0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

مهد البشرية :

الحياة في شرق كردستان

• المقدمة :

هذا هو كتاب التأخي الثاني الذي وعدت به قراءها في اوائل يوم صدورها عقب بيان الحادي عشر

من اذار ووقف حرب الاخوة تأخر صدوره للمصاعب التي يعانيها الناشرون من المطابع والطباعة.

هذا الكتاب و امثاله هي كتب سياحات ورحلات و دراسات وانطباعات سجلها باحثون وكتاب اجانب مروا ببلادنا لسبب ما او آخر وبعضهم استقر فيها سنينا فأموا كردستان العراقية في مختلف الفترات سائحين او فضوليين او موظفين عاملين او ساسة مكلفين بمهام خاصة رسمية أكانت ام سرية.

ولنشر امثال هذه الكتب باللغة العربية فوائد جمة تتضاعف اهميتها في هذا الظرف بالذات ظرف

السلام والاستقرار واعادة البناء والتصافي فهناك مثلا فائدة في تعريف العالم العربي بالشعب

الكردي واغناء المكتبة العربية الفقيرة من هذه الناحية تطلعا الي المزيد من التفهم فها هوذا شعب كبير في شماله يتصل به باكثر من صلة لا يعرف عنه قدر معرفته بالشعوب الأخرى ان ادراكه له منيتا وتاريخا وحضارة وخلقا وفكرا يعينه على فهم وتقدير تطلعاته الوطنية والقومية فلا تعود مطالبة الشعب الكردي بحقوقه المشروعة ومدافعته عنها تثير العجب والاستنكار من جانب غير منصف يجهل الحقيقة.

ان الاوضاع السياسية التي سادت الشرق الأوسط في النصف الأول من القرن العشرين جعلت بلاده ولا سيما العالم العربي خاضعة للنفوذ الاجنبي باقدار متفاوتة ومن بين الوسائل التي كان يلجأ اليها هذا النفوذ لضمان بقائه نزع الثقة وبذر الشك المتبادل بين العناصر القومية والمذهبية في البلد الواحد وتشجيع الضغائن بين الطوائف بعد اختراعها معتمدا بذلك على عقدة الجهل الذي تعاني منه تلك الشعوب لان الوحدة الفكرية والتعايش الودي والتلاحم بين مواطني البلد الواحد هو الخطر الاعظم على هذا النفوذ ولذلك ظل يحرص على تعلية الجدار الذي بناه بين القوميتين الرئيستين في بلادنا وحبس الافكار في نطاق الحقد والثأر والتوجس والحذر وليس مثل الكتب وثمار القرائح معولا يهدم هذا الجدار قد تكون محتويات بعض الكتب او بكلمة أخرى بعض محتويات هذه الكتب مغلوطة او مضللة عمدا ام بحسن نية أو قد تكون حماسية أو متحيزة أو مما لا يرتاح اليه المترجم أو القارئ لاسباب تتعلق بأرائه الشخصية وقد تنكأ جراحا او تذكر بماض معتم مع ذلك كله فهي ضرورية ان اشد ما يعيبه علينا الأوربيون نحن الشرقيين ولاسيما سكان هذه المنطقة هو اننا نهرب من الحقائق الاليمة وتحاول اسقاطها من الحساب كأنها لم تحدث اطلاقا وهذا ما يسم حلولنا للمشاكل التي تجابهنا بميسم النقص والنظر اليها بعين الديك كما يقول المثل أي من جهة واحدة وكل هذا لاننا لا نريد أن نتألم او اننا نكره أن نذكر بخطأ اقدمنا عليه نحن ام اسلافنا ان التاريخ طاحونة صماء لا ترحم احدا

ولا تتحيز لاحد ولا تحابي احدا والجراح قاتلة ان هي التأمت على قيح والحري بالكتاب العراقيين عربا كانوا ام اكرادا ان لا يتهيبوا الماضي لكونه مؤلما طالما كان في هذا الماضي ثم فائدة للحاضر والمستقبل وبذلك فحسب يظهرون صدقهم واخلاصهم لعملهم ورسالتهم وبالتالي لشعبهم.

