0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)
إن الوادي الذي تقطنه العشيرة البارزانية هو غور عظيم في سطح الارض يمتد شرقا وغربا من الجزيرة حتى دجلة مارا بالعمادية لينتهى بالجبال الواقعة على الحدود الايرانية وهو بطوله الذي يناهز مائة وعشرين ميلا يبدو وكأنه خندق طبيعي هائل لقلعة حكاري الجبلية اما سور القلعة المقابل فيتألف من سلسلة جبال موازية لها، أقل منها ارتفاعا تقع وراء عقره والشيخ ادي وربان هورموزد وتشرف على سهل الموصل.

ويبدو هذا الخندق العظيم متواصلا، لكنه في الواقع مقطع باربعة انهار مختلفة تنفذ اليه من الجبال الشمالية وتجري فيه مسافة ثم تنحرف جنوباً ويدخل الزاب من وسطه تقريباً ثم يجري زهاء خمسة وثلاثين ميلاً لذلك فان مقطعه لا يدخل في دائرة نفوذ بارزان تماما لان جزءه الشرقي يقع في مجال نهر نيرى الذي ينبع من جبال ايران ويصب في نهر الزاب.

لم يتطامن طريقنا عند دخولنا وادي نيرى، ولم نجد راحة في السير في أي موضع قريب من النهر وظل طريق سيرنا مرتفعا يحاذي ويلازم سفوح سلسلة جبال سات ونحن نعبر مضيقا تلو مضيق وارهقنا صعودنا المتواصل ونزولنا المتواصل فكلاهما يستوي بالوعوثة وشدة الانحدار وكان الطريق نفسه ضيقا جدا والسفح يشرف مباشرة على هاوية سحيقة لا قرار لها حتى لكأن السائر يركب افريز سقف زلق للغاية.

وكنا قد تزودنا بمرافقين لان الهركية في سبيل قيامهم برحلتهم الشتوية من سهل الموصل الى مراعي ته ركور الجبلية فكنا نلتقي بين الفينة والفينة بقطعان اغنامهم الكبيرة وجماعات شاكية السلاح منهم مسألة زاد من صعوبتها ضيق الطريق الشديد وكان الامر يحتاج الى كثير من المرونة، كانوا بالنسبة لنا رفاق طريق لا ضرر منهم البتة فالتابع الذي أرسله شيخ بارزان معنا كان الضمانة الكافية لعدم التعرض بنا ووجدنا هؤلاء الهركية أظرف عصابة لصوص يرغب المرء في لقائها وأخفها روحا الحق يقال انه وقع بيننا وبين احد رعاتهم سوء تفاهم بسيط وكان مبعثه سوء تقديرنا لا غير، لكن لم ينجم عنه سوء كان ذاك الشاب الراعي منظراً يصعب علينا اغفاله وهو يسير في الشعب أمام قطيعه مرتديا عباءة من الصوف المضغوط کچه و معلقا بندقية طويلة وعصا الراعي وغليونه مما يكمل بزته فلم نتمالك انفسنا من الاشارة عليه بالوقوف دقيقة واحدة لاخذ صورة فوتوغرافية له وكان صاحبنا هذا حديث عهد بآلة التصوير، فظنها وله كل العذر سلاحاً فتاكاً فعدا مسرعاً کالارنب متوارياً خلف صخرة قريبة وتهياً لاطلاق النار علينا ولم تفلح ملاطفاتنا في ازالة شكوكه لأن الاحداث الاخيرة جعلته شديد الريبة من كل شيء يرى فيه صبغة حكومية.

اذا كان الهركيون رفقة طريق طيبة لنا فان كل القرى التي تقع على طريق رحلتهم تنظر اليهم مثلما تنظر الى الذئاب المهاجرة ولذلك ترى القرويين متأهبين بسلاحهم يقظين لا يغمض لهم جفن حتى يزول الخطر عنهم تراهم يجمعون اغنامهم في حظائر قريبة منهم ولا يتركون امراة الا واغلقوا دونها الابواب لا ترتفع ايديهم عن زناد بندقياتهم وقد يصل بهم القلق والتوتر الى حد اطلاق النار على الغريب قبل ان يسأل عن غرضه خطر ببالنا ان نبتاع مقدارا من اللبن اثناء مرورنا باحدى القرى فدفع به الينا من الشق الوحيد في الباب بينما ظل رب البيت مصوبا بندقيته نحونا من خصاص آخر ولما اسرعنا بتسليم الثمن بعملة الحكومة الرائجة اغرقنا الرجل الفاضل باعتذاراته وامطرنا بوابل شكره من وراء بابه المغلق والمحصن بالمتاريس.

والحق يقال ان لهذا الاحتياطات ما يبررها فالهركيون يسلبون كل ما يصادفونه في طريقهم كما برهنت الحوادث التي أسلفنا ذكرها وهم يسرقون وينهبون بخفة روح وراحة ضمير مثل قطاع طريق الدسديل المعروفين في ايام سر میتلاند العجوز.

ياللمساكين البائسين لقد ركبتهم الهموم واكتنفتهم المزعجات لان امورهم ليست على ما يرام كانوا الى هذه الساعة قد افلحوا في التملص من ملاحقة جابي الضريبة بتوقيت رحيلهم أحسن توقيت ودعم ذلك بالبخشيش الذي دفعوه للموظفين فاذا حزبت الأمور وخابت تلك التدابير فما أسهل عليهم دخول الحدود الفارسية فلا تطالهم يد الحكومة على ان احوالهم قد ساءت اليوم الى درجة كبيرة لان الحدود الايرانية ابتعدت عنهم كثيراً بسبب التغير الذي طرأ على تخطيطها مؤخرا كما ان موظفي الحكومة العثمانية انتشروا في كل مكان حتى شوهدوا في المراعي الصيفية وهي أرض لم تطأها اقدامهم من قبل وهكذا كان تصحيح الحدود الذي يقوم به الجانب التركي على حساب ايران يعود بالويل والثبور والمتاعب الكثيرة على الاهالي الامنين.

