0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

أراك قد استغربت قول إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا: إنك لو تركت الجملة القرآنية والحديث الشريف لكنت الآن المرجع الذي لا ينازع ولبد مذهبك في البلاغة المذاهب كلها من قديم وحديث.

ويحق لك ولغيرك وايم الله أن يستغربوا هذا التمني الدال على مرض روحي عند بعض الناس لأنه قد يجوز أن إنسانًا لا يعتقد بتنزل القرآن ولكن لا يوجد عربي سليم الذوق لا يعتقد ببلاغة القرآن وحديث الرسول ﷺ ولعمري إن الأمر لكما قال ذلك الذي سأله سائل هل يقال: فأذاقها الله لباس الجوع، فأجابه: ويحك هبك تتهم محمدًا بأنه لم يكن نبيا أتتهمه بأنه لم يكن عربيا. 

ولكنك لم تلبث أن فهمت مغزى هذه النزعة الغربية وعبرت عما ظهر لك في تلك الجملة الموجزة من المرامي والمقاصد البعيدة فقلت وأنت سيد القائلين فظهر لي في نور هذه الكلمة ما لم أكن أراه من قبل حتى لكأنها المكرسكوب وما يجهر به من بعض الجراثيم مما يكون خفيًا فيستعلن ودقيقا فيستعظم وما يكون كأنه لا شيء ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به.

نعم إن وراء الأكمة ما وراءها إن هناك دسائس خفية تظهر بعض أطرافها في هذه الجملة ولكن دعني أقول له: إنه ليس مرادهم العدول إلى الركاكة ولا مناصبة القرآن العداوة لمجرد كونه فصيحا، وليس الأمر من قبل ما ذكره أحمد فارس في الفارياق من أن بعض خدمة الدين ممن كان يتكلم عنهم يتبركون بالركيك من القول ويستوحشون من العربي الجزل البليغ ولا هو من نمط ما رواه في كشف المخبا عن فنون أوربا من أنه كان يعرب التوراة وهو في إنجلترا فكان يقف على الترجمة العربية قسيس إنجليزي شدا شيئًا من العربية فكان كلما رأى لأحمد فارس جملة شم منها رائحة الفصاحة مسخها واستبدل بها جملة ركيكة فكان الشدياق يعجب من أمره وقد نقل عنه من هذا النسق جملا يستغرب لها الإنسان من الضحك إذ يرى كيف كان ذلك القسيس يتعمد قلب العالي بالساقط والجيد بالرذل تعمدًا وتهافت على الركيك تهافت الذباب على الحلواء ويصرحبأنه إنما يتوخى بذلك إبعاد الكلام عن شبه القرآن.

كلا يا أيها الأخ إن هذه الفئة لا تمج الفصاحة من حيث هي ولا تدين بالركاكة التي كان يدين بها قسوس أحمد فارس فيسخر بهم ما يسخر ولا تحارب اللغة العربية نفسها ولكنها تحارب منها القرآن القرآن.

إن هذه الفئة تحارب القرآن والحديث وجميع الآثار الإسلامية وتريد أن تتبدل بها من كلام الجاهلية وكلام فصحاء العرب حتى من المخضرمين والمولدين وكل كلام لا يكون عليه مسحة دينية وهذه الفئة قد تعددت غاياتها في هذا المنزع ولكن قد اتفقت في الوسائل فمنها من لا يجهل بلاغة القرآن وجزالته وكونه من العربية بمنزلة القطب من الرحى ولكنه يدس الدسائس من طرف خفي لإقصائه عن دائرة الأدب العربي وتزهيد النشء فيه بحجة كونه قديمًا وأن كل قديم هو بال حتى إذا تم لهم ما يبتغون من غض مكانة القرآن في صدور الناس يكونون قد طعنوا الإسلام طعنة سياسية في أحشائه على حين هم يزعمون أن الموضوع موضوع لغوي لا مدخل للسياسة فيه فيزلقون بهذه الدعوى المرحاض كثيرين ممن لو تفطنوا لما وراء الدعاية البارزة في زي لغوي أدبي من المآرب السياسية الخبيثة لكانوا منها على حذر بل لانقلبوا عليها وصاروا قرآنيين ولكن مع الأسف نقول: إن الحوادث الأخيرة لا سيما ما جرى قبيل الحرب الكبرى إلى ما بعدها قد أثبتت أنه ما زالت هناك فئة تلعب بفئة وتسوقها إلى حيث تريد فلا تستفيق هذه من سكرتها إلا وقد قضي الأمر الذي فيه تستفتيان وهذه الدسيسة التي ظهر لكم مكنونها من جملة واحدة إن هي إلا حلقة لغوية من سلسلة دسائس مقصود منها الإسلام لا القرآن من حيث كونه قرآنًا ولا الفصاحة من حيث كونها فصاحة.