لذلك كان من الغباء والحمق أن نتصور بأن نقل امثال هذه الكتب الى العربية ونشرها يرمي الي تأريث الاحقاد او ايقاظ الفتنة او اجراء محاكمة عامة لالقاء تبعات الاحداث الماضية على هذا الفريق دون ذلك لاسيما اذا ادركنا الحقيقة الآتية وهي أن العناصر العربية والكردية في زمن النفوذ الاجنبي وتحت ظل الحكومات الأوليغارشية لم تكن تملك زمام امورها فلا تعود موضع اتهام في هذه المحاكمة مطلقا بهذا الشكل علينا ان ننظر الى كتابنا المترجم وبهذه الروح المتفهمة تم السماح بنشره ونشر امثاله من قبل وزارة الاعلام.

ان استخلاص الدروس والعبر وتفهم تاريخنا القريب هو الغرض الثالث لنقل هذه السلسلة من الكتب.

كانت الدول المسيطرة على هذه المنطقة ايام تأليف الكتاب غير الدول التي تحكمها اليوم. لقد دالت الدولة العثمانية بسلاطينها ودالت الدولة الايرانية بقاجاربيها وامبراطورية روسيا بقياصرتها وتخلص العراق من النفوذ الانكليزي واحتلاله وهذا الكتاب اصلا يروي قصة مأسي الشعوب والطوائف التي كانت تعاني من نفوذ هذه الدول في الشرق الأوسط وفي مقدمتها الكرد والعرب والأرمن والاثوريون كيف كانت اطماع تلك الدول تعبث بمقدرات هذا الشعب الامي يرويها لاهوتي اسكتلندي مثقف للغاية واديب وسياسي قدم مع الأول في زيارة مكث الأخير زهاء عشر سنوات في شرق كردستان مبعوثا دينيا من لدن رئيس اساقفة كانتربري لاستصلاح احوال الاثوريين الدينية في موطنهم یکردستان و وظيفته التي تلون الكتاب بلون صارخ لا تحجب مطلقا تلك الاحكام السياسية والاجتماعية والملاحظات العميقة الطريقة التي يبديها ونكتتهما اللاذعة احيانا واستخدامهما الفاظا قوية لنعت بعض الاحداث والشخصيات لا تخفي مطلقا عطفهما البالغ على شعوب منطقة شرق کردستان والبلاد العربية التي وصفاها وتخوفهما من المصير الأليم الذي ينتظرها بعد الحرب الأولى الكبرى ثم اعتذارهما وتحيزهما الظاهر الحكم الاحتلال الانكليزي وبهذه الروح المطلقة تراهما يظهران تحمسا للاكراد مع شجب قاس احيانا لعادات المجتمع القبلي وما يشوبه من نقائض ونقائص وعيوب ولهذا لا يمكن أن تحمل ما كتباه عن الاكراد والاثوريين محمل تحيز او محمل شجب في الوقت ذاته لقد وجد المؤلفان في الشعب الكردي واثوربي حكاري مشابه كثيرة جدا بشعبهم الاسكتلندي القبائلي في القرون الوسطي الى ما قبل ثلاثة قرون فحسب ولذلك كان كتابهما ملينا بالمقايسات الظريفة الملذة والاقاصيص والحكايات والنوادر فكانت مهمتنا صعبة في تقريب هذه المقايسات الى ذهن القاري العربي بالهوامش والتعليقات والشروح فاقتصرنا على التعريف باهم ما ورد من تلك المعجمات والاسماء والحوادث المساعدة القاري في تفهم المقصود حيثما خيل لنا بأن الموضوع سيغمض عليه واختصرنا في شروحنا لتجنيبه عناء قطع الاسترسال والنظر إلى الحاشية باستمرار.

واذا كان لمترجم الكتاب أن يقول شيئا خلاف ذلك فهو نصيحة يزجيها للقاريء.

ان هذا الكتاب هو مجموعة احداث تاريخية واجتماعية بعيدة عن زمننا بعض الشيء فضلا عن كونها مسحا جغرافيا وخلقيا وحضاريا كتبها اجنبي مستطرق قد نتفق معه وقد لا نتفق في آراء له وان هذا الكتاب بالاصل صدر في طبعتين وقد قرأه الاف الناس فهو والحالة هذه جزء من التاريخ العام للمنطقة قابل للنقاش والاخذ والرد والواجب والحالة هذه ان يقرأه الجميع بسعة فكر واحترام رأي وتسامح ان كتابا يرضى عنه جميع القراء هو كتاب لم يؤلف بعد اما اذا كان القاري من أولئك السبيء الظن في كل شيء أو ممن يرون تحت كل حجر أفعى ويتخيلون الغرض الاسود تحت البرقع الابيض فخير لامثال هذا القاري ان يجنبوا لأنفسهم الانفعال ينبذ الكتاب جانبا بعد الانتهاء من قراءة هذه الكلمة.

