بلاد الغبار والرماد دياربكر وماردين :-
يعود كره الاتراك للارمن الى ان الأرمن هو الشعب الوحيد الذي يخشاه الترك بين سائر الشعوب الأخرى الخاضعة لهم فالعرب والكرد هم اخوان لهم في الدين ليس بينهم التحام قومي او وطني والسريان اليعاقبة والنساطرة اما قليلو العدد لا يكونون مصدر خطر واما ان طول خضوعهم قد عمل على كسر شكيمتهم وطيعهم بحيث لم يعد لهم رغبة في ثورة لكن الأرمن شعب كثير العدد ذو روح وطنية جياشة واغلبهم مزارعون مسالمون الا ان فيهم عددا كبيرا من المثقفين ومن صناديد الرجال واكفائهم ودعاة الوطنية النشطون عندهم نسبة مئوية ضئيلة الا انهم كانوا دؤبين على العمل بكل اصرار وعناد لقلب نظام الحكم الحالي وباحوال سياسية متساوية لن يطول الزمن بالارمن حتى يضمنوا النصر لانفسهم وتلك نكبة لا يستطيع الترك احتمالها لهذا عندما ذر قرن الخطر قرر الترك اتخاذ الاحتياطات وهم لم يكونوا قادرین اصلاً على معالجة الأمر بالعقل والحكمة، بل عن طريق القوة الغاشمة.
ترى استقوم مذابح اخرى ان الخطر حال ولا مناص منه فالترك لا يريدونها لانها تثير عليهم السفارات الاجنبية فضلاً عن أن قتلهم الأرمن معناه قتل الوزة التي تبيض لهم ذهباً والزعماء الكرد لا يرغبون في ذلك ابداً لان ذلك يعرضهم الى خسارة مالية فادحة لكن هناك في الاعماق تكمن فورة الدهماء المتعصبين هؤلاء الذين يسهل على المشاغبين من ذوي الرؤوس الحارة اثارتهم والهاب مشاعرهم مثل إشعال النار في مخزن بارود ازيح عنه الغطاء التفجره اية شرارة نار طائشة قال الوالي الطيب لشخص من معارفي سانذرك مقدماً ان استطعت سبيلاً الى ذلك وكل ما يمكنني قوله الآن هو اني لا ارى خطراً في الوقت الحاضر هنالك لغط بطبيعة الحال واللغط موجود دائماً وما دام الكلام يصل الى آذاننا فلا اراه يتعدى هذا الحد اما اذا وجدت جماعات صغيرة يتهامس افرادها فيما بينهم ما يمر نصراني على قيد سمع منهم حتى يتفرقوا فتلك هي علامة الخطر الحقيقي ويمكنك ان تلحظها مثلما الحظها انا.
وكان في ديار بكر كثير من اللغط آنذاك وكثيراً ما اسمعنا الصبيان الشتائم اثناء مرورنا بالازقة يقلدون بها كبارهم ولاشك ومن المؤكد أن التوتر قد تصاعد كثيراً بعدها لازدياد الحقد بسبب حرب البلقان فصاروا يميلون الى الثأر لهزيمتهم من أي مسيحي تحت متناول اليد زد على هذا ان الدستور لم يصلح الأمور اصلاحاً كلياً فقد افتتح عهده باعلان العفو العام وبمقتضى ذلك اطلق سراح كل المبعدين والمنفيين والسجناء السياسيين ولاشك أن فريقاً كبيراً منهم كان مظلوماً بريئاً الا ان ابقاء بعض منهم بعيداً عن مكامن الفتنة كان اجدى وافضل كثيراً وفي ذلك الزمن كانت ديار بكر في غاية من القلق بسبب
عبد الرزاق آغا حفيد بدرخان وولي عهده وهو الذي يقترن اسمه بذكرى المذبحة وكان قد اعيد الى حصن اسلافه الحصين في بوتان لقد عرف عن هذا الأمير طموحه الى الاستقلال بحكم بلاده تحت حماية الروس واتخاذ لقب ملك كردستان الموحدة ومع أن مشروع كردستان متحدة هو في المبدأ مفهوم ايثوبي فان تشجيع مذبحة كهذه المذبحة قد يستدعي تدخلا روسيا في اعقابها.
كان نظام الحكم التركي الغابر قد تعود معالجة هذه الاخطار باللجوء الى المكر والخديعة ان لم يكن بالحكمة والتأني الحصيف كما نحكم نحن بحسب آرائنا الضيقة المحدودة ويمكن تقريب الامر الى الذهن بشرح واقعة لبدرخان بدرخان بك هذا قطب من اقطاب تلك الاسرة الشهيرة تروي عنه حكاية لا معدى لنا من ايرادها ان لم تكن بالحرف فعلى وجه التقريب وكما تواتر امرها في هذه الحكاية يتجلى شكل الاساليب التي تعودت الحكومة التركية استخدامها لخضد شوكة السادة الذين يشقون عصا الطاعة عليها.
استدعى السلطان في ساعة من ساعات صفاء النفس بدرخان بك من منفاه وفاتحه في امر الانعام عليه بجزء من مملكة اسلافه فانتفخت اوداج الشيخ المنعم عليه واسكرته هذه الالتفاتات السنية فراح يطالب بمختلف الامتيازات والسلطات وعادت الحياة الى كل المطاليب السالفة التي اثقل جفنيها السبات الطويل فبدأ القلق يساور الحكومة التركية الا انها لم تظهر استياء او عدم رضا وسلمت للامير البوتاني بكل مطلب عرضه ثم ودع توديعاً رسمياً حافلاً حتى اعتلى ظهر البارجة الحربية التي كانت ستقله الى طرابزون ومنها الى دويلته وبعد التوديع بيومين عادت البارجة الى المرفأ الذي أقلعت منه ربما نسيت شيئاً وعادت لاخذه ؟ ربما كانت محركاتها بحاجة الى اصلاح ؟ لكنها لم تكن مستعجلة لاستئناف رحلتها وسرعان ما شاع ان بدرخان بك لم يعد من ركابها انه لم ير في اليابسة والبارجة ؟ انها لم ترس في اي ميناء منذ اقلاعها في اغلب الاحيان لا تعلق اهمية الظاهرة على تنقلات قطع اسطول الحكومة والسؤال هو عن لحم البقر المشوي الهريس ترى ماذا حل ببدرخان بك ؟ لا احد يدري.
