إن الوادي الذي تقطنه العشيرة البارزانية هو غور عظيم في سطح الارض يمتد شرقا وغربا من الجزيرة حتى دجلة مارا بالعمادية لينتهى بالجبال الواقعة على الحدود الايرانية وهو بطوله الذي يناهز مائة وعشرين ميلا يبدو وكأنه خندق طبيعي هائل لقلعة حكاري الجبلية اما سور القلعة المقابل فيتألف من سلسلة جبال موازية لها، أقل منها ارتفاعا تقع وراء عقره والشيخ ادي وربان هورموزد وتشرف على سهل الموصل.
ويبدو هذا الخندق العظيم متواصلا، لكنه في الواقع مقطع باربعة انهار مختلفة تنفذ اليه من الجبال الشمالية وتجري فيه مسافة ثم تنحرف جنوباً ويدخل الزاب من وسطه تقريباً ثم يجري زهاء خمسة وثلاثين ميلاً لذلك فان مقطعه لا يدخل في دائرة نفوذ بارزان تماما لان جزءه الشرقي يقع في مجال نهر نيرى الذي ينبع من جبال ايران ويصب في نهر الزاب.
لم يتطامن طريقنا عند دخولنا وادي نيرى، ولم نجد راحة في السير في أي موضع قريب من النهر وظل طريق سيرنا مرتفعا يحاذي ويلازم سفوح سلسلة جبال سات ونحن نعبر مضيقا تلو مضيق وارهقنا صعودنا المتواصل ونزولنا المتواصل فكلاهما يستوي بالوعوثة وشدة الانحدار وكان الطريق نفسه ضيقا جدا والسفح يشرف مباشرة على هاوية سحيقة لا قرار لها حتى لكأن السائر يركب افريز سقف زلق للغاية.
وكنا قد تزودنا بمرافقين لان الهركية في سبيل قيامهم برحلتهم الشتوية من سهل الموصل الى مراعي ته ركور الجبلية فكنا نلتقي بين الفينة والفينة بقطعان اغنامهم الكبيرة وجماعات شاكية السلاح منهم مسألة زاد من صعوبتها ضيق الطريق الشديد وكان الامر يحتاج الى كثير من المرونة، كانوا بالنسبة لنا رفاق طريق لا ضرر منهم البتة فالتابع الذي أرسله شيخ بارزان معنا كان الضمانة الكافية لعدم التعرض بنا ووجدنا هؤلاء الهركية أظرف عصابة لصوص يرغب المرء في لقائها وأخفها روحا الحق يقال انه وقع بيننا وبين احد رعاتهم سوء تفاهم بسيط وكان مبعثه سوء تقديرنا لا غير، لكن لم ينجم عنه سوء كان ذاك الشاب الراعي منظراً يصعب علينا اغفاله وهو يسير في الشعب أمام قطيعه مرتديا عباءة من الصوف المضغوط کچه و معلقا بندقية طويلة وعصا الراعي وغليونه مما يكمل بزته فلم نتمالك انفسنا من الاشارة عليه بالوقوف دقيقة واحدة لاخذ صورة فوتوغرافية له وكان صاحبنا هذا حديث عهد بآلة التصوير، فظنها وله كل العذر سلاحاً فتاكاً فعدا مسرعاً کالارنب متوارياً خلف صخرة قريبة وتهياً لاطلاق النار علينا ولم تفلح ملاطفاتنا في ازالة شكوكه لأن الاحداث الاخيرة جعلته شديد الريبة من كل شيء يرى فيه صبغة حكومية.
اذا كان الهركيون رفقة طريق طيبة لنا فان كل القرى التي تقع على طريق رحلتهم تنظر اليهم مثلما تنظر الى الذئاب المهاجرة ولذلك ترى القرويين متأهبين بسلاحهم يقظين لا يغمض لهم جفن حتى يزول الخطر عنهم تراهم يجمعون اغنامهم في حظائر قريبة منهم ولا يتركون امراة الا واغلقوا دونها الابواب لا ترتفع ايديهم عن زناد بندقياتهم وقد يصل بهم القلق والتوتر الى حد اطلاق النار على الغريب قبل ان يسأل عن غرضه خطر ببالنا ان نبتاع مقدارا من اللبن اثناء مرورنا باحدى القرى فدفع به الينا من الشق الوحيد في الباب بينما ظل رب البيت مصوبا بندقيته نحونا من خصاص آخر ولما اسرعنا بتسليم الثمن بعملة الحكومة الرائجة اغرقنا الرجل الفاضل باعتذاراته وامطرنا بوابل شكره من وراء بابه المغلق والمحصن بالمتاريس.