• ماوراء عوارض السكة الحديد : حلب وأورفة :-

الجني الأسير المنطلق من قمقم سليمان النحاسي في جو لندن القرن العشرين يجد هنا مخلوقات من بني جلدته وسط اشياء كثيرة غريبة جداً هناك قاطرات بخارية هي في الواقع مثله جاءت من عالم الجان الا انها عوملت اقسى معاملة فقد شدها سحر السلطان القوى الى عمل اشق واضنى مما يحلم به الملك سليمان.

والحق يقال ان محنة سليمان مفهومة إذ لو ان معشر الجن انقرض اليوم والمرء يخالجه الشك في هذا بعد زيارته آسيا فلا ريب وان سلندرات القطار ومراجله تحركها قوى الجان انها الان تعمل بانتظام بعد ان كان عملها نادرا متقطعا ومع ان الضجيج الذي تشيره حالياً هو اقل من الماضي الا ان ما تنجزه من عمل هو أكثر بكثير ان خدام المصباح والخاتم السحريين ينتجون طاقة عظيمة ذات قوى انفجارية الا ان دائرة نشاطهم محدودة فهم يستطيعون تشييد قصر علاء الدين في ليلة واحدة ونقله الى افريقية بومضة عين الا ان هاته المردة الاليفة المدجنة قادرة على اجراء تغيير سحري في احوال مجتمعات برمتها وتقديم

عقارب ساعة التطور الحضاري بوثبة واحدة.

والان راح غربيو هذا العصر هؤلاء السحرة يطلقون تلكم العفاريت الجبارة على عاصمة هرون الرشيد نفسها وان سلالة هذا الخليفة ستهب من رقادها في صبيحة يوم جميل بعد قرون لتجد نفسها في سماء وارض جديدتين لا عهد لها بمثلها.

بدأ العمل بسكة حديد بغداد ووصل القطار حتى مدينة حلب و ذاك النهر نهر الفرات. 

علته قسيسات وجسور السكة وتقاطعت فوقه حتى لم يبق للقطار الا وثبة واحدة ليصل الموصل قاطعا اراضي سهلة وبادية قفراء لا تحتاج الى اكثر من مد العوارض ورصفها دون تمهيد او تعبيد وستعود الرحلة التي تستنفذ منك الآن اسبوعين فهي نزهة لا تزيد عن عشر ساعات من السفر وما هو الآن مستنقع من الماء الراكد سيجرفه خط من خطوط التجارة الرئيسة في العالم ثم من ذا الذي يستطيع ان يتكهن بالتغيير الذي سيتلو هذا ؟ ان الاصلاحات الغربية لا يمكن ان تهدي الشرق سواء السبيل او ان تصلحه شأنها في هذا شأن فتوحات الاسكندر المقدوني الا انها قد تخرج من غير قصد صنفا من اصناف الإنسان الفرانكشتايني. 

على ان الشرق في هذه الاثناء كان يتجمل بالانتظار غير شاعر بما يجري لانه لا يفكر في غده فمع ان اشباح الاحداث المقبلة واضحة لعينيه الا انها غير مفهومة فالحياة مازالت هي هي منذ ايام ابينا نوح وسائح هذا الجميل يجد تلك العادات والاخلاق في شرق ولاية حلب لم يطرأ عليها أي تغيير بينما يجد سائح الجيل التالي انها قد كنست كنسا وعفي عنها لذلك فمن المحتمل ان يعلق بعض الاهمية على وصف غير مترابط الحلقات للحياة التي تتمتع بها تلكم البقاع او تعانيها حياة قد تجدها المجتمعات الاخرى الاكثر تنظيماً امراً شاذاً غير مألوف.