بتنا ليلتنا في قرية سات التي منحت أسمها لسلسلة الجبال المجاورة وهي قرية نسطورية ذاعت شهرة اهلها وضرب بهم المثل في حب الخصام وحبك الدسائس والفتن في تلك الانحاء حتى بين جيرانهم الكرد الذين لا يمكن وصفهم بالمسالمين هذا على الأقل هو الوصف الذي خلعه عليهم بطريركهم وهو والحق يقال أوثق المصادر عنهم وها نحن أولاء نسرد حكاية خرافية قصها علينا غبطته لتقريب الوصف الى ذهن القاري وهي حكاية شائعة جداً هناك.

خرجت امراة من سات في رحلة فلقيت وهي في طريقها شخصا كانت تعرفه منذ زمن طويل جالساً على مقربة من قرية نسطورية لم يكن هذا الشخص غير الشيطان بالذات سطانه وقد وجدته مقتعدا صخرة يذرف الدموع بحرقة قلب فسألته المرأة مشفقة:

ماذا يشكيك أيها الاخ؟ فأجاب الشيطان البائس بصوت باكِ إني كسير القلب خائب الامل فقد حاولت زرع الخلاف والبغضاء بين سكان هذه القرية طوال سبع سنين فلم أوفق حتى في اثارة شجار واحد فما علي الا التسليم بالهزيمة.

فقالت له السيدة :ابشر بتحقيق مرادك ودعني اجرب حظي، ثم دخل الاثنان القرية فقابلهما موكب عرس يخرج من البيعة توا لا احد يدري الخطط التي نسجتها المرأة بحيلتها ومكرها لا احد يدري لكن ما مر نصف ساعة الا وكان العروس والعريس متلازمين ينتف احدهما شعر الآخر، وانقسم الاصدقاء بينهما كل يناصر طرفا واشتبكوا في شجار دموي عنيف وهنا التفتت المرأة الساتية الى صديقها وقالت:

والان يمكنك أن تبقى هنا سعيدا.

فأجابها الشيطان قائلا:

إن وجودي هنا مع بقائك لا اهمية له.

المرء في نيري يكون خارج نطاق سلطان الحكومة كما هو الحال في بارزان على انه لا يقطع صلته تماماً بالموظفين ففي قرية من اقصى القرى تقع داخل واد عميق ينفذ في احشاء جبال سات وتدعى بي کار وجدنا مدیر ناحية، وقد كان والحق يقال مجردا من اية سلطة فكل عملية تحصيل للضرائب في هذه الانحاء تقوم بها وكالات خاصة لا سلطة حكمية لها الا ان هذا المدير بقي شاهدا على وجود الحكومت هناك وكان كمعظم موظفي العثمانيين مسرورا للغاية بزائر مثلي طوحت المقادير به ويخيل لنا ان ترحيبه بناكان صميما نابعا عن القلب لا محض مجاملة وتأدب منه ان فرحاً حقيقياً كان يتملكه للكلام مع رجل مثقف بعد حرمان طويل حين لم يجد خلا الشرطة والكرد يتحدث معهم في هذه الوحدة من الوادي وقصته هي قصة كثيرين من طبقة الموظفين العثمانيين الصغار وكان قد نال تحصيله العلمي في معهد حكومي خاص بالموظفين في استانبول واجتذبه برنامج جون ترك الاصلاحي ودعا واهم وأمانيهم في إحياء الامبراطورية العثمانية واصلاحها وانكشفت ميوله السياسية ووصلت الى علم الحكومة فصدر من السلطان امر عاجل بنقله الى هذا الركن المنسي من الدنيا ووضع الى جانب اسمه شارة سوداء ففقد كل أمل بالترقية أو أي شكل من اشكال التقدم السلكي ومر عليه في منفاه هذا ثلاث سنوات وبمجيء الانقلاب انتعشت اماله في التغيير لكن الاعوام التي عقبت ذلك كانت شاهدا على ان النظام الجديد نسیه تماما كمانسيه النظام الزائل وها هو الرجل المثقف الكفوء جالس في ركنه القصي لا يعمل شيئا ناقم خائب الرجاء موظف صغير الشان وهو ما يزال دون الثلاثين انها ماساة واحدة من المآسي الكثيرة التي يحفل بها الحكم العثماني.

وتقدمنا بصعوبة كبيرة في مسيرة ثلاثة ايام نصعد ونهبط ونهبط ونصعد ارتفاعات ومنخفضات قد تبلغ احيانا ثلاثة آلاف قدم كانت الطريق سالكة دوما بالنسبة للبغال ولو تهولها المرء عن بعد وبدت له صعبة المرتقى ولقد وجدنا ان الوديان العميقة بين كل زوج من القمم تتمتع بجمال نادر عجيب وظل وادي الهركيين هذا عالقا باذهاننا بوصفه اجمل بقعة من بقاع الدنيا شهدناها وهبطنا الشقوق وكتل الصخر المستوية المنبسطة على سفح الجبل وقطعنا حوالي الفي قدم نزولا على الاقدام بحوالي نصف ساعة في حين كنا نحتاج الى اربعة اضعاف هذا الزمن ولو استخدمنا البغال وجئنا واديا هو في الواقع بستان تتحاشد فيه اشجار الجوز والزان وفيما بينها اشجار التين والعنب المتسلق كلها بدت بكامل بهاء اوراقها النضيرة والاشجار هنا تنمو وتثمر في التربة والماء الغزير والبستان الذي غشيناه محترم عند الكرد لسبب واحد يفوق كل الاسباب الأخرى ففى الوادي مقبرة عظيمة يدل اسمها على انها كانت المسكن الأول للعشيرة الهركية التي ترافقنا في رحلتنا الآن من هذه البقعة انطلق اسلافها الخمسة رؤوس لتخرج منها البطون الخمس التي تؤلف اليوم كامل العشيرة واليوم تنقل جثة كل ذي اسم وصيت الى هذه المقبرة ليدفن الى جنب اسلاف بيته العظام وهناك أساطير واخبار تنسج حول هذه العشيرة البدوية الشرسة لم يقلل من شأنها انها كانت تدين بالنصرانية عندما اتخذ اساقفة البدو من الخيم كنائس لاقامة القداس الالهي كأتباعهم النساطرة الكرد وكدليل على قدم نصرانية الهركية ما قيل عن حملهم حتى يومنا هذا رأس القديس جرجيوس احد شهداء النصرانية الاسطوريين في الشرق على صدورهم، واعتباره حرز عشيرتهم الاقدس ويكون اما عند زعيم العشيرة الأكبر أو عند ملا عظيم الكرامة في العشيرة ونحن هنا ننقل الاقوال التي سمعناها من كهنة النساطرة الطاعنين في السن لا غير.