والحق يقال ان لهذا الاحتياطات ما يبررها فالهركيون يسلبون كل ما يصادفونه في طريقهم كما برهنت الحوادث التي أسلفنا ذكرها وهم يسرقون وينهبون بخفة روح وراحة ضمير مثل قطاع طريق الدسديل المعروفين في ايام سر میتلاند العجوز.
ياللمساكين البائسين لقد ركبتهم الهموم واكتنفتهم المزعجات لان امورهم ليست على ما يرام كانوا الى هذه الساعة قد افلحوا في التملص من ملاحقة جابي الضريبة بتوقيت رحيلهم أحسن توقيت ودعم ذلك بالبخشيش الذي دفعوه للموظفين فاذا حزبت الأمور وخابت تلك التدابير فما أسهل عليهم دخول الحدود الفارسية فلا تطالهم يد الحكومة على ان احوالهم قد ساءت اليوم الى درجة كبيرة لان الحدود الايرانية ابتعدت عنهم كثيراً بسبب التغير الذي طرأ على تخطيطها مؤخرا كما ان موظفي الحكومة العثمانية انتشروا في كل مكان حتى شوهدوا في المراعي الصيفية وهي أرض لم تطأها اقدامهم من قبل وهكذا كان تصحيح الحدود الذي يقوم به الجانب التركي على حساب ايران يعود بالويل والثبور والمتاعب الكثيرة على الاهالي الامنين.
بتنا ليلتنا في قرية سات التي منحت أسمها لسلسلة الجبال المجاورة وهي قرية نسطورية ذاعت شهرة اهلها وضرب بهم المثل في حب الخصام وحبك الدسائس والفتن في تلك الانحاء حتى بين جيرانهم الكرد الذين لا يمكن وصفهم بالمسالمين هذا على الأقل هو الوصف الذي خلعه عليهم بطريركهم وهو والحق يقال أوثق المصادر عنهم وها نحن أولاء نسرد حكاية خرافية قصها علينا غبطته لتقريب الوصف الى ذهن القاري وهي حكاية شائعة جداً هناك.
خرجت امراة من سات في رحلة فلقيت وهي في طريقها شخصا كانت تعرفه منذ زمن طويل جالساً على مقربة من قرية نسطورية لم يكن هذا الشخص غير الشيطان بالذات سطانه وقد وجدته مقتعدا صخرة يذرف الدموع بحرقة قلب فسألته المرأة مشفقة:
ماذا يشكيك أيها الاخ؟ فأجاب الشيطان البائس بصوت باكِ إني كسير القلب خائب الامل فقد حاولت زرع الخلاف والبغضاء بين سكان هذه القرية طوال سبع سنين فلم أوفق حتى في اثارة شجار واحد فما علي الا التسليم بالهزيمة.
فقالت له السيدة :ابشر بتحقيق مرادك ودعني اجرب حظي، ثم دخل الاثنان القرية فقابلهما موكب عرس يخرج من البيعة توا لا احد يدري الخطط التي نسجتها المرأة بحيلتها ومكرها لا احد يدري لكن ما مر نصف ساعة الا وكان العروس والعريس متلازمين ينتف احدهما شعر الآخر، وانقسم الاصدقاء بينهما كل يناصر طرفا واشتبكوا في شجار دموي عنيف وهنا التفتت المرأة الساتية الى صديقها وقالت:
والان يمكنك أن تبقى هنا سعيدا.
فأجابها الشيطان قائلا:
إن وجودي هنا مع بقائك لا اهمية له.