حلب مدينة شرقية كبيرة تجثم في منخفض متطامن حول قلعة عظيمة مشرفة على كل ما في المدينة من ابنية وهي الان رأس السكة الحديد الحالية وقد بدأت تباشير معالم الحضارة الغربية تظهر فيها فغدا الحي القريب من محطة سكة الحديد زاخراً بالشوارع العريضة والفنادق لكن السائح العائد لا السائح القادم هو الذي سيندهش لهذه المعالم فالاخير لن يدركه غير العجب من تقليد ساذج بدائي يراد به ان يخلف تأثيراً للشيء الحقيقي الاصيل ترى الموضع يصقل وتعاد هندمته من الخارج فترتفع المنازل الجديدة على الطرز الافرنجي وتتلع جيدها فخورة كأخوة لها تنتشر حول حي السوق في طنجة اما في الداخل فتجد فيها القذارة الشرقية وتتبين فقرها في وسائل الراحة فالتركي يرتاح لما تكسو جسمه اية قشرة وترى اغلب دروب المدينة ضيقة ملتوية سيئة التعبيد تعلوها من الجانبين البواكي والشرفات الخشبية التي يكاد بعضها يلتحم بالاخر فوق الزقاق مثل اضراس الفك وفي وسط هذا التيه من المنعطفات المنفرة تشرئب المساجد باعناقها وهي البنايات الوحيدة التي تستلفت النظر بمنائرها البارزة من بعيد على انها لا تصلح ان تكون نقاط هداية الى سبيل او موضع.

وتقوم قلعة حلب المشرفة على المدينة فوق تل ترابي هائل الجرم وهي ليست اصغر بكثير من قلعة كورف، ان هذا التل ارتفع على نشر خفيف من الأرض داخل اسوار المدينة بتكديس المزيد من التراب وربما كان وسط التل طبيعيا الا ان القشرة هي من عمل الانسان لانه كان بالاصل احد المواضع المرتفعة العظمى التي خصصت لعبادة بعل تلك العبادة التي ازدهرت وانتشرت في شمال سورية وتركت أثاراً مشابهة لاثار ممارستها في التلال المجاورة كتل حمص وتل بعلبك، ويحيط بقاعدة التل خندق جاف وجوانبه الشديدة الانحدار تكاد تغص بالابنية وقمته تتوجها الابراج والاسوار وهي الجزء الاعتق من الحصن وليس له غير مدخل واحد وهو باب ضخم وبناء الحصن القائم الآن هو من عمل اصلاح الدين الذي قيل انه استخدم لذلك اسرى الحرب الصليبيين ممن وقع في يده بنتيجة معركة طبرية وفي القلعة بعض الاساليب العمارية الغربية مما يعزز هذا الزعم على انها كانت قلعة مشهورة جداً قبل صلاح الدين بزمن بعيد.

كانت حلب احدى القلاع القليلة التي صمدت صموداً مشرفاً امام اول اندفاع للمسلمين إذ لم يصمد للحصار الشديد اية مدينة من مدن الحدود الشرقية العظيمة كأديسا أورفه وآميده آمد و دارا ديار بكر لقد وصل النزاع الطائفي في الامبراطورية البيزنطية حداً من العنف والشدة في تلكم الفترة حتى جعل الفاتحين العرب يدخلون البلاد ضيوفاً مكرمين أكثر منهم غزاة.

كان يتولى الدفاع عن قلعة حلب قائد بيزنطي يدعى يوكنا ابلى في دفاعه بلاء حسنا واستمات حتى كاد القائد الجبار خالد الملقب بسيف الله المسلول يقنط من النجاح ولم يستمر في حصاره الا بأمر مباشر خاص صدر له من الخليفة عمر وتطوع عبد اسود شجاع يدعى دامس لمحاولة اتسمت بالبسالة الخارقة ولم يعترض خالد على الخطة التي اعتمدها ولاجل التمويه وافق على سحب قواته المحاصرة الى مسافة فظن يوكنا ان الحصار قد رفع عن المدينة وابتلع الطعم بسهولة فتراخي حرس القلعة وراح رجال الحصن يعر بدون ويسكرون في حين تسلل دامس مع ثلاثين من رفاقه في دجنة الليل حتى بلغوا الاسوار وبنوا من جسومهم سلماً بشرياً قاعدته العبد الجبار وعلا كل واحد منهم كتف الآخر حتى بلغ سابعهم حافة السور فاعتلاه ثم حل عمامته واتخذ منها حبلا اخذ يسحب به رفاقه الى الاعلى واحدا فواحدا وبعد أن قضوا على فئة قليلة من الحرس وهم في طريقهم الى باب القلعة نجحوا في الاستيلاء على المدخل قبل ان يفطن رجال الحامية وظلوا يدافعون عن هذا المدخل في وجه الحرس المستيقظ حتى اصبح الصباح ووصل خالد لنجدتهم فاستسلم يوكنا حين وجد المقاومة لا تجدي.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)
ورضيت حلب بمصيرها وبقيت منذ ذلك الحين مسلمة الحق يقال ان البيزنطيين استعادوها بصورة مؤقتة بعد ثلاثة قرون ونيف عندما ساعد اضمحلال قوى الخلافة العباسية كلا من نقفوروس وزيمسقس على الاندفاع حتى مشارف بغداد الا انها كانت فتوحات وقتية اشبه بغارات سلب ونهب منها باحتلال عسكري لقد كان اليونانيون والرومان دوما غزاة اغراباً وها هي الان اقاليمهم الاسيوية تعود لاسيا الى الابد.