ولقد أشرتم إلى ذلك في مقالكم الجليل فقلتم: لا أعرف من السبب في ضعف الأساليب الكتابية والنزول باللغة دون منزلتها إلا واحدًا من ثلاثة فإما مستعمرون يهدمون الأمة في لغتها وآدابها لتتحول عن أساس تاريخها الذي هي أمة به ولن تكون أمة إلا به وإما النشأة في الأدب على مثل نهج الترجمة في الجملة الإنجيلية والانطباع عليها وتعويج اللسان بها وإما الجهل من حيث هو الجهل أو من حيث هو الضعف.

فأنا أقول: إن الوجوه الثلاثة متوفرة في السبب ولكن الوجه الأول هو أقواها وأصحاب هذا الوجه منهم من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها خدمة لمبدأ الاستعمار الأوربي ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجة أنها أقرب إلى الإفهام ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها لا حبا باللغة والآداب ولكن علمًا باستحالة تنصل العرب من لغتهم وآدابهم ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب على شرط أن لا يكون ثمة قرآن ولا حديث، وأن تكون الصيغة لا دينية وحجتهم في ذلك حب التجدد وكون القرآن والحديث وكلمات السلف كلها من القديم الذي لا يتلاءم مع الروح العصرية في شيء وآخرون حجتهم في ذلك النزعة القومية التي هي بزعمهم تناقض النزعة الدينية وأصحاب النزعة القومية هؤلاء يقولون: إنها من باب التجدد وإن روح القومية هي السائدة في هذا العصر فالدين والمعاصرة نقيضان لا يجتمعان فأما إذا سألهم سائل قائلا : إنكم وأنتم من دعاة التجدد ومن قراء الآداب الأوربية لا تنكرون أن كتاب أوربا اليوم من فرنسيس وألمان وإنجليز وطليان وإسبانيول وروس، إنما آدابهم كلها مأخوذة من اللغات القديمة كاليونانية واللاتينية وأن آيات التوراة والإنجيل تدور على ألسنتهم وأقلامهم جارية فيها مجرى الأمثال لا يكاد يخلو منها خطاب ولا كتاب حتى إن المنفضين منهم من العقيدة يتكلمون بلغة من الإنجيل والتوراة، وهذا كليمنسو الذي لا يوجد على الدين حرب أشد منه كان يجاوب بعض من اعترض عليه من أجل بعض نقاط في معاهدة فرساي قائلا : ادخلوا في فرح المعاهدة تجدوها كما تريدون ومعلوم أن جملة دخل في الفرح هي آية إنجيلية ادخل في فرح سيدك وهذا شيء لا يمكن أن يحصى إلا إذا أحصيت رمال يبرين وإنما نريد أن نثبت به كون التجدد والمعاصرة. 

لم يمنعها بقاء لغات أوربا وآدابها على صيغتها القديمة ومآخذها من التوراة والإنجيل ومن شعراء يونان وخطباء رومة وأن أدباء أوربا في هذا العصر يستهجنون اختراع إنشاء جديد وأسلوب غير مألوف ويحسبونه مخالفًا للذوق ويتمثلون بمعان غابرة لم يبق لها أثر. 