المرء في نيري يكون خارج نطاق سلطان الحكومة كما هو الحال في بارزان على انه لا يقطع صلته تماماً بالموظفين ففي قرية من اقصى القرى تقع داخل واد عميق ينفذ في احشاء جبال سات وتدعى بي کار وجدنا مدیر ناحية، وقد كان والحق يقال مجردا من اية سلطة فكل عملية تحصيل للضرائب في هذه الانحاء تقوم بها وكالات خاصة لا سلطة حكمية لها الا ان هذا المدير بقي شاهدا على وجود الحكومت هناك وكان كمعظم موظفي العثمانيين مسرورا للغاية بزائر مثلي طوحت المقادير به ويخيل لنا ان ترحيبه بناكان صميما نابعا عن القلب لا محض مجاملة وتأدب منه ان فرحاً حقيقياً كان يتملكه للكلام مع رجل مثقف بعد حرمان طويل حين لم يجد خلا الشرطة والكرد يتحدث معهم في هذه الوحدة من الوادي وقصته هي قصة كثيرين من طبقة الموظفين العثمانيين الصغار وكان قد نال تحصيله العلمي في معهد حكومي خاص بالموظفين في استانبول واجتذبه برنامج جون ترك الاصلاحي ودعا واهم وأمانيهم في إحياء الامبراطورية العثمانية واصلاحها وانكشفت ميوله السياسية ووصلت الى علم الحكومة فصدر من السلطان امر عاجل بنقله الى هذا الركن المنسي من الدنيا ووضع الى جانب اسمه شارة سوداء ففقد كل أمل بالترقية أو أي شكل من اشكال التقدم السلكي ومر عليه في منفاه هذا ثلاث سنوات وبمجيء الانقلاب انتعشت اماله في التغيير لكن الاعوام التي عقبت ذلك كانت شاهدا على ان النظام الجديد نسیه تماما كمانسيه النظام الزائل وها هو الرجل المثقف الكفوء جالس في ركنه القصي لا يعمل شيئا ناقم خائب الرجاء موظف صغير الشان وهو ما يزال دون الثلاثين انها ماساة واحدة من المآسي الكثيرة التي يحفل بها الحكم العثماني.
وتقدمنا بصعوبة كبيرة في مسيرة ثلاثة ايام نصعد ونهبط ونهبط ونصعد ارتفاعات ومنخفضات قد تبلغ احيانا ثلاثة آلاف قدم كانت الطريق سالكة دوما بالنسبة للبغال ولو تهولها المرء عن بعد وبدت له صعبة المرتقى ولقد وجدنا ان الوديان العميقة بين كل زوج من القمم تتمتع بجمال نادر عجيب وظل وادي الهركيين هذا عالقا باذهاننا بوصفه اجمل بقعة من بقاع الدنيا شهدناها وهبطنا الشقوق وكتل الصخر المستوية المنبسطة على سفح الجبل وقطعنا حوالي الفي قدم نزولا على الاقدام بحوالي نصف ساعة في حين كنا نحتاج الى اربعة اضعاف هذا الزمن ولو استخدمنا البغال وجئنا واديا هو في الواقع بستان تتحاشد فيه اشجار الجوز والزان وفيما بينها اشجار التين والعنب المتسلق كلها بدت بكامل بهاء اوراقها النضيرة والاشجار هنا تنمو وتثمر في التربة والماء الغزير والبستان الذي غشيناه محترم عند الكرد لسبب واحد يفوق كل الاسباب الأخرى ففى الوادي مقبرة عظيمة يدل اسمها على انها كانت المسكن الأول للعشيرة الهركية التي ترافقنا في رحلتنا الآن من هذه البقعة انطلق اسلافها الخمسة رؤوس لتخرج منها البطون الخمس التي تؤلف اليوم كامل العشيرة واليوم تنقل جثة كل ذي اسم وصيت الى هذه المقبرة ليدفن الى جنب اسلاف بيته العظام وهناك أساطير واخبار تنسج حول هذه العشيرة البدوية الشرسة لم يقلل من شأنها انها كانت تدين بالنصرانية عندما اتخذ اساقفة البدو من الخيم كنائس لاقامة القداس الالهي كأتباعهم النساطرة الكرد وكدليل على قدم نصرانية الهركية ما قيل عن حملهم حتى يومنا هذا رأس القديس جرجيوس احد شهداء النصرانية الاسطوريين في الشرق على صدورهم، واعتباره حرز عشيرتهم الاقدس ويكون اما عند زعيم العشيرة الأكبر أو عند ملا عظيم الكرامة في العشيرة ونحن هنا ننقل الاقوال التي سمعناها من كهنة النساطرة الطاعنين في السن لا غير.
الرحلة من بارزان وامدها ثلاثة ايام تنقل المسافر الى اقليم خصم زعيم تلك القبيلة واعني به شيخ شمزيني شمس الدين الذي يسكن قصره في نهري نايري وهو على اقل تقدير بمستوى سطوة جاره البارزاني حتى ان جده الشيخ عبيد الله النهري النايري، فكر في اقامة دولة كردية مستقلة بين تركيا وبلاد فارس وقد تمكن من الزحف على الدولة الثانية والنصر في ركابه حتى انه ضرب الحصار على اورميه عدة أسابيع كان ذلك في اوائل السبعينات من القرن الماضي، الا انه فشل وان كان نجاح شيخ من شيوخ الكويت في عملية مماثلة يدل على ان نجاح الشيخ عبيد الله لم يكن من قبيل المستحيلات لو ان الظروف واتته وقبض عليه وعلى ابنه عبد القادر ونفيا الى استانبول في حين ترك ابنه الثاني صديق على رأس القبيلة وكان هذا الابن أشد مكرا من الوالد فقنع بالسلطان الفعلي على قبيلته وجمع ثروة عظيمة من عملية تهريب التبوع على نطاق واسع جدا وكانت قوافله تدخل ایران ببغالها التي تزيد عن المائة متحدية موظفي انحصار التبغ الريجي ثم وظف جانبا كبيرا من ارباحه في عقد صفقات شراء البندقيات من روسيا وبيعها في أورميه وان لم يكن الضبط والنظام قويين في معسكرات جنود روسيا التركمانيين فيكون مصدر كثير من البندقيات معسكراتهم لانهم كانوا يقايضونها معه بزجاجات الفودكا.
