إلى فخ ومن جملة هذه الأشراك أن القرآن حائل دون القومية العربية لا يفسح لها مجالاً فتراهم ينصبون لها العداوة وأمراض العقول كثيرة كأمراض الأبدان ولكن أمراض القلوب هي التي لا حيلة فيها هذا وإن بعضًا من أدعياء الجديد لا دعاة الجديد لا يحاربون القرآن ولا الشرع عن بحث وتدقيق ومقايسة ومقابلة يتبعون المعقول قديما كان أو جديدًا ويرتادون المفيد مُعْرقًا كان أو محدثًا كلا بل هم قد اختاروا مذهبهم من قبل فرجحوا كل جديد كيف كان وبدون محاكمة وذلك ليقال: إنهم رقاة عصريون أما نظرية أخذ الأحسن من كل شيء، واختيار الأوفق من أي جهة جاء فهذه ليسوا منها بسبيل وإنما يؤثرون الشيء إذا علموا أن بعض أمم الإفرنجية أخذت به ولما وافقت هذه الفئة في تركيا على منع المسكرات لم يكن السبب في هذه الموافقة ضرر المسكرات أو النهي الشرعي بل حرموا الخمور لمجرد كون أمريكا حرمتها.
وخذ لك هذا المثال: كنا في مجلس المبعوثين في الآستانة وكان من زملائنا زهراب أفندي الأرمني الشهير ولم يكن علمه وذكاؤه بأقل من شهرته وكان يصعب على مبعوث مهما كان قوي العارضة قاطع الحجة أن يخاصم زهراب لا سيما في التشريع فاتفق أن بعض مبعوثي الترك من المولعين بالجديد لمجرد ادعاء الرقي العصري اختلفوا مع زهراب في سن مادة قانونية فعقدوا لها مجلسًا خالصا وانبرى الزهراب اثنان من هؤلاء العصريين يجادلانه ويحاولان أن يحملاه على رأيهما فبعد حوار طويل تغلب زهراب عليهما وألزمهما الحجة ولم يبق أمامهما إلا السكوت إلا أن زهراب أخطأ في شيء وهو عدم معرفته عقلية هذه الفئة فبعد أن أخرسهما في الجدال عاد فقال لهم: وهذا أيضًا وفق أحكام شريعتكم الإسلامية التي تقول كذا وكذا حدثنا الأستاذ الفلكي الرياضي فطين أفندي مدير مرصد الآستانة أنه لما قال لهما زهراب هذا القول عادا فنبرا بغتة قائلين: إذا كان الأمر كذلك فلا نقبل هذا الرأي ومن بعد تلك الفلتة لم يعد زهراب قادرًا أن يقنعهما بوجه من الوجوه فليس صواب الشيء وعدمه هو الحاكم عند هذه الفئة بل هو مصدر الشيء بدون نظر إلى أي اعتبار آخر فإن علموا كونه آتيا من طريق الدين أو ملائما لحكم وارد في الشرع استمرءوا مذاقه قبل أن يذوقوه وليس هذا منحصرا في الترك وفي الفئة التورانية منهم بل عندنا نحن من هذا النخل فسيل في مصر والشام وغيرهما.
ويا ليتك ترى هذه الفرقة على شيء من التحقق بالجديد فيما يلزم فيه الآخذ بالجديد من علم نافع أو فن مفيد أو صناعة دارة فإن العلم لا يجب أن يكون فيه قديم وجديد بل هو أصل يتفرع منه فروع كل يوم يتحتم على الإنسان أن يتتبعها كلها ناظرا إلى حقيقتها وصدق تجربتها وفائدتها للاجتماع.
كلا يا سيدي قلما رأيت من هذه الفرقة إلا الادعاء الفارغ والنزوع إلى الثورة على ما يسمونه بالقديم وهم ينسون أن هناك مبادئ ثابتة وبديهيات ليس فيها قديم وجديد وأن الاثنين والاثنين أربعة من مائة ألف سنة فلا نقدر أن نعمل على ذلك ثورة وأن المقولات العشر مما لا تتناوله الثورة وأن الثورة إنما هي واجبة على الجهل والوهم لا على الحق والعلم وأن العلم لا يكون قديمًا وأن الأدب لا بد أن يراعى فيه ذوق الأمة وتاريخها وعاداتها وعرفها وأنه ليس بتجربة كيماوية.
هذا يا أخي هو المرمى الصحيح ممن أخذ عليك الجملة القرآنية فأما الفئام الأخرى ممن عجز عن الفصيح فأبغضه ومن يستأنس بالركيك لأنه هو الشيء الوحيد الذي يقدر فهذه خطبها يسير وقلعتها أوهى من أن يحمل مثل قلمك عليها.
الرأي العام في العربية الفصحى؟
هذا مذهب من الكلام في اللغة كثيرًا ما يشتبه فيه اليقين حتى لا يُنفذ إلى تمحيصه ويلتوي الظن حتى لا يُطاق على تخليصه وأنت كيف مددت عينك في هذا الجيل فلست آمنا أن تقع من صغار نشئه الذين يطمحون إلى مشيخة الكتاب على كل ضيق المجم ضئيل الهم ألف اللسان ملتف البيان كالجبل عند نفسه ويوضع في بندقة وكالبحر ويصب في فستقة وهو مع ذلك يسمع بالفصاحة والفصحاء ويستطيل في البلاغة والبلغاء ويبسط في هذا الرهان من جلده على هزاله ويُفسح في هذا الميدان من خطوه على كلاله ومهما أخطأ فيما يُعمى عليك من حقيقة أمره ويكاتم مهب ريحك من دخانه وجمره فلا يخطئك أن تسستبين منه رأيًا كأنه في رأسه نزوة ألم وعقلا مدنفًا لو هو مات لما قطرت له دمعة من قلم.
ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحرون بزعمهم من النصفة والمعدلة فلو تدسس أحدهم إلى كل مكروه وأصعد في كل بلاء لكان ذلك بعضه كبعضه سواء في بادئ الرأي وعند تقليب النظر لا يدرك فرق ما بين درجاته ولا فصل ما بين صفاته حتى إذا ضرب كل سبب في غايته واتصل كل مبدأ بنهايته ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائما وتعثرت المصيبة بشعب كان متقدمًا عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله وعلم حينئذ أنه كان يملك من الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من التسبب له وأشف من ذلك ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد مضى وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها فكأن المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل وما أعزها كلمة لا تفهم إلا من مصيبة.
وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأيًا من خصال: فأما واحدة فاقتضابه الرأي لا يُغبه للخبرة ولا يبلوه بالتثبت ولا يكاد يرى فيه مذهبًا لتقليب النظر فما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون قد وزنه ورازه وعرف مقداره صوابا من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما أنبطه الزمن من قليب قلبه وأفتكه من عقال عقله على أنه الحق لا مراء فيه وعسى أن لا تجد في باب المراء مثلا أدل منه على الرأي القائل: كيف يهلك أو يقيل.