الرحلة من بارزان وامدها ثلاثة ايام تنقل المسافر الى اقليم خصم زعيم تلك القبيلة واعني به شيخ شمزيني شمس الدين الذي يسكن قصره في نهري نايري وهو على اقل تقدير بمستوى سطوة جاره البارزاني حتى ان جده الشيخ عبيد الله النهري النايري، فكر في اقامة دولة كردية مستقلة بين تركيا وبلاد فارس وقد تمكن من الزحف على الدولة الثانية والنصر في ركابه حتى انه ضرب الحصار على اورميه عدة أسابيع كان ذلك في اوائل السبعينات من القرن الماضي، الا انه فشل وان كان نجاح شيخ من شيوخ الكويت في عملية مماثلة يدل على ان نجاح الشيخ عبيد الله لم يكن من قبيل المستحيلات لو ان الظروف واتته وقبض عليه وعلى ابنه عبد القادر ونفيا الى استانبول في حين ترك ابنه الثاني صديق على رأس القبيلة وكان هذا الابن أشد مكرا من الوالد فقنع بالسلطان الفعلي على قبيلته وجمع ثروة عظيمة من عملية تهريب التبوع على نطاق واسع جدا وكانت قوافله تدخل ایران ببغالها التي تزيد عن المائة متحدية موظفي انحصار التبغ الريجي ثم وظف جانبا كبيرا من ارباحه في عقد صفقات شراء البندقيات من روسيا وبيعها في أورميه وان لم يكن الضبط والنظام قويين في معسكرات جنود روسيا التركمانيين فيكون مصدر كثير من البندقيات معسكراتهم لانهم كانوا يقايضونها معه بزجاجات الفودكا.

في نايري يوجد قائممقام تركي مع مفتش انحصار اسكنهما الشيخ في بيت جميل بناه من ارباح تجارته التي كان واجب وظيفتيهما ايقافها عند حد الا ان هذين الحيوانين الاليفين تم تدجينهما تماماً.

ولا يذهب دخل الشيخ كله الى شراء البندقيات او الى الرشوة البخشيش فقد كتب مرة الواحد من مؤلفي هذا الكتاب طالبا رسالة توصية الى بنك انكليزي قائلا ان لديه مبالغ من المال يرغب في ايداعها فزكينا له بنكا او اثنين ولما كنا نعلم أن سيادته يطلب من البنك فائدة تتراوح بين عشرة بالمائة وخمس عشرة ويشترط سحب الودائع عند الطلب فقد رجحنا ان القضية لن تؤدي الى نتيجة ما. لكن سرعان ما وجدت بضعة آلاف من الباونات سبيلها فعلا الى شارع لومبارد المالي بلندن حقاً ان امير المهربين هذا كان في سعة من الرزق زعيم عصابة تهريب كردي ذو رصيد مالي كبير في انكلترا انه ليبدو أمرا صعب التصديق ومع هذا فان وليم هيكي يحدثنا كيف ان مهربا بالجملة، أوقف مركباً سريعاً قادماً من الصين في عرض القنال الانكليزي واشترى منه كل شحنته من الشاي بصك قيمته ثمانمائة باون وكيف ان هذا الصك قبل في البنك دون تلكوء امثال هذه الأمور كانت تحدث فعلا في انكلترا العام ۱۷۷۰.

كان صديق في ايامه الأولى قاسيا في اضطهاده المسيحيين وحادثة فتكه عمدا باحد الاساقفة بعد ان دعاه الى بيته هزت ضمائر الكرد قاطبة على ان السنين اكسبته خبرة وحكمة وادرك ان ذبح مزارعين حاذقين او سلبهم هو السفه وسوء التدبير بعينه فترك الباقين احياء وان جعلهم بحالة اقرب الى العبودية والقنانة وكان من ضمن املاكه رئيس الاساقفة المتروپولیتان حنانيشوع ثاني شخصية دينية كبيرة في الكنيسة النسطورية كان رجل الدين هذا يسكن في بلاد الشيخ وفي ديره الخاص ومع انه سمح له باستعمال ما يملكه الا انه في الواقع اسير معتقل عنده كما كان بعض فرسان النورمان المغامرين في ايطاليا يعتقلون بعض الپاپاوات ويجعلونهم ادوات طيعة لهم ويحكمون بواسطتهم ومن خلالهم رعاياهم.