لقد اتخذ جماعة جون ترك موقف انكار الذات ديدنا لهم وشريعة في مثل هذه المناسبات الخطيرة الا انهم لم يحاولوا جس هذا السرطان الخبيث في جسم الحكم العثماني سرطان فساد الادارة المزمن في تركيا مجموعة من القوانين تثير اعجاب المرء حقاً ولها نظام ضرائب يجب ان يكون مصدر حسد ساستنا الماليين المتطرفين في نظراتهم الاصلاحية لكن مع هذه القوانين خرج ذلك الدواء الحديث الصالح المعالجة كل داء وهو تعدد الوظائف فكل موظف فيها اكان من الاتراك الشيوخ ام من الاتراك الشبان جون ترك ارناؤطيا أم أرمنياً فهو بصريح العبارة في طريقه الى التكوين لان وظيفته تفرض له مبدئيا راتبا زهيدا لا يشبع بطنه ومع هذا فهو يدفع رشوة لضمان بقائه فيها وهو مدرك تماماً انها تستأهل الرشوة لان اللقطات العفوية ستساعده على جمع كومته الخاصة.
ولا يستهجن الموظفون الحاليون سلوك اسلافهم هذا السبيل بل يحسدونهم على الفرص التي عنت لهم فانتهزوها ولو ان هؤلاء اعطوا الفرصة ليخدموا انفسهم وينتفعوا لظلوا قانعين جدا بالوضع الحالي الذي يعيشونه لكن عصابة الحكم القديمة كانت قد شدت الحكومة اليها شدا فنياً متيناً لا مجال معه لقصمها الا بثورة وهكذا وقعت الثورة المحتومة في وقتها المعين لكن اساليب الادارة بقيت في جوهرها كما كانت.
ولم يشرع في القيام بمحاولة تذكر لاصلاح الامبراطورية من الداخل والتعليمات والأوامر الحالية هي لا تفعل شيئاً على الاطلاق والحكومة المركزية لا يهمها الا اجتثاث ثورة صريحة وجمع الضرائب بانتظام حتى تستطيع دفع رواتب الموظفين والانفاق على الجيش لقد حاول السلطان عبد الحميد الخلاص من فرض دفع رواتب افراد الجيش فكانت هذه المحاولة الصغيرة الفاشلة في الاقتصاد من اهم الاسباب التي ادت الى خلعه فالجيش مؤسسة لا يمكن تجويعها بعملية خداع قطعاً.
وبطبيعة الحال فان كل هذا الفساد الحكومي المنظم ينكب الحكومة بخسائر مالية فادحة فالموظفون يتسامحون دائماً وعلى طريقة رد الجميل لاصدقائهم ان يكسبوا شيئاً قليلاً وهم دائما يقدرون ثرواتهم بعشرة بالمائة من قيمتها الحقيقية تهربا من دفع الضرائب وتتم محاباة الكرد على حساب غيرهم والعكس بالعكس لان معونتهم يجب ان يحسب حسابها وان كانت مساهمتهم في تطوير البلاد اقل بكثير مع هذا فان الكرد انفسهم يضيقون ذرعاً بهذه الاساليب التي تتبع في دفع ضرائبهم لا لانها ثقيلة بل لانها لا تعود عليهم باية فائدة انهم لا يجدون تعويضاً عن أموالهم المدفوعة فلا طرق تشق في بلادهم ولا ثقافة تعم ولا اعمال ري تنشأ انهم يدفعون جزية لا غير مثلما كان ملوكهم المحليون يدفعون الاتاوة للاشوريين القدماء ولذلك كانوا دائماً على استعداد للثورة لو وجدوا اي امل في الحصول على مساعدة خارجية لانجاح ثورتهم فهم كملوكهم الذين خضعوا للاشوريين كانوا يعرفون جيداً انهم سيسلخون احياء لو فشلوا في مسعاهم.
وخير ما يمكن ان يقوله المرء عن تطبيق العدالة هو ان جهازها ليس كما يبدو في ظاهره فالقاضي يأخذ رشوة من الطرفين المتخاصمين وهو عازم من البداية ان يكون عادلا فاذا كان قوي الخلق حريصاً على سمعته اعاد الرشوة التي اخذها من الطرف الخاسر واما في القضايا الجنائية فعلى المرء ان يدخل في حسابه مبدأ اخر الجنايات عندنا تعتبر جرائم ضد الدولة ا يتعلق بها الحق العام فلا محيص للحكومة فيها عن فرض العقوبة الا ان الاتراك يميلون الى اعتبار هذه الجرائم مما يقترف ضد الاشخاص لا غير. ولا يكون من واجب الحكومة الا المحافظة على حقوق المعتدى عليه أو من يقوم مقامه قانوناً والانتقام له ان كان المجنى عليه قادرا على ذلك متمكناً من خصمه ولا توافق الحكومة ان تقوم مقام المجني عليه في الثأر له الا اذا اتفق ووجدت شخصية ذات نفوذ خارجة عن موضوع النزاع ولنقل القنصل البريطاني مثلاً