مهد البشرية :
الحياة في شرق كردستان
• المقدمة :
هذا هو كتاب التأخي الثاني الذي وعدت به قراءها في اوائل يوم صدورها عقب بيان الحادي عشر
من اذار ووقف حرب الاخوة تأخر صدوره للمصاعب التي يعانيها الناشرون من المطابع والطباعة.
هذا الكتاب و امثاله هي كتب سياحات ورحلات و دراسات وانطباعات سجلها باحثون وكتاب اجانب مروا ببلادنا لسبب ما او آخر وبعضهم استقر فيها سنينا فأموا كردستان العراقية في مختلف الفترات سائحين او فضوليين او موظفين عاملين او ساسة مكلفين بمهام خاصة رسمية أكانت ام سرية.
ولنشر امثال هذه الكتب باللغة العربية فوائد جمة تتضاعف اهميتها في هذا الظرف بالذات ظرف
السلام والاستقرار واعادة البناء والتصافي فهناك مثلا فائدة في تعريف العالم العربي بالشعب
الكردي واغناء المكتبة العربية الفقيرة من هذه الناحية تطلعا الي المزيد من التفهم فها هوذا شعب كبير في شماله يتصل به باكثر من صلة لا يعرف عنه قدر معرفته بالشعوب الأخرى ان ادراكه له منيتا وتاريخا وحضارة وخلقا وفكرا يعينه على فهم وتقدير تطلعاته الوطنية والقومية فلا تعود مطالبة الشعب الكردي بحقوقه المشروعة ومدافعته عنها تثير العجب والاستنكار من جانب غير منصف يجهل الحقيقة.
ان الاوضاع السياسية التي سادت الشرق الأوسط في النصف الأول من القرن العشرين جعلت بلاده ولا سيما العالم العربي خاضعة للنفوذ الاجنبي باقدار متفاوتة ومن بين الوسائل التي كان يلجأ اليها هذا النفوذ لضمان بقائه نزع الثقة وبذر الشك المتبادل بين العناصر القومية والمذهبية في البلد الواحد وتشجيع الضغائن بين الطوائف بعد اختراعها معتمدا بذلك على عقدة الجهل الذي تعاني منه تلك الشعوب لان الوحدة الفكرية والتعايش الودي والتلاحم بين مواطني البلد الواحد هو الخطر الاعظم على هذا النفوذ ولذلك ظل يحرص على تعلية الجدار الذي بناه بين القوميتين الرئيستين في بلادنا وحبس الافكار في نطاق الحقد والثأر والتوجس والحذر وليس مثل الكتب وثمار القرائح معولا يهدم هذا الجدار قد تكون محتويات بعض الكتب او بكلمة أخرى بعض محتويات هذه الكتب مغلوطة او مضللة عمدا ام بحسن نية أو قد تكون حماسية أو متحيزة أو مما لا يرتاح اليه المترجم أو القارئ لاسباب تتعلق بأرائه الشخصية وقد تنكأ جراحا او تذكر بماض معتم مع ذلك كله فهي ضرورية ان اشد ما يعيبه علينا الأوربيون نحن الشرقيين ولاسيما سكان هذه المنطقة هو اننا نهرب من الحقائق الاليمة وتحاول اسقاطها من الحساب كأنها لم تحدث اطلاقا وهذا ما يسم حلولنا للمشاكل التي تجابهنا بميسم النقص والنظر اليها بعين الديك كما يقول المثل أي من جهة واحدة وكل هذا لاننا لا نريد أن نتألم او اننا نكره أن نذكر بخطأ اقدمنا عليه نحن ام اسلافنا ان التاريخ طاحونة صماء لا ترحم احدا
ولا تتحيز لاحد ولا تحابي احدا والجراح قاتلة ان هي التأمت على قيح والحري بالكتاب العراقيين عربا كانوا ام اكرادا ان لا يتهيبوا الماضي لكونه مؤلما طالما كان في هذا الماضي ثم فائدة للحاضر والمستقبل وبذلك فحسب يظهرون صدقهم واخلاصهم لعملهم ورسالتهم وبالتالي لشعبهم.