والشيخ صديق، باعتباره خلفاً للشيخ شمس الدين فهو زعيم ديني وامام كبير المقام يتمتع بمكانة جليلة عند المسلمين بصورة شخصية ورسمية معاً ولهذا كان مرجعا لحل المشاكل المعقدة والنزاعات بين الخصوم وفي ذات يوم دخل ديوانه كردي حائر وهو يتأبط ديكا ممتازاً وكانت المسألة التي تقلقه ماذا يصنع بهذا الديك الذي دأب على التبشير بدين النصارى ؟ وسئل الشيخ عن تفسير للامر بعد أن قص الكردي الحائر كيف انه سمع هذا الطير يصيحثلاث مرات

دین دین عیسی، ولم يكن في القضية اي شك لان الديك بادر يصيح حالما وضع امام الشيخ دين دين سيدنا عيسى بأعلى صوته او هذا على الاقل ما فسر صياحه كل الحاضرين فهي اذن معجزة لا ريب فيها لكن اهي من عمل الشيطان ام من عمل الرحمن ؟ ان كانت الأولى فالاشكال ينتهي بقطع رأس الديك واذا كانت الثانية، افلا يتحتم عليه وهو المسلم الآن ان يطيع النداء ويصير نصرانيا.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)
فكر الشيخ بهذه المعضلة ثم نطق بحل هو من جهة فتوى تنم عن حذق وحضور بديهة وهو من جهة ثانية قول من الطعم في فم كل مسيحي لما يتضمن من سخرية بكثرة الشيع المسيحية وهذا ما تستحقه تلك المذاهب تماماً قال الشيخ ان المعجزة هي من الله وان الديك يجب ان يبقى حيا وينزل منزل الاحترام والتقديس لكن لما كانت مذاهب النصارى عديدة وكل مذهب يزعم انه الدين الحق وانه يسير على دين سيدنا عيسى الصحيح وبما ان الديك لم يصرح اي مذهب منها هو الدين الصحيح لذلك فليس على المؤمن المسلم ان يفعل شيئاً حتى يتفق المسيحيون على اختلاف مذاهبهم لاتباع دين واحد، أو حتى يهبط على الديك وحي أكثر وضوحاً.

هذه حادثة تظهر جوانب عديدة للتفكير الشرقي.

الشيخ صديق وغد اصيل لكنه ذو شخصية قوية مصقولة على ان ابنه وولي عهده طه ورث عنه كل سوء طبعه ولم يرث عنه شيئا من فضائله القوية وكان هو في التاسعة عشرة بدينا غاية البدانة أن اضطر كارها الى السفر يوماً واحداً لا غير، وجب أن يهياً له بغلان من اضخم البغال توضع عليهما محفة وثيرة بشكل يجعل منها شيئا شبيها بالسرج الحمل هيكله الضخم وهو يرتدي الزي الأوروبي او ما يخيل اليه انه كذلك بنطلون فضفاض وحذاء طويل العنق حتى ليشبه المطالب بالعرش شبهاً عائلياً قوياً ومرة تورط اخوه الاصغر الشيخ موسى في حادثة مع القنصل البريطاني في وان فتلقى درسا ظل مطبوعا في ذاكرته في ربيع العام ۱۹۰۹ حل القنصل العسكري الانكليزي مع المؤلف في هذه المنطقة ضيفا على الشيخ طبعاً وكان غائبا عندما وصلنا ظهرا، فاطلقنا خيولنا للراحة ورعي الكلاً وبعد برهة من الزمن اقبل علينا احد القطرجية مسرعا بانباء تشبه كثيرا الانباء التي حملها خدام أيوب وبنفس حالة القلق التي استولت على عقول اولئك المساكين ان السبئيين المتمثلين بخدم الشيخ قد داهموا الخيل وهي ترعى فأخذوها وانطلقوا دون أن يقيموا وزناً للاحتجاجات.

وثارت عاصفة جائحة بطبيعة الحال انها اهانة قتالة يصعب تصورها حلت بضيف ويقتصل انكليزي وطلب من القائم مقام المدجن الاليف اتخاذ التدابير لاعادة المنهوبات فانتابت الحيرة المسكين وبات نهبا موزعا بين خشيته من القنصل ورهبته من سيده الشيخ وانهارت اعصابه بين هذين وكاد ينفجر بالبكاء وراح يتمتم مرتجفا ماذا أفعل ؟ ورجال الشيخ هم الذين اخذوها الحق يقال انه ارسل رجلى الضبطية مع حاجب قواس القنصل لاستعادة الحيوانات لكن ما ان اصبح الرجلان خارج القرية حتى اقتعدا الارض وصارحا القواس انهما لن يقوما باي عمل ضد رجال الشيخ أأمر القائم مقام أم لم يأمر.

وأعيدت الحيوانات مساء ذلك اليوم بالذات والقصة هي أن شيخ موسى خطر بباله أن يخرج في نزهة مع نسائه فاصدر امره باحضار الخيول اللازمة متوقعا الطاعة والتنفيذ الفوري.

فأجاب الخدم : مولانا لا يوجد خيول.

كيف لا يوجد خيول ؟ اليست هذه خيول ؟

قالها مشيرا الى المرعى حيث كانت جيادنا تسرح.

هذه خيول القنصل يا مولانا.

خيول القنصل ؟ وانا ؟ ألست شيخاً ؟

وهكذا اقتيدت الخيول اليه ومن المؤمل أن الازعاج الذي لقيه من وراء ذلك والغرامة التي فرضت عليه لقنت كل شخص درسا بليغا لا ينسى.

إن الخصام العائلي الذي نشب في السنوات الأخيرة قلص كثيرا من نفوذ الشيخ سيد طه فقد عاد الشيخ عبد القادر عمه من استانبول وادعى بالمشيخة ورئاسة الاسرة وهي من حقه بموجب التسلسل الوراثي فنشب قتال بين العم وابن اخيه وهو ما لم يكن ليلحق ضررا بليغا بأي احد لو بقى اتباعهما يحتربون فيما بينهم الا ان البلايا كلها انصبت بطبيعة الحال على رؤوس أقنانهم المسيحيين التاعسين الذين كان كل طرف يدعيهم لنفسه وهكذا وجدوا أنفسهم بين شقي الرحى.