لن تترك اللغة فوضى لا في شرق ولا في غرب؟ 

طالما ترنحت الأعطاف عند ذكر الكاتب الفرنسي العظيم أناتول فرانس الذي توفي منذ بضعة أشهر وكان هذا الكاتب هو الصدر المقدم في الإنشاء عند قومه لا يرون أحدًا في منزلته بعد رنان وكان مما تميز به النزوع إلى المذاهب الاجتماعية الجديدة والغلو في كره العقائد الدينية والعادات القديمة والنفور من النصرانية بأجمعها حتى لقد وصفه كثيرون من الشيوعيين وبالرغم من هذا فقد اتفق جميع من ترجموه لدن وفاته حتى من أدباء الفئة الاشتراكية والشيوعية على أنه كان في إنشائه أصوليًا أستاذيا مقلدا يحذو حذو راسين الشاعر الذي عاش قبل هذا العهد بمائتي سنة وأنه حافظ على الطريقة الكتابية الأصولية المسماة عندهم كلاسيك أي الطريقة المدرسية وقيل للكاتب المشهور موريس باريس وكان من أنصار الديانة والكثلثكة أفلا ترى مبادئ أناتول فرانس وغلوه في الاشتراكية، فأجابهم قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم إلا أنه حفظ اللغة وهي جملة شهيرة يحفظها الجميع في باريس.

نعم يقدر العربي أن لا يكون صحيح العقيدة ولا مسلما ويكون نصاب اللغة عنده القرآن والحديث وكلام السلف لأنها هي الطبقة العليا التي تصح أن تكون مثلا ولكن ليس هذا مراد هذه الفئة التي تريد حربًا وتوري بغيرها تبغي نقض قواعد القرآن التي هي السد الأمنع الحائل دون الاستعمار والثقافة الإفرنجية وغيرها وتأتي ذلك من طريق نبذ القديم والبالي والأخذ بالجديد والحالي ولا يوجد مع الأسف كثيرون ممن ينتبهون لهذه السفسطة ويعلمون مرمى هذه الدعاية بل إن كثيرًا من نشئنا ومن عامتنا هم من فخ إلى فخ ومن جملة هذه الأشراك أن القرآن حائل دون القومية العربية لا يفسح لها مجالاً فتراهم ينصبون لها العداوة وأمراض العقول كثيرة كأمراض الأبدان ولكن أمراض القلوب هي التي لا حيلة فيها هذا وإن بعضًا من أدعياء الجديد لا دعاة الجديد لا يحاربون القرآن ولا الشرع عن بحث وتدقيق ومقايسة ومقابلة يتبعون المعقول قديما كان أو جديدًا ويرتادون المفيد مُعْرقًا كان أو محدثًا كلا بل هم قد اختاروا مذهبهم من قبل فرجحوا كل جديد كيف كان وبدون محاكمة وذلك ليقال: إنهم رقاة عصريون أما نظرية أخذ الأحسن من كل شيء، واختيار الأوفق من أي جهة جاء فهذه ليسوا منها بسبيل وإنما يؤثرون الشيء إذا علموا أن بعض أمم الإفرنجية أخذت به ولما وافقت هذه الفئة في تركيا على منع المسكرات لم يكن السبب في هذه الموافقة ضرر المسكرات أو النهي الشرعي بل حرموا الخمور لمجرد كون أمريكا حرمتها. 

وخذ لك هذا المثال: كنا في مجلس المبعوثين في الآستانة وكان من زملائنا زهراب أفندي الأرمني الشهير ولم يكن علمه وذكاؤه بأقل من شهرته وكان يصعب على مبعوث مهما كان قوي العارضة قاطع الحجة أن يخاصم زهراب لا سيما في التشريع فاتفق أن بعض مبعوثي الترك من المولعين بالجديد لمجرد ادعاء الرقي العصري اختلفوا مع زهراب في سن مادة قانونية فعقدوا لها مجلسًا خالصا وانبرى الزهراب اثنان من هؤلاء العصريين يجادلانه ويحاولان أن يحملاه على رأيهما فبعد حوار طويل تغلب زهراب عليهما وألزمهما الحجة ولم يبق أمامهما إلا السكوت إلا أن زهراب أخطأ في شيء وهو عدم معرفته عقلية هذه الفئة فبعد أن أخرسهما في الجدال عاد فقال لهم: وهذا أيضًا وفق أحكام شريعتكم الإسلامية التي تقول كذا وكذا حدثنا الأستاذ الفلكي الرياضي فطين أفندي مدير مرصد الآستانة أنه لما قال لهما زهراب هذا القول عادا فنبرا بغتة قائلين: إذا كان الأمر كذلك فلا نقبل هذا الرأي ومن بعد تلك الفلتة لم يعد زهراب قادرًا أن يقنعهما بوجه من الوجوه فليس صواب الشيء وعدمه هو الحاكم عند هذه الفئة بل هو مصدر الشيء بدون نظر إلى أي اعتبار آخر فإن علموا كونه آتيا من طريق الدين أو ملائما لحكم وارد في الشرع استمرءوا مذاقه قبل أن يذوقوه وليس هذا منحصرا في الترك وفي الفئة التورانية منهم بل عندنا نحن من هذا النخل فسيل في مصر والشام وغيرهما.