لذلك كان من الغباء والحمق أن نتصور بأن نقل امثال هذه الكتب الى العربية ونشرها يرمي الي تأريث الاحقاد او ايقاظ الفتنة او اجراء محاكمة عامة لالقاء تبعات الاحداث الماضية على هذا الفريق دون ذلك لاسيما اذا ادركنا الحقيقة الآتية وهي أن العناصر العربية والكردية في زمن النفوذ الاجنبي وتحت ظل الحكومات الأوليغارشية لم تكن تملك زمام امورها فلا تعود موضع اتهام في هذه المحاكمة مطلقا بهذا الشكل علينا ان ننظر الى كتابنا المترجم وبهذه الروح المتفهمة تم السماح بنشره ونشر امثاله من قبل وزارة الاعلام.
ان استخلاص الدروس والعبر وتفهم تاريخنا القريب هو الغرض الثالث لنقل هذه السلسلة من الكتب.
كانت الدول المسيطرة على هذه المنطقة ايام تأليف الكتاب غير الدول التي تحكمها اليوم. لقد دالت الدولة العثمانية بسلاطينها ودالت الدولة الايرانية بقاجاربيها وامبراطورية روسيا بقياصرتها وتخلص العراق من النفوذ الانكليزي واحتلاله وهذا الكتاب اصلا يروي قصة مأسي الشعوب والطوائف التي كانت تعاني من نفوذ هذه الدول في الشرق الأوسط وفي مقدمتها الكرد والعرب والأرمن والاثوريون كيف كانت اطماع تلك الدول تعبث بمقدرات هذا الشعب الامي يرويها لاهوتي اسكتلندي مثقف للغاية واديب وسياسي قدم مع الأول في زيارة مكث الأخير زهاء عشر سنوات في شرق كردستان مبعوثا دينيا من لدن رئيس اساقفة كانتربري لاستصلاح احوال الاثوريين الدينية في موطنهم یکردستان و وظيفته التي تلون الكتاب بلون صارخ لا تحجب مطلقا تلك الاحكام السياسية والاجتماعية والملاحظات العميقة الطريقة التي يبديها ونكتتهما اللاذعة احيانا واستخدامهما الفاظا قوية لنعت بعض الاحداث والشخصيات لا تخفي مطلقا عطفهما البالغ على شعوب منطقة شرق کردستان والبلاد العربية التي وصفاها وتخوفهما من المصير الأليم الذي ينتظرها بعد الحرب الأولى الكبرى ثم اعتذارهما وتحيزهما الظاهر الحكم الاحتلال الانكليزي وبهذه الروح المطلقة تراهما يظهران تحمسا للاكراد مع شجب قاس احيانا لعادات المجتمع القبلي وما يشوبه من نقائض ونقائص وعيوب ولهذا لا يمكن أن تحمل ما كتباه عن الاكراد والاثوريين محمل تحيز او محمل شجب في الوقت ذاته لقد وجد المؤلفان في الشعب الكردي واثوربي حكاري مشابه كثيرة جدا بشعبهم الاسكتلندي القبائلي في القرون الوسطي الى ما قبل ثلاثة قرون فحسب ولذلك كان كتابهما ملينا بالمقايسات الظريفة الملذة والاقاصيص والحكايات والنوادر فكانت مهمتنا صعبة في تقريب هذه المقايسات الى ذهن القاري العربي بالهوامش والتعليقات والشروح فاقتصرنا على التعريف باهم ما ورد من تلك المعجمات والاسماء والحوادث المساعدة القاري في تفهم المقصود حيثما خيل لنا بأن الموضوع سيغمض عليه واختصرنا في شروحنا لتجنيبه عناء قطع الاسترسال والنظر إلى الحاشية باستمرار.
واذا كان لمترجم الكتاب أن يقول شيئا خلاف ذلك فهو نصيحة يزجيها للقاريء.
ان هذا الكتاب هو مجموعة احداث تاريخية واجتماعية بعيدة عن زمننا بعض الشيء فضلا عن كونها مسحا جغرافيا وخلقيا وحضاريا كتبها اجنبي مستطرق قد نتفق معه وقد لا نتفق في آراء له وان هذا الكتاب بالاصل صدر في طبعتين وقد قرأه الاف الناس فهو والحالة هذه جزء من التاريخ العام للمنطقة قابل للنقاش والاخذ والرد والواجب والحالة هذه ان يقرأه الجميع بسعة فكر واحترام رأي وتسامح ان كتابا يرضى عنه جميع القراء هو كتاب لم يؤلف بعد اما اذا كان القاري من أولئك السبيء الظن في كل شيء أو ممن يرون تحت كل حجر أفعى ويتخيلون الغرض الاسود تحت البرقع الابيض فخير لامثال هذا القاري ان يجنبوا لأنفسهم الانفعال ينبذ الكتاب جانبا بعد الانتهاء من قراءة هذه الكلمة.