هناك غزوة وقتية اخرى كانت آثارها اسوء من السالفة ولم تكن حلب هدفاً خاصاً من اهدافها لانها شملت رقعة ما بين النهرين. ففي العام ١٤٠٠ زار هذه المدينة أشد فاتحي التاريخ وحشية وبربرية وهو تيمور التتري المرعب وكالعادة خلد احتلاله حلب باقامة هرم من الرؤوس البشرية المقطوعة وفي اثناء تكديسه تلك الرؤوس راح يسلي نفسه ولم يكن ذلك بالامر غير المألوف منه بالبحث في مسائل فقهية مع علماء المدينة ولابد وان هؤلاء المساكين التاعسين كانوا اشبه بطائفة من الفلاسفة تواجه ابا هول ثيبه لاسيما عندما افتتح السائل المرعب بحثه بالسؤال المهذب التالي ايهما احق بالشهادة ؟ أولئك الذين يموتون في صفوف جيشي ام اولئك الذين يموتون في صفوف جيش عدوي.

ومن حسن حظهم انه كان يوجد بينهم من اوتى لباقة أوديب  وذكاؤه فادرى الطعنة باقتباس حديث نبوي بهذا المعنى ان اولئك الذين يموتون في سبيل دينهم هم من أهل الجنة ولا يهم تحت اي لواء كانوا او حاربوا.

ويمكن ان ينظر الى غزوات تیمور لنگ بمثابة نهاية لتاريخ ما بين النهرين الزاهر وختام اول فصل من فصول تأريخ الحضارة في العالم واعظمه شأناً فهنا خرجت البشرية ولاول مرة من عصر الهمجية وشيدت مدينة بابل وهنا نشأت امبراطوريات عظيمة متعاقبة اتخذت عواصمها مدنا مثل كركميش ونينوى وبرسبوليس وسلوقية قطيسفون وانطاكية وهنا بعد أدهار من الفتوح والكر والفر برزت امجاد بغداد تلك هي البلاد التي استظهرت خصوبتها وكثافة سكانها على كل الآفاق والكوارث ولم تزايلها قابلية الحياة والانتعاش بعد كل نائبة تمنى بها او خراب يداهمها على انها بالأخير استنفذت كل طاقة فيها على الابلال والشفاء ولم يعد ثم ما يذكر عنها بعد غزوة تيمور لقد كان الفاتحون غيره يعمرون ويخربون أما التتر فقد خربوا ولم يعمروا شيئاً انهم دكوا المدن دكا ومسحوها مسحا من وجه الارض ودمروا قنوات الري التي كانت تمد الحقول بالماء والخصوبة وما الصحراء القفر التي تمتد سهول الشرق في ايامنا هذه إلا شاهد رئيس على وجود تیمورلنگ تاویا تحت قبة مزاره في سمرقند.

على ان وجود حلب قريبة من البحر ساعدها على الشفاء من جراحها القتالة فعادت بعد مائة وخمسين عاما من غزوة تيمور  لتكون سوقا تجارية من اسواق الشرق الكبرى فأمها التجار اللندنيون وفي مقدمتهم سيد النمر كما جاءها عطيل مع البنادقة ليشتبك في حربه الشهيرة مع الاتراك الكفرة وفيها صرف جون فيرني بضائعه في متنصف القرن السابع عشر ووصفها بانها اشهر مدينة من مدن السلطان الاعظم ومحل التقاء التجار من شتى انحاء المعمورة ومما احصاه هذا التاجر بين البضائع المعروضة العفص الذي يستخدمه الصباغون وما زالت هذه المادة من محاصيل جبال كردستان الهامة على انه لم يذكر شيئا عن عرق السوس وهو اهم المحاصيل طرا في الوقت الحاضر.