في نايري يوجد قائممقام تركي مع مفتش انحصار اسكنهما الشيخ في بيت جميل بناه من ارباح تجارته التي كان واجب وظيفتيهما ايقافها عند حد الا ان هذين الحيوانين الاليفين تم تدجينهما تماماً.
ولا يذهب دخل الشيخ كله الى شراء البندقيات او الى الرشوة البخشيش فقد كتب مرة الواحد من مؤلفي هذا الكتاب طالبا رسالة توصية الى بنك انكليزي قائلا ان لديه مبالغ من المال يرغب في ايداعها فزكينا له بنكا او اثنين ولما كنا نعلم أن سيادته يطلب من البنك فائدة تتراوح بين عشرة بالمائة وخمس عشرة ويشترط سحب الودائع عند الطلب فقد رجحنا ان القضية لن تؤدي الى نتيجة ما. لكن سرعان ما وجدت بضعة آلاف من الباونات سبيلها فعلا الى شارع لومبارد المالي بلندن حقاً ان امير المهربين هذا كان في سعة من الرزق زعيم عصابة تهريب كردي ذو رصيد مالي كبير في انكلترا انه ليبدو أمرا صعب التصديق ومع هذا فان وليم هيكي يحدثنا كيف ان مهربا بالجملة، أوقف مركباً سريعاً قادماً من الصين في عرض القنال الانكليزي واشترى منه كل شحنته من الشاي بصك قيمته ثمانمائة باون وكيف ان هذا الصك قبل في البنك دون تلكوء امثال هذه الأمور كانت تحدث فعلا في انكلترا العام ۱۷۷۰.
كان صديق في ايامه الأولى قاسيا في اضطهاده المسيحيين وحادثة فتكه عمدا باحد الاساقفة بعد ان دعاه الى بيته هزت ضمائر الكرد قاطبة على ان السنين اكسبته خبرة وحكمة وادرك ان ذبح مزارعين حاذقين او سلبهم هو السفه وسوء التدبير بعينه فترك الباقين احياء وان جعلهم بحالة اقرب الى العبودية والقنانة وكان من ضمن املاكه رئيس الاساقفة المتروپولیتان حنانيشوع ثاني شخصية دينية كبيرة في الكنيسة النسطورية كان رجل الدين هذا يسكن في بلاد الشيخ وفي ديره الخاص ومع انه سمح له باستعمال ما يملكه الا انه في الواقع اسير معتقل عنده كما كان بعض فرسان النورمان المغامرين في ايطاليا يعتقلون بعض الپاپاوات ويجعلونهم ادوات طيعة لهم ويحكمون بواسطتهم ومن خلالهم رعاياهم.
والشيخ صديق، باعتباره خلفاً للشيخ شمس الدين فهو زعيم ديني وامام كبير المقام يتمتع بمكانة جليلة عند المسلمين بصورة شخصية ورسمية معاً ولهذا كان مرجعا لحل المشاكل المعقدة والنزاعات بين الخصوم وفي ذات يوم دخل ديوانه كردي حائر وهو يتأبط ديكا ممتازاً وكانت المسألة التي تقلقه ماذا يصنع بهذا الديك الذي دأب على التبشير بدين النصارى ؟ وسئل الشيخ عن تفسير للامر بعد أن قص الكردي الحائر كيف انه سمع هذا الطير يصيحثلاث مرات
دین دین عیسی، ولم يكن في القضية اي شك لان الديك بادر يصيح حالما وضع امام الشيخ دين دين سيدنا عيسى بأعلى صوته او هذا على الاقل ما فسر صياحه كل الحاضرين فهي اذن معجزة لا ريب فيها لكن اهي من عمل الشيطان ام من عمل الرحمن ؟ ان كانت الأولى فالاشكال ينتهي بقطع رأس الديك واذا كانت الثانية، افلا يتحتم عليه وهو المسلم الآن ان يطيع النداء ويصير نصرانيا.