واعتقل الشيخان ثم تم التوصل الى اتفاق ورضي عبد القادر بمعاش سنوي ضخم من املاك الاسرة على ان يتخذ من استانبول المدينة المألوفة لديه مسكنا ثابتاً مفضلا اياها على منصب شيخ بدوي في كردستان.

وبلغت بنا مسيرة يوم واحد من منزل الشيخ في نايري الى ارض العشائر المسيحية الجيلو و الباز.

وكلمة العشيرة تقابل عندنا لفظتي وهم من جهة المنزلة الاجتماعية في الدولة العثمانية يختلفون عن الرعية أو ما نسميه بالمواطنين فالمنتسبون الى هذا الصنف يدفعون خراجا ان امكن استحصاله منهم لا ضرائب وقد بدأت الحكومة التركية الآن بمحاولة بسط نفوذها عمليا على بلاد کردستان لو استطاعت الى ذلك سبيلا وكل سكان المنطقة المسلمين كانوا حتى وقت غير بعيد يعتبرون من صنف العشائر مثل سكان الجبال تقريباً ويعدون ممن هم وراء الخط في الايام التي سبقت الخمس والأربعينات من القرن الماضي وقد اتفق ان عددا لا بأس به من الاهالي المسيحيين الذين يملكون سلاحا هم من العشائر أيضاً.

والعزل من المسيحيين هم في وضع لا يحسدون عليه اذ وجب عليهم أن يخدموا سيدين في آن واحد وكلا السيدين من شر ما خلق الله فهم رعية في نظر الحكومة بقدر ما تفرض قوتها ذلك وهم رعية عند الشيوخ بقدر ما يستطيع هؤلاء فرض سلطانهم والوضع كله مفهوم عندما يتاح للمستطلع ان يعيش فيما بينهم ويرى الاجنبي في كل هذا استهتارا بالنظام والقانون وبكل ما تعنيه عبارة الحكم الصالح انها حياة جبليي اسكتلندا القدماء عقدها وزادها سوء وترحا التفرقة الدينية بين المسيحيين والمسلمين التي كانت تغذيها الحكومة.

واستقر وضع لا يمكن احتماله بين هذه العشائر المسلحة مسلمة ومسيحية على السواء في کردستان الجيل الماضي انه والحق يقال لوضع يستأهل الوصف والتصوير فقد كانت العشائر تتناحر فيما بينها تناحرا دمويا دون رادع او رقيب ويتلو ذلك الثارات والاحقاد بطبيعة الحال وفي اعقابها يأتي احياناً لا دائما خط التفرقة الدينية.

كان التسليح متساويا ومع ان العشائر المسيحية اقل عددا من المسلمة فان مواضعها الدفاعية منيعة وهم أشداء لا يقلون اقداما عن اقرانهم الكرد وظلت الأمور بينهم هكذا متراوحة حتى مجيء عبد الحميد الى الحكم والكفة متوازنة وهم يعيشون في هدوء نسبي وبينهم اتفاق ضمني يمكن اجماله هكذا لأي من الطرفين المتصارعين ان يأخذ ما يريد لكن ما يترك لا يدمر والنساء لا يتعرض أحد لهن بسوء وعلى هذا الاساس كانت الماشية سلباً قانونياً عادلا كذلك البسط وغيرها من اثاث المنزل والاسلحة طبعا لكن حرق البيوت والمزروعات وتخريب السواقي هي من المحرمات وقد يترك المغير الشريف مخزن القمح اما عدم التعرض للنساء عند غزو قرى العشائر فقد ظل تقليدا متبعا الى ان قضي عليه في السنوات الاخيرة وكان الشرط متعارفاً عليه عند الجميع حتى لم تكن هناك ضرورة الحراستهن ومثل هذه العادة كانت سارية في حدودنا الاسكتلندية خلال القرن الرابع عشر وفي بعض الاحيان يتفق أن فئة كردية تطلب فئة كردية اخرى ثأرا فتغير على قرية مسيحية لهؤلاء الاخيرين وبما ان سكانها رعية لشيخ عدو، فلا يجد المغيرون بأساً من نهب بنات القرية مع الماشية وان حصل هذا فان المتزوجات يبقين في حصانة مطلقة.

لكن الأمور تغيرت وساءت للغاية فلم يعد للنساء حرمتهن كما كان الأمر قبلا ثم ان توزيع السلاح على الكرد بكثرة قضى على الموازنة وحصل هذا عندما قام السلطان السابق عبد الحميد بتأليف ما يدعى الآلايات الحميدية المحافظة عرشه من جهة، وليبقي المسيحيين في طاعته من جهة اخرى وعليك الان ان تضيف الى عدم التعادل العددي اهمية الفرق بين بندقية الماوزر وبين البندقية ذات الكبسولة التي تحشى من الفم.

وهكذا بات الوضع لا يطاق واختلت الموازنة تماما وتردت الحال باطراد بين العشائر المسلمة والمسيحية.

في الزمن الماضي لم يكن القتال مميتا كميات كبيرة من البارود المصنوع محليا كانت تحرق الا ان هؤلاء الجبليين جبلوا من معدن صلب بحيث يصعب قتلهم وقد رأى المؤلف بأم عينه کردیا اخترقت جسمه رصاصة على اثر نزاع قبلي فسار على قدميه الى منزله وقال لزوجته وهو ينزع قميصه شيء مزعج حقا قميص جديد مزقه ثقبان وعلاوة على هذا يجب غسله.