ويا ليتك ترى هذه الفرقة على شيء من التحقق بالجديد فيما يلزم فيه الآخذ بالجديد من علم نافع أو فن مفيد أو صناعة دارة فإن العلم لا يجب أن يكون فيه قديم وجديد بل هو أصل يتفرع منه فروع كل يوم يتحتم على الإنسان أن يتتبعها كلها ناظرا إلى حقيقتها وصدق تجربتها وفائدتها للاجتماع.

كلا يا سيدي قلما رأيت من هذه الفرقة إلا الادعاء الفارغ والنزوع إلى الثورة على ما يسمونه بالقديم وهم ينسون أن هناك مبادئ ثابتة وبديهيات ليس فيها قديم وجديد وأن الاثنين والاثنين أربعة من مائة ألف سنة فلا نقدر أن نعمل على ذلك ثورة وأن المقولات العشر مما لا تتناوله الثورة وأن الثورة إنما هي واجبة على الجهل والوهم لا على الحق والعلم وأن العلم لا يكون قديمًا وأن الأدب لا بد أن يراعى فيه ذوق الأمة وتاريخها وعاداتها وعرفها وأنه ليس بتجربة كيماوية.

هذا يا أخي هو المرمى الصحيح ممن أخذ عليك الجملة القرآنية فأما الفئام الأخرى ممن عجز عن الفصيح فأبغضه ومن يستأنس بالركيك لأنه هو الشيء الوحيد الذي يقدر فهذه خطبها يسير وقلعتها أوهى من أن يحمل مثل قلمك عليها.

الرأي العام في العربية الفصحى؟ 

هذا مذهب من الكلام في اللغة كثيرًا ما يشتبه فيه اليقين حتى لا يُنفذ إلى تمحيصه ويلتوي الظن حتى لا يُطاق على تخليصه وأنت كيف مددت عينك في هذا الجيل فلست آمنا أن تقع من صغار نشئه الذين يطمحون إلى مشيخة الكتاب على كل ضيق المجم ضئيل الهم ألف اللسان ملتف البيان كالجبل عند نفسه ويوضع في بندقة وكالبحر ويصب في فستقة وهو مع ذلك يسمع بالفصاحة والفصحاء ويستطيل في البلاغة والبلغاء ويبسط في هذا الرهان من جلده على هزاله ويُفسح في هذا الميدان من خطوه على كلاله ومهما أخطأ فيما يُعمى عليك من حقيقة أمره ويكاتم مهب ريحك من دخانه وجمره فلا يخطئك أن تسستبين منه رأيًا كأنه في رأسه نزوة ألم وعقلا مدنفًا لو هو مات لما قطرت له دمعة من قلم.

ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحرون بزعمهم من النصفة والمعدلة فلو تدسس أحدهم إلى كل مكروه وأصعد في كل بلاء لكان ذلك بعضه كبعضه سواء في بادئ الرأي وعند تقليب النظر لا يدرك فرق ما بين درجاته ولا فصل ما بين صفاته حتى إذا ضرب كل سبب في غايته واتصل كل مبدأ بنهايته ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائما وتعثرت المصيبة بشعب كان متقدمًا عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله وعلم حينئذ أنه كان يملك من الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من التسبب له وأشف من ذلك ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد مضى وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها فكأن المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل وما أعزها كلمة لا تفهم إلا من مصيبة. 

وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأيًا من خصال: فأما واحدة فاقتضابه الرأي لا يُغبه للخبرة ولا يبلوه بالتثبت ولا يكاد يرى فيه مذهبًا لتقليب النظر فما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون قد وزنه ورازه وعرف مقداره صوابا من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما أنبطه الزمن من قليب قلبه وأفتكه من عقال عقله على أنه الحق لا مراء فيه وعسى أن لا تجد في باب المراء مثلا أدل منه على الرأي القائل: كيف يهلك أو يقيل.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)
وأما الثانية فتزين ذلك الرأي له على سخفه حتى يدفع عنه كل الدفع ويحوطه بكل حجة ملجلجة وحتى يرى أن الكد في ذلك هو يثبته وأن الثبات على الكد هو يحققه فلا يزال يخور بمقدار ما يشتد في أمره تعنتا ثم لا يصيب من وجه الأمر إلا ما يضل في مجاهله فيكون قد تأتى من سبيل الثقة إلى الغرور ومن سبيل الغرور إلى الباطل وكبر ذلك مقتا وساء سبيلا.

وأما الأخرى من تلك الخصال فإن الرأي متى تماسك بما يجم حوله ويستمر عليه من الخواطر فإنه سيكون منه عقد يخرج عن أن يكون رأيًا موضوعًا إلى أن يصير وحيًا مرفوعًا ويكبر عن أن يكون مضطربًا في العقل بين الحجج والبراهين فينحدر إلى القلب عند مستقر العاطفة والدين ثم لا يكون من هذا إلا ما تراه في كل جاهل من الرأي يصدره وكأنما يصدره شرعًا معصوما لا يزيغ عنه الزائغ إلا بخذلان من الله فإن هو لم يتبع عليه ولم يتشيع له فيه أحد كان هذا الجاهل نبي نفسه لا يبالي ما ترك الناس مما اتبع هو ولا ما اتبعوه مما ترك.

وتلك خصال في نسق واحد وعلى نظام مطرد لا هوادة بين أولها وآخرها فهي وإن تعددت إلا أنها كما يتعدد الموج للغريق تنتصب منه أشباه الجبال ثم لا يستند الغريق من جميعها إلا إلى الماء الذي يغرق فيه وهذا تفسير القول أنفا: إن الجهل على استواء واحد في نظر أهله.

لا جرم كان العنت كل العنت والبلاء كل البلاء أن تفهم من لم يستجمع أداة الفهم لما تلقي إليه وأن تناظر صاحب الرأي وليس له مما قبلك إلا أنه يرى وإلا أنك تدفع فإن الحجة في مثل هذا وإن وضحت واستبانت بيد أنها لا تصيب من غرض يستهدف لها فلا تلزم ولا تقنع وإنما تُستعرض كما يُستعرض من السهم من الهواء يمر فيه منطلقا لا يلتوي فمهما نلت من ذلك لا تنال سببًا إلى الإقناع وليس لك بعد إلا أن تطيب نفسًا عن نتيجة أنت فرغت من مقدمتها وترتد عن غاية كنت في ظل قصباتها لأن الحجج لا تنتهي إلى الحق إلا إذا كانت متكافئة فهي تختلف متدابرة ولكنها متى تواجهت وأخذت كل حجة برقبة الأخرى فاختصمت ثم ارتفعت إلى العقل قضى بينها وكشف عن وجه الحق فيها أما الحجة الواهية التي لا يُشدُّ منها علم ولا ينهض بها يقين فهذه تظل مدبرة وإنما قوتها في إدبارها ولياذها بكل منطلق فأنت تجد في كل الناس إلا في صاحبها مقنعا ومَعْدِلًا وما إن تزال مقبلا منه على مدبر عنك حتى تنكص عنه غالبا كمغلوب وتنقلب طالبا كمطلوب وأنا لا أدري ولا جرم ما الذي زين لفلان أن يكون صاحب رأي في العربية وآدابها وأن يتمحل لرأيه ويشتد للنضال عنه ولا يعدو بالخصومة فيه من لا يُقاره عليه أذلك حين بذلت له اللغة مقادتها أم حين جمحت عنه وحين استطاع له علمه أم حين طوع له وهمه ؟ وما فلان هذا والعربية وآدابها والمراء في كل ذلك وهو بعد في حاجة من هذا العلم إلى استئناف الطفولة كرة أخرى إن التوى عليه أمر اللغة منذ دارسه فيها طلبة يسمونهم معلمين فلم يفيدوه من المعرفة حتى ولا معرفة كيف يعلم نفسه رمى هذه اللغة بالنقص وجعل الكمال لله ثم له فأراد أن يحيلها عن وضع رآها منحرفة فيه وما انحرف بها إلا حَول عينه فذهب في طنطنته الضئيلة كل مذهب وافترش لسانه البكيء فيما يسميه جديدًا وفلسفة جديدة وهل اللغة إلا علم بعد أن انقضت فينا الفطرة واختبلت الألسنة؟ وهل يناظر في كل علم إلا أهله؟ ولم لا ينصب هذا وأمثاله لمن يقوم على أداة من الآلات البخارية فيقول له لو كانت هذه القطعة مكان تلك ولو كان هذا التركيب القبيح أجمل مما هو ولو أخرت أو قدمت ولو زدت أو قللت ولو نقضت أو أقمت فعلت وفعلت ؟ وليت شعري ما يكون أمره وأمر صاحبه ذلك؟ وكيف يراه ويرى فيه من قول كله عي وحصر وعلم كله جهل وفضول.