• ماوراء عوارض السكة الحديد : حلب وأورفة :-
الجني الأسير المنطلق من قمقم سليمان النحاسي في جو لندن القرن العشرين يجد هنا مخلوقات من بني جلدته وسط اشياء كثيرة غريبة جداً هناك قاطرات بخارية هي في الواقع مثله جاءت من عالم الجان الا انها عوملت اقسى معاملة فقد شدها سحر السلطان القوى الى عمل اشق واضنى مما يحلم به الملك سليمان.
والحق يقال ان محنة سليمان مفهومة إذ لو ان معشر الجن انقرض اليوم والمرء يخالجه الشك في هذا بعد زيارته آسيا فلا ريب وان سلندرات القطار ومراجله تحركها قوى الجان انها الان تعمل بانتظام بعد ان كان عملها نادرا متقطعا ومع ان الضجيج الذي تشيره حالياً هو اقل من الماضي الا ان ما تنجزه من عمل هو أكثر بكثير ان خدام المصباح والخاتم السحريين ينتجون طاقة عظيمة ذات قوى انفجارية الا ان دائرة نشاطهم محدودة فهم يستطيعون تشييد قصر علاء الدين في ليلة واحدة ونقله الى افريقية بومضة عين الا ان هاته المردة الاليفة المدجنة قادرة على اجراء تغيير سحري في احوال مجتمعات برمتها وتقديم
عقارب ساعة التطور الحضاري بوثبة واحدة.
والان راح غربيو هذا العصر هؤلاء السحرة يطلقون تلكم العفاريت الجبارة على عاصمة هرون الرشيد نفسها وان سلالة هذا الخليفة ستهب من رقادها في صبيحة يوم جميل بعد قرون لتجد نفسها في سماء وارض جديدتين لا عهد لها بمثلها.
بدأ العمل بسكة حديد بغداد ووصل القطار حتى مدينة حلب و ذاك النهر نهر الفرات.
علته قسيسات وجسور السكة وتقاطعت فوقه حتى لم يبق للقطار الا وثبة واحدة ليصل الموصل قاطعا اراضي سهلة وبادية قفراء لا تحتاج الى اكثر من مد العوارض ورصفها دون تمهيد او تعبيد وستعود الرحلة التي تستنفذ منك الآن اسبوعين فهي نزهة لا تزيد عن عشر ساعات من السفر وما هو الآن مستنقع من الماء الراكد سيجرفه خط من خطوط التجارة الرئيسة في العالم ثم من ذا الذي يستطيع ان يتكهن بالتغيير الذي سيتلو هذا ؟ ان الاصلاحات الغربية لا يمكن ان تهدي الشرق سواء السبيل او ان تصلحه شأنها في هذا شأن فتوحات الاسكندر المقدوني الا انها قد تخرج من غير قصد صنفا من اصناف الإنسان الفرانكشتايني.
على ان الشرق في هذه الاثناء كان يتجمل بالانتظار غير شاعر بما يجري لانه لا يفكر في غده فمع ان اشباح الاحداث المقبلة واضحة لعينيه الا انها غير مفهومة فالحياة مازالت هي هي منذ ايام ابينا نوح وسائح هذا الجميل يجد تلك العادات والاخلاق في شرق ولاية حلب لم يطرأ عليها أي تغيير بينما يجد سائح الجيل التالي انها قد كنست كنسا وعفي عنها لذلك فمن المحتمل ان يعلق بعض الاهمية على وصف غير مترابط الحلقات للحياة التي تتمتع بها تلكم البقاع او تعانيها حياة قد تجدها المجتمعات الاخرى الاكثر تنظيماً امراً شاذاً غير مألوف.