وتدين حلب بشهرتها الى العرب اولا مع انها كانت معروفة جدا عند اليونان والرومان وكانوا يسمونها بيريا وباعتبارها موقعا في غاية الاهمية فلاشك في انها استفادت من حصول شأن انطاكية التي كانت المدينة الثانية في الامبراطورية البيزنطية وسيزيد من شأنها خط السكة الحديد الجديد المباشر الى ميناء الاسكندرية واذا ما ربطتها سكة حديد بغداد باسطنبول والهند فقد تبلغ المقام الذي بلغته انطاكية من قبل.

كانت مهمتنا الوحيدة في حلب اكتراء عربة تقلنا مع أمتعتنا وأموالنا الى الموصل عبر البادية وهذا الموضوع اشغلنا ثلاثة ايام في الاخذ والرد حتى انتهى بنا الى الاتفاق مع متعهد عرض ان يقلنا بعربته الى الموصل بتسعة ياونات في رحلة تستغرق أربعة عشر يوما على ان يضاف اليها مجيديان حوالي سبعة شلنات عن كل يوم استراحة نقرره خلال الرحلة.

وكانت العجلة التي افترضنا انها ستبلغ بنا مطافنا او هجرتنا اشبه بعربة ذات اربعة دواليب وفيها حيوية البرغوث وخفته ووثباتها تشبه نطات القطة الصغيرة وهي تتألف من مقعد امامي للسائق مع رف شدت عليه امتعتنا الى الخلف ولكن لا يوجد فيها مقاعد للمسافرين ولهذا فرشنا مطارحنا والحفتنا فوق طبقة من التين المنشور على ارضيتها وكان معظم زنبركاتها وبرامقها مكسور وقد ربطت الكسور بلفات كثيرة من الحبال والخيوط واخيرا كان المشمع الذي يغطي سقف العربة وهو في الاصل وقاء للمسافرين ذا فائدة كبيرة في حفظ الامتعة كلما طارت في الفضاء بفعل الهزات والخضات العنيفة واسطة النقل هذه تعرف باسم العربانة وهي مرادف لكلمة يايلي وهي صيغة قريبة الشبه بمصطلح للتعريف بالشيء المنزلق الذي يسير على عجلات هذه العربة تجرها اربع خيول هزيلة ضامرة وليس سبب هذا العدد من حمل العربة اثقالا كثيرة بل لسوء حالة الطرق فاثنان منهما كانا مشدودين الى المحور والآخران وهما احتياطيان ربطا الى جانب

منهما مثل زوج من عجلات هوميروس الحربية وقلما كان الحصانان المشدودان يستجيبان للزجر والحث على السير وكان معدل المسافة التي نقطعها اقل من مستوى الحد الأدنى الاعتيادي الذي يتوقعه المرء من جرد آسيا العتاق اذ لم نكن نقطع أكثر من عشرين ميلا في اليوم الواحد وكان سائقنا رجلا نحيلاً كأنه غمس في الماء ذا انف معقوف ذكرنا حالاً بشخصية آيكي موسيس في صور اللي سلوبر الكاريكاتورية القديمة وبدا لنا وكأنه لا يكف عن الخروج من حطام سفينة غارقة الى جزيرة تقع في وسط بحر صحراوي بعين ثيابه دون ما تغيير كان كثير التذمر من كثرة امتعتنا عظيم الشكوى لانه لم يأخذ معه علفاً كافياً على اننا نظن انه كان شاكراً لنا عدم تشجيعه في شكواه وان لم يكن هو فحصاناه على اية حال

راح الطريق يرتفع تدريجياً من حلب ومر بأرض متعادية تكسوها المروج الخضر الشبيهة نوعاً ما يسهول سالسبوري وهنا يغدو الطريق فهو مجرد اثر لعجلات اشبه بممر ضيق يقطع اراضي سبخة ملأى بالمستنقعات وكان منظراً موحشاً رتيباً لرحلة ستمتد مسافة مائتي ميل وكانت مراحل طريقنا تتعين عند كل فرسخين او ثلاثة بقرى هي بصورة عامة مجموعات صغيرة حقيرة من اكواخ حجرية ذات سقوف مستوية وطابق واحد وقد ترى احياناً بيوتاً ذات طابقين ترتفع بأنفة واعتزاز حتى ترغمك على تسمية المجموعة بالبلدة بسبب هذا التفوق وفي الواقع كانت احقر هذه المجموعات السكنية واصغرها مدنا وبلدانا عامرة فبدلاً من الباب او منبج عرفت هاتان القريتان في التأريخ الغابر بالاسمين الطنانين بامبيكه وهيرابوليس وكانت الاسس والانقاض والتجاويف التي تعين مواقع المعابد القديمة تؤلف حاشية واسعة تطوف بالمدينة وتحيط بضواحيها في دائرة تامة وترى الأرض مكسوة بنثار من بقايا الاعمدة وكسرها فضلا عن القطع الحجرية المنحوتة المكعبة منتشرة فوق بضعة افدنة من الارض البراح وامكننا ان نقرأ في الموضع الذي توقفنا عنده لنرتاح، بعض عبارات لاتينية منقورة في الصخور وغيرها من الكلمات وكانت محفورة حفرا عميقا للغاية لكنه غير منتظم حتى لكأنما تلهى بنقشها جندي روماني في اجازة ولمحنا رب البيت نقرأها فأخذنا الى باب كوخه وعرض كتابة اخرى لنا وكانت هذه المرة كتابة عربية لم يكن بوسعنا ان نقرأ منها غير لفظة الله وهذا ما حز في نفس صاحب الكوخ وارعبه لانه كان قد وضع الحجر عتبة لباب لبته.

في كل ليلة كنا نبيت في خان القرية التي تصلها والخان هو لفظ يرادف ما يعرف بالفارسية كروان سراي وهو مقيل للانسان المسافر ومرأب الحيوانه والخان الاعتيادي يتألف من ساحة مربعة الشكل كبيرة في الوسط يعلوها الغبار والتراب القذر في الصيف والوحل الاشد قذارة في الشتاء وايام المطر وكثيرا ما شكرنا طبقة الجمد الصباحي لانها تتيح لنا السير فوق الوحل الى عربتنا بدلا من الخوض فيه وتحيط بالساحة صفوف من الغرف الحقيرة شبيهة بالاكواخ الصغيرة التي ربما صلحت لتكون بمثابة سقيفة في حديقة تودع فيها ادوات البستنة هذه المقاصير التي هي حقول القثاء كما يراها اشعياء قد بلغت نهاية الغثاثة والحقارة فقد خصص بعضها للاسطبلات وبعضها للسكنى والنوم ومقاييس النظافة لا تجد فرقا بين هذين كذلك مقاييس الراحة فلا تفضيل هناك الا ان غرف الضيوف قد تكون احيانا في الطابق الاعلى وهنا نجد الفارق بين الانسان والحيوان فحسب الا فلنطرح حدة المزاج جانبا ولنفترض ان غرفتنا تقع في الطابق الارضي ولا يداخلنا اليأس من حصولنا على غرفة مستقلة غرفة مثل هذه مساحتها تسع اقدام مربعة تفخر بباب فيه مزلاج او ربما بنافذة ذات درفة خشبية ارضيتها اوطاً من مستوى صحن الخان بحوالي ستة انجات اعنى في مستوى الوحل وهي كحجرة النبي مؤثثة بفراش ومصطبة صغيرة وشمعدان واعني بالفراش مطرحا من القش او لوحاً خشبياً هو بمثابة سرير وقد توجد احيانا مائدة ومسرجة نفطية مثبتة على الحائط وباضافة مبلغ صغير للخانجي يؤتي لنا بكانون فحم للتدفئة علينا ان لا ندخله الغرفة الا بعد أن يتم احتراق فحمه في الخارج حتى يتلاشى لهيبه الازرق والامتنا اختناقاً ويمكننا هنا ان نرتب سرير نومنا كما نشاء ونطبخ طعامنا ونأكل من الزاد الذي تزودنا به وهذه الغرفة لا تكنس ولا تنظف والمسافر الفطن يبقى يحمل بساطه طوال رحلته احتياطاً والاجر المألوف لهذه الغرفة هو خمسة قروش لليلة الواحدة أي ما يعدل عشرة بنسات.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل فبراير 7، 2022 في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة alaistfada (2.9مليون نقاط)
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...