ألم يأن أن يعلم هؤلاء أن من الرأي غررًا وأن راكب الخطر من ذلك إنما يركب رأسه وأن الأمة لم توقف شرعًا على فرد ولا أفراد وأن في الصمت زاوية باردة مظلمة تواري المخزيات لو عرف الجاهل معنى المخزية.

إن العجز مطواع وإن كل ما يُعَنِّي أهل الحزم يهم به العاجز ويراه سهلا لأن ذلك هو الذي يحقق معنى عجزه وما زال من يعجز عن الكتابة هو الذي يريد أن يصلحلغتها وأساليبها ومن يعجز عن الشعر هو الذي يقول في إصلاحه أوسع القول وهلم إلى أن تستوعب الباب كله فقد قالوا: إننا نخاطب الدهماء والأجلاف ومن يسف إلى منازلهم بكلام أهل نجد وألفاظ أهل السراة ونتوهم من سبل الحضارة بوادي قيس وتميم وأسد وبالجملة فنحن نضرب في حدود الفوضى التي لا وجه فيها ولا مخرج منها وفي ذلك مرزأة بالأدب ومضرة على الأمة وفساد كبير.

قالوا هذا وما يجري مجراه ويذهب في نزعته ولم يستحوا أن يصدعوا به وهم يرون إلى جانبهم من المستشرقين أعاجم قد فصحوا وأقبلوا على آدابنا وتاريخنا فوسعوها بما اتسع لهم من العلم، وأحاطوا بها ما أطاقوا بل كادوا يكونون أحق بها وأهلها وقد كانوا في غنى عن كل ذلك بلغاتهم وآدابهم وما أفاء الله عليهم ومكن لهم فيه ثم لم يشقق أصحابنا أن يبتلوا تاريخهم بالعقوق وهو الشكل الذي لا عزاء معه فأرادونا على أن نخلع بأنفسنا هذا التاريخ لا نعطيه طاعة ولا نبايع له منا عن جماعة ثم نكون كزنوج أفريقيا إذا غابت عنهم الشمس غاب عنهم التاريخ وإذا طلعت عليهم استأنفوا تاريخاً جديد.

أليسوا ينقمون منا أننا نشد أيدينا على لغة ليست لنا فلم لا ينقمون أننا نصرف وجوهنا إلى قبلة ليست في أرضنا ثم يقولون: إنهم يهجنون التصرف في اللغة وإرسال الألفاظ والأساليب على وجوهها العربية ويريدون أن يزيلوا التدبير في هذه الصناعة عن هذا الوجه لأنهم لا يحسونه ولا ينفذون فيه إذا تعاطوه ويريدون فوق ذلك أن يطرحوا عنا كد الصناعة لتكون خاتمة عجائبنا في هذا الجيل صناعة بلا كد.

ولعمري كيف يؤاتيهم هذا الأمر أو يستوسق لهم إذا قلبوا أوضاع الكلام وزايلوا بين أوصاله وذهبوا فيه مذهب الترقيع في الخلق بالجديد وفي الجديد بالخلق.

لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة جعلتها كالواعلة علينا والغريبة عنا وجعلتنا من نقص فهمنا فيهما بحيث نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه فصار إصلاح اللغة كأنه دُرْبة لإفسادنا وإفسادها فيما نتوهم دربة لإصلاحنا وإنما هما خطتان لا تفضي كلتاهما إلى شر من أختها مبدأ أو منقلبا وإن أقبح ما ترى من شيئين أن يكون أحسن الرأي تركهما جميعًا.

زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في استوائها وجمالها كصفحة السماء فهل البلاغة العربية إلا تلك وهل هذا أمر عربي؟ بلى وهل يعرفون أصلحهم الله أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يتفق لهما اغتصابًا واعتسافا واستكراها إذ لا يفهم من كل ذلك شيئًا إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته وإذ هي لغة أوسع من لغته مادة وصناعة فلم لا يكون الرأي أن ينزل الآباء إلى لغات أطفالهم ويقتصر هذا المنطق الإنساني على المترادف المتوارد من أسماء الألعاب الصبيانية وما يتلحق بها.

ثم ما هو حكم العامي وهو في كل أمة الطفل العلمي بجانب أهل العلوم أتراه يلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الصغير مع أبويه فلم تمحى العلوم وألفاظها ومصطلحاتها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما تتراخى به شُقَّةُ الفهم إذا تعاطاه ذلك العامي أو حاوله ويكون جهد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال.

وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في الحد الأعلى لهذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأدب فهل يكبر عليهم أن يكبروا ويشتدوا وأن يساوقوا الفطرة في مجراها فيأخذوا الشيء بأسبابه ويأتوا الأمر من بابه ويدعوا الرأي إلى يوم يكونون من أربابه؟ يصدرون رأيهم على جهل فإذا كشفت لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة أنكروا ما جئت به وحسبوك تفتري الكذب وأصروا واستكبروا استكبارًا لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون فالرأي عندهم هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما يتأدى إليه.

إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد تكون صفة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ولا قوام لها بغيرها فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية ولو انتزت بهم أمة أخرى غير الأمة العربية لهجروا العربية لا محالة وكذلك يتوجه هذا القياس طردًا وعكسا كما ترى وإن في العربية سرا خالدًا هو هذا الكتاب المبين القرآن الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويحكم منطقا وإعرابا بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها وبحيث يستوي فيه اللحن الخفي واللحن الظاهر ثم هذا المعنى الإسلامي الدين المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيم على الفطرة الإنسانية حيث توزعت وأين استقرت فالأمر أكثر من أن تؤثر فيه سورة حمق أو تأخذ منه كلمة جهل وأعضل من أن يزيله قلم كاتب ولو تناهت به سن الدهر حتى يلقى من الأمة أربعة عشر جيلا كالتي مرت منذ التاريخ الإسلامي إلى اليوم.

والقرآن الكريم ليس كتابا يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب فحسب إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عقده وإن كانت وثيقة ولأتى عليه الزمان أو بالحري لنفس من أمره شيء كثير من الأمم ولاستبان فيه مساغ للتحريف والتبديل من غال أو مبطل ولكانت عربيته الصريحة الخالصة عذرا للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثابت لهم قدرة على ذلك ولو فعلوه لما كان بدءًا من الرأي ولا مستنكرًا في قياس أصحابنا لأنهم لم يَعْدُوا منفعة طلبوها من سبيلها وخطة انتهجوها بدليلها.

وليس يقول هذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على دخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا يوجهه ولكن يتوجه معه ولا يُقبل به ولكن يدبر به الرأي.

إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية فلا يزال أهله مستعربين به متمیزین بهذه الجنسية حقيقة أو حكمًا حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطي هذا البسيط ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله ولما تماسكت أجزاء هذه الأمة ولا استقلت بها الوحدة الإسلامية ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينهم فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحمهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية، لا السياسية فلا تتبين من آثارهم في أنفسهم بعد ذلك إلا كما يثبت من طرائق الماء إذا انساب الجدول في المحيط.