و جيلو اقليم جبلي صغير المساحة غريب الملامح انه مجموعة من الوديان الضيقة تنحدر مجاريها من سلسلة جبال گله شين الوعرة التي تنتهي بقمة سيادوريك بارتفاع اربعة عشر الف قدم ومن اتحاد هذه المجاري يتكون نهر اوره مار وهو اهم فرع من فروع الزاب كما أشرنا في الفصل السابق وليس ثم زراعة ممكنة هناك غير زراعة الحافات فالارض كلها صخرية جرداء والتراب الذي يؤلف تلك الحقول ينقل بسلال على ظهور الرجال عادة ثم ينشر على البقعة ليكون طبقة من التربة ومن الضروري أن يكون الحقل المختار بمأمن من الانهيارات الثلجية والا فقد يستيقظ الفلاح المسكين في صباح يوم ربيع ليجد زرعه قد جرفه الثلج مع حقله اثناء الليل.

وحياة رجال جيلو أشق من حياة اي جبلي اخر في كردستان لهذا نما فيهم حب الحل والترحال والتنقل بشكل فاق معظم ابناء جلدتهم فمنهم من لا يتردد في الرحيل الى اية بقعة من بقاع الأرض بحثا عن عمل على انهم يعودون دائما الى هذا الاقليم الصغير العجيب كآخر مثابة بعد مطافهم انهم يبدأون بلا شيء خلا الثياب التي تكسو اجسامهم وهي مهلهلة خلقة، ويظهر انهم لا يعرفون للجوع معنى وقد يتفق لبعضهم أن يعود بثروة انك لتجد رجالا من جيلو ساهموا في بناء قلاع مدينة پورت آرثر يصححون لمؤلف هذا الكتاب بعض النقاط التي يوردها اثناء حديثه حول تلك المدينة المحصنة حين نوقشت وقائع حصارها في ديواخانة البطريرك انك لتجد بينهم رجالا عملوا في مدفعية البوارج الامركية في انحاء كوبا واناسا وقعوا على رجل خير واحسان بشكل ما فتكفل بالانفاق على تعليمهم الجامعي في امريكا وهنا حادثة ذلك الجبلي الذي عاد بثلاثة آلاف باون، وبكلمة ادق وصل بها الى مسافة بضعة أيام من مسقط رأسه ولكن حظه ادبر عنه في اللحظات الاخيرة وهاجمه جماعة من الكرد وسلبوه ثروة كانت غنيمة العمر الحياة الشر التي اعتادوها انها والله اقسى لعبة من الاعيب الحظ فلا بد وان هذا الجبلي جمع ثروته تلك من اعمال غير مستقيمة لا تختلف كثيرا عن صناعة سارقيه ولا يمكننا أن نطرح جانبا شعورنا بان حق السلاب في الغنيمة لا يقل عن حق سارقها باستعمال الحيلة.

إن الصناعة التي اشرنا اليها فيما سلف هي هذه اكتشف الجبليون ان الناس في اوروبا وامريكا يعطفون عطفاً شديدا على الكنائس العتيقة المكافحة وهم لا يترددون في منح مبالغ كبيرة من المال على سبيل المساعدة فراح الجبليون يجمعون اكتتابات للمدارس والمياتم والظاهر ان العشرات يسافرون لجمع المال لهاتين الغايتين اما الحقيقة فهي انهم ينفقونها على انفسهم والشرطة الأمريكية تعرف هذه اللعبة حق المعرفة وقد اخترعت تعبير القس المزيف لنعت هذا الفرع من فروع الاحتيال الممتازة.

قد يشعر المرء ببعض العطف على أولئك العيارين الذين تجيب حيلهم على السؤال القديم لماذا خلق الله الحمقى ان لم يكن لمنفعة الاذكياء انهم في الواقع معدمون وهم يعلمون أن رحيلهم الى بلاد الغربة وقيامهم باعمال النصب فيها يمكنهم من تحصيل ما هو بالنسبة اليهم ثروة العمر.

وهذا هو الاغراء الاعظم لا سيما وان ابناء جلدتهم لا يعيرون اعمال النصب والاحتيال اهمية ولا يأخذونها عليهم مأخذا جدياً وسيظل هذا الاغراء في النفوس حتى تشد فضيلتا الاحسان وتحكيم العقل في رسن واحد لتركضا معاً والمحسنون في بلادنا يرفضون أن يولوا الاجانب الثقة التي يولونها ابناء جلدتهم لذلك لا تجدهم يثقون باي واحد من هؤلاء المشارقة.

أضف الى هذا ان هؤلاء المشارقة لا يرتكبون غشا بحسب مقاييسهم الخلقية لان الشرقي لا يفهم مسؤولية الثقة واحكامها فما تعطيه تعطيه والله يعوض وهو ويجزيك خيرا لكن ما ان تعطي له حتى يكون المال قد خرج من يدك تماما وليس للواهب الحق في الاعتراض على تصرف الموهوب له بالموهوب ولهذا ان ينفقه في غرض غير الغرض الذي خصص له ولا جناح هل وهبته في سبيل انشاء مدرسة ؟ حسن انه كان ينوي انفاقه على المدرسة لكنه وجد فيما بعد ان اسرته في حاجة اليه وهو كسبه وحلاله فما ينتظر وما شأن ذوي العقول الضيقة بهذا ولماذا يستعملون كلمة السرقة القبيحة لوصف عمله.

لذا وفي الوقت الذي نعطف على هؤلاء النصابين ننصح المحسنين بألا يدفعوا لهم مالا ولا يصدقوا الوثائق الفخمة التي يبرزونها مختومة بالاختام البطريركية فالتزوير عملية سهلة للغاية في بلاد كان التوقيع الوحيد هو الختم واي حفار اختام يمكن ان يعمل نسخة مطابقة من أي ختم أصيل.