حلب مدينة شرقية كبيرة تجثم في منخفض متطامن حول قلعة عظيمة مشرفة على كل ما في المدينة من ابنية وهي الان رأس السكة الحديد الحالية وقد بدأت تباشير معالم الحضارة الغربية تظهر فيها فغدا الحي القريب من محطة سكة الحديد زاخراً بالشوارع العريضة والفنادق لكن السائح العائد لا السائح القادم هو الذي سيندهش لهذه المعالم فالاخير لن يدركه غير العجب من تقليد ساذج بدائي يراد به ان يخلف تأثيراً للشيء الحقيقي الاصيل ترى الموضع يصقل وتعاد هندمته من الخارج فترتفع المنازل الجديدة على الطرز الافرنجي وتتلع جيدها فخورة كأخوة لها تنتشر حول حي السوق في طنجة اما في الداخل فتجد فيها القذارة الشرقية وتتبين فقرها في وسائل الراحة فالتركي يرتاح لما تكسو جسمه اية قشرة وترى اغلب دروب المدينة ضيقة ملتوية سيئة التعبيد تعلوها من الجانبين البواكي والشرفات الخشبية التي يكاد بعضها يلتحم بالاخر فوق الزقاق مثل اضراس الفك وفي وسط هذا التيه من المنعطفات المنفرة تشرئب المساجد باعناقها وهي البنايات الوحيدة التي تستلفت النظر بمنائرها البارزة من بعيد على انها لا تصلح ان تكون نقاط هداية الى سبيل او موضع.
وتقوم قلعة حلب المشرفة على المدينة فوق تل ترابي هائل الجرم وهي ليست اصغر بكثير من قلعة كورف، ان هذا التل ارتفع على نشر خفيف من الأرض داخل اسوار المدينة بتكديس المزيد من التراب وربما كان وسط التل طبيعيا الا ان القشرة هي من عمل الانسان لانه كان بالاصل احد المواضع المرتفعة العظمى التي خصصت لعبادة بعل تلك العبادة التي ازدهرت وانتشرت في شمال سورية وتركت أثاراً مشابهة لاثار ممارستها في التلال المجاورة كتل حمص وتل بعلبك، ويحيط بقاعدة التل خندق جاف وجوانبه الشديدة الانحدار تكاد تغص بالابنية وقمته تتوجها الابراج والاسوار وهي الجزء الاعتق من الحصن وليس له غير مدخل واحد وهو باب ضخم وبناء الحصن القائم الآن هو من عمل اصلاح الدين الذي قيل انه استخدم لذلك اسرى الحرب الصليبيين ممن وقع في يده بنتيجة معركة طبرية وفي القلعة بعض الاساليب العمارية الغربية مما يعزز هذا الزعم على انها كانت قلعة مشهورة جداً قبل صلاح الدين بزمن بعيد.
كانت حلب احدى القلاع القليلة التي صمدت صموداً مشرفاً امام اول اندفاع للمسلمين إذ لم يصمد للحصار الشديد اية مدينة من مدن الحدود الشرقية العظيمة كأديسا أورفه وآميده آمد و دارا ديار بكر لقد وصل النزاع الطائفي في الامبراطورية البيزنطية حداً من العنف والشدة في تلكم الفترة حتى جعل الفاتحين العرب يدخلون البلاد ضيوفاً مكرمين أكثر منهم غزاة.
كان يتولى الدفاع عن قلعة حلب قائد بيزنطي يدعى يوكنا ابلى في دفاعه بلاء حسنا واستمات حتى كاد القائد الجبار خالد الملقب بسيف الله المسلول يقنط من النجاح ولم يستمر في حصاره الا بأمر مباشر خاص صدر له من الخليفة عمر وتطوع عبد اسود شجاع يدعى دامس لمحاولة اتسمت بالبسالة الخارقة ولم يعترض خالد على الخطة التي اعتمدها ولاجل التمويه وافق على سحب قواته المحاصرة الى مسافة فظن يوكنا ان الحصار قد رفع عن المدينة وابتلع الطعم بسهولة فتراخي حرس القلعة وراح رجال الحصن يعر بدون ويسكرون في حين تسلل دامس مع ثلاثين من رفاقه في دجنة الليل حتى بلغوا الاسوار وبنوا من جسومهم سلماً بشرياً قاعدته العبد الجبار وعلا كل واحد منهم كتف الآخر حتى بلغ سابعهم حافة السور فاعتلاه ثم حل عمامته واتخذ منها حبلا اخذ يسحب به رفاقه الى الاعلى واحدا فواحدا وبعد أن قضوا على فئة قليلة من الحرس وهم في طريقهم الى باب القلعة نجحوا في الاستيلاء على المدخل قبل ان يفطن رجال الحامية وظلوا يدافعون عن هذا المدخل في وجه الحرس المستيقظ حتى اصبح الصباح ووصل خالد لنجدتهم فاستسلم يوكنا حين وجد المقاومة لا تجدي.