إنما يصب الله علينا بلاء فتياننا لأنهم ينشئون في أرضنا نشأة المستعبد الرقيق وإن غُنْما لهم أن نحرص على ما بقي من جنسيتنا العربية وأن نشعب لحفظ هذه الصلة وتوثيق تلك العقدة بيننا أسلافنا ونمد من ذلك سببًا إلى حاضرنا ثم إلى مستقبلنا فلا يكون في تاريخنا اقتضاب ولا بتر ثم لكيلا نكون على ديننا ولغتنا ما كان أولئك الأوشاب والزعانف من الترك والديلم إلى غيرهما من أصناف تلك الحمراء التي اجتاحت العرب منذ الدولة العباسية ورتعت في أمور الناس وجعلت بأسهم بينهم لعلة المباينة في الجنسية اللغوية حتى لم يكن في ثمانمائة سنة من استبدادهم ما يعدل ثمانين سنة كانت منذ أول العهد بالإسلام ولكن أني لفتياننا ذلك وهم لا يأخذون من لغتهم ولا يصيبون من آدابها إلا كما يأخذ الإسفنج من الماء ينتفخ بقليل منه ثم لا يلبث أن يمجه أو يتطاير منه ولا يثبت فيه شيء.

على أنك لو اعترضت كل من يهجن العربية ويُزري على سبكها لرأيته أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها ثم لرأيت له غرَّةً في تاريخ قومه فهو إن عرف منه شيئًا فقد تجرد من تمرة المعرفة كأنه يحفظ طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس ثم ترى الآفة الكبرى أنه مُستدرج من حيث لا يعلم فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويجزي منفعة تاريخ علمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه والناس أعداء ما يجهلون.

نعم بقي لأصحابنا مذهب آخر ينتحلونه ويستدفعون به الظُّنَّة وهو من أحسن رأيهم الذي يعانون عليه لو فهموه على الوجه الذي يُفهم منه ولو أبدوا لنا صفحته دون قفائه وذلك أنهم يقولون: إننا نريد أن نلائم بين حاجة الأمة من الكلام وبين الكلام الذي تبلغ به هذه الحاجة ونريد الإصلاح ما استطعنا فنلبس تاريخنا وعاداتنا ديباجا من الكلام بطراز وغير طراز ولا نترك أمتنا على سوم بين العربية واللغات الأجنبية ونحن نقول: إن هذا أمر ليس له مترك ولا عنه محيص ولكن أين ما ينزعون إليه مما ينزعون به وهم إنما خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا وإنما يُؤتَون من حساب العربية الفصحى لغة أثرية لا تُماد الزمن ولا تشايع روح التاريخ فيرون أنها لا بد أن تكون قد انقرضت مع أهلها فلا تبقى إلا لقوم في حكم أولئك المنقرضين ثم يُفضون من هذا الوهم إلى تلك المخرقة التي أشرنا إليها في صدر الكلام لأنهم لم يمارسوا هذه اللغة وإنما علموها عن عُرض وهذا ولا جرم ضرب من الجهل العلمي ولو هم فقهوا سر العربية ووقفوا على طرق تركيبها وجاذبوا من أزمتها وصرفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها الفطرية التي خرجت بها من ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة كما فصلنا القول فيه لعرفوا كيف يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير فاسد كما ذهبوا إليه ولتقلدوا البلية من حيث يدفعونها لا من حيث تدفعهم ولكنهم كما ترى يصفون لنا الفوضى وهم صفاتها ويطبون للأمة وهم آفاتها ويبادرون حسم الأمور بما يتفاقم به صَدْعُها ويضعون أوزار النوائب بما يثور به نفعها وما عليهم إذا تبينوا أن يصيبوا قوما بجهالة أو يردوهم عن الهدى إلى ضلالة فاللهم بصرنا بأقدارنا ولا تُذِلُّنا بصغارنا ولا تخذلنا في الأمل وأنت الرحيم دون غاية أَتَحْتَ لنا وقتها ولا تجعلنا في العمل كأهل الجحيم كلما دخلت أمة لعنت أختها.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل مارس 14، 2025 في تصنيف منوعات بواسطة alaistfada (2.9مليون نقاط)
0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...