الجبلي المتجول يمثل تماما بائع التذكارات المقدسة الذي ركب قاصدا كانتربري مع چوسر لقد جمع عضو واحد من هذه الأخوية التجارية، مبلغا كبيرا من المال ببيعه في أربع قرى روسية الحوافر الاربعة للأتان الذي ركبه السيد المسيح عند دخوله اورشليم ولم يقع في متاعب الا عندما تغلب طمعه على حذره فقام بسد حاجة القرية الخامسة الى حافر خامس وهناك جيلي اخر عاني في الهند ظروفاً أسوء الا انه استطاع أن يجمع حوالى ثلاثمائة باون من عدة جهات بطريقة رفضه الانصراف رفضا باتا حتى يعطى له شيء.
بواسطة (2.9مليون نقاط)
لكن القي القبض عليه في مليار بزعم كونه جاسوسا روسيا وجيء به الى حاکم تحقیق هندي صارم ولما كان الجيلي يعرف من تجاربه في بلاده مبلغ الخطر الذي ينطوي عليه قول الحقيقة لاي موظف لا سيما موضوع ملكيته مالا فقد اسرع الى الادعاء بأنه رجل معدم لا يملك شروى نقير وظل مصرا على اكذوبته في حين كان قول الحقيقة يضمن له السلامة فما كان من الحاكم الهندي الا واسلمه الى الشرطة لتفتيشه فعثروا على مدخراته من المال بطبيعة الحال واحتفظوا بها لانفسهم ثم اخذوه الى المحكمة وقالوا انه يتكلم الحق وان عملية التفتيش ايدت ذلك فهو معدم لا يملك فلسا واحدا وبهذا اطلق سراحه.
ان كاتدرائية اقليم جيلو هي بيعة مار زيا الاثرية وهي بناية شهيرة تستأهل منا بعض الوصف فطرز عمارتها يختلف تماما عن اية بيعة جبلية مجرد صندوق حجري مستطيل سقفه مقبب من الداخل ومستو من الخارج وهندستها على غرار الطراز النسطوري المألوف الذي سنشرحه فيما بعد الا ان محتوياتها هو فيها موطن العجب والغرابة.
جرى التقليد عدة قرون أن يقدم الجيليون العائدون من البلاد  أي من ارض الاجانب هدايا الى بيعتهم ولسبب سنذكره الآن لم يقم عدو او خصم بنهب البيعة بتاتا.
وهكذا اكتظت البناية بمجموعة من التقدمات لا يمكن ان تقارن بها اية مجموعة من النذور في العالم هدايا يخشى المرء تقدير تاريخ بعضها لئلا يخطأ واحدثها طرا مجموعة فخمة من الساعات الأمريكية المنبهة وغير المنبهة منتظمة كلها في سلك واحد يمتد في فضاء البيعة من جدار الى جدار احداها الى جانب الأخرى واجراس نحاسية ذات احجام صغيرة الان نصف حمل البغل اي ١٢٥ ليبرة هو اقصى حد الحمل الرجل دفعة واحدة تراها معلقة في كل ناحية هناك عقد منها طويل يزين الستارة المرخاة على المذبح وهناك حلل كهنوتية روسية معلقة على امتداد الجدران في حين تنطق بيض النعام والمرجان عن العلاقة التي تربط الجميليين بساحل ملبار واخيراً ترى صفا من جرار الخزف الصيني في آخر البيعة علتها طبقة من الغبار سميكة ويقال انها جلبت عندما كان يوجد للبيعة النسطورية اساقفة في كل من يكين و سنگان  خلال القرن الثامن الميلادي ولا شك أن خبراء التحف يسترخصونها اذا ما قيموها بوزنها ذهبا.
ولعل اغرب ما في البيعة هو الحرز الذي صان هذه النفائس كلها من صولة الناهبين ان كان الحرز حقيقيا كان معنا احد رجال الضبطبة الذي رافقنا من مقر الحكومة في نايري ودخل البيعة معنا بعد ان خلع حذاءه وقلنسوته بكل خشوع عند الباب الان رأيناه يدنو من الكاهن الشاب الذي كان يعرض علينا نفائس بيعته ويقول له:
سيدي اتسمح لي ان القي نظرة على منديل سيدنا محمد؟
فأجابه الكاهن مسرعاً : بكل سرور.
ثم سار الى مشكاة في جدار واخرج منها لفافة قماش حريري واخذ ينضو عنها قطعة نسيج بعد اخرى حتى كشف عن قطعة من الكتان الابيض فيها كتابة عربية ربما كانت فرمانا يتضمن امرا بحصانة هذه البيعة أو ما يفترض انه براءة صدرت من الرسول نفسه مدونة على منديله الخاص ونحن لا نستطيع الجزم باصالته او باحتمال ذلك واقل ما في الامر ان كل كردي يؤمن ايماناً راسخاً باصالته انحنى رجل الضبطية امامه خاشعا متهيبا ووضعه على جبينه ثم على عينيه ثم اعاده مشفوعا بهبة للبيعة تساوي راتب اسبوع وسواء في ذلك أكان المنديل حقيقيا ام مزيفا فانه انقذ البيعة ومحتوياتها من النهب والغارات مرارا عديدة وسيبقى الحال كذلك على ان الشيء بالشيء يذكر ففي انفجار تعصب ديني دبرته الحكومة العثمانية في العام ١٨٤٧ لم ينقذ احترام اسم النبي وثيقة دينية مشابهة كانت في حيازة الاسرة البطريركية ولا اعضاء تلك الاسرة من الذبح ولا بيعة اخرى اغنى من هذه البيعة من طائلة النهب.
كانت اقامتنا في جيلو عند مارسرجيوس كاهن القرية في قصره الكثير السذاجة والبساطة دخلنا القرية ظهرا فامضينا معظم العصر في الديوان متصدرين وعلى تخت واطيء واهل القرية يتقاطرون الى زيارتنا ليتحدثوا في شتى المواضيع وطلب عدد كبير منهم علاجاً لأن الانكليزي هو طبيب بحكم الوراثة وحقها وانه يحمل دوما ملحه الانكليزي الفعال الذي هو في الواقع مسحوق الكينا مع غيره من العقاقير.
والقاعدة التي يجب على الرحالة ان يتبعها هنا هي وزع عقاقيرك بسخاء سواء أعرفت شيئا من صناعة الطب ام لم تعرف الحمى يسهل عليك تشخيصها على كل حال وان خفيت عنك فمريضك يشخصها عنك وان لم توهب ملكة التشخيص فاظهر بمظهر الحكمة المضاعفة بوصف دواء مر علقم غير ضار لان اشد الادوية مرارة يرفع من ايمان مريضك بك ويشد معنوياته وهذا هو السر الأكبر في العلاج الناجع وعلى العموم انك تنجح عندما تجهل العلة اكثر مما تنجح لو انك وفقت في تشخيصها وما عليك الا ان تتبع قواعد معينة.
أولاً : إن اعطاءك ملينا خفيفا للشرقي هو تبذير للعقار الجيد يرقى الى مرتبة الاجرام فضلا عن كونه يضعف الايمان بالعقاقير الاجنبية وهو اسوء ما في الأمر.
ثانياً : اعط المريض في حالة اتباعك تعاليم الكتاب الطبي ثلاثة اضعاف الكمية التي قررها الكتاب بالنسبة للاثوري وخمسة اضعاف بالنسبة للكردى وعندئذ فقط قد يظهر للدواء بعض التاثير  هذه الحقائق تعلمها المؤلف من ذوي الخبرة والتجارب ايام كان جديدا على البلاد ولما طرقت سمعه لاول مرة مادت به الارض وأبى أن يصدق لكنهم اكدوا له ذلك وقال له احد الاثوريين:
أجل انها الحقيقة بعينها فيصعب جدا ان يتسمم الكردي وان تم ذلك فهو امر ليس بالخطير.
ومع ذلك فقد عرفنا شرقيا واحدا على الاقل عانى آلاما نجمت عن زيادة في مقدار الدواء وخلاصة الحكاية أن مريضا طلب ملينا من احد اصدقائه الاثوريين فما كان من هذا الصديق الذي يسمى نفسه حكيما لانه قضى ثلاثة أشهر يشتغل في عيادة بعثة طبية اميريكية بوظيفة غاسل القناني الا ان اعطاه دواء قويا ودهش الآخذ والمعطي للنتيجة إذ اتفق ان وصل مؤلف هذا الكتاب في اليوم التالي فاستدعي بصفة طبيب استشاري  الرؤية المريض فوجده في حال سيئة للغاية بعد قضائه ليلة سوداء يتلوى الما وعذابا فسأل حكيمه المعالج.
وأدلى الطبيب المستشار الذي هو انا برايه قائلا: ان المريض سيعيش بعد أن يقى حياً اربعاً وعشرين وقد برهن الزمن على صواب رأيه وصدق حكمته وعاش المريض.
ثم عرضت علينا حالة مرضية عصر ذلك اليوم وقفت مهارتنا امامها حائرة اقبل علينا رجل ليقص حادثة اليمة باللهجة الجبلية التي لم نكن نفهمها فاستنجدنا بالقس للترجمة فأصغى اليه برهة ثم اغرق في نوبة من القهقهة حتى انبهرت انفاسه والتفت الينا يقول لاهثا :
إنه يطلب واء لاسكات زوجته يا رابي أفندي.
فقلنا : بلغه يا أبانا أننا لا نستطيع عمل المعجزات.
كان اهم موضوع سياسي دار الحديث حوله هو محاولة القائممقام الاصلاحي المحلي التي قام بها لاحصاء رجال جيلو فقد بعث اليهم بموظف حكومي مزودا بحبر واوراق فشرع هذا يدون اسماءهم جميعاً ولما سألوه عن سبب ذلك اجاب مفسرا انه لاجل انتخابات مجلس المبعوثان اي البرلمان التركي فاذا دونت اسماؤهم بشكل متقن صحيح فسوف ينتخب لهم عضو في المجلس يختص باقليم جيلو وسيسكن استانبول ويقبض راتبا ممتازا لمجرد جلوسه في العاصمة لتمثيل مصالحهم وتقديم مظلماتهم للسلطان.
وبدت لهم الفكرة وجيهة فأعطى الرجال اسماءهم بطيبة خاطر حتى كاد الاحصاء ينتهي وهنا خطر ببالهم انهم كانوا مستعجلين نوعاً ما وان هذه القوائم قد تستخدم لاغراض اخرى لا تمت الى انتخاب عضو المجلس بصلة ماذا سيكون حالهم لو ان الغرض منها جباية ضريبة جديدة؟ او لعلها قد تستخدم لاسوء من هذا ربما لتجنيد اولادهم في الجيش وكانت النتيجة ان جيلو ارسلت بعثة تفويض قوية لتعقيب مدير الناحية الذي كان ارمنيا فادركته وصادرت كل اوراقه واحرقتها وكان هذا الموظف مسرورا لانهم لم يتبعوه بأوراقه.
لم تكترث الحكومة العثمانية بهذه الحادثة التافهة التي تتعلق على كل حال بموظف ارمني صغير خامل الشأن ولو كان تركيا لانصبت المتاعب على كل من أسهم بهذه العملية وعلى عدد آخر ممن لا علاقة له بها.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل يوليو 4، 2022 في تصنيف ألغاز واجوبة بواسطة alaistfada (2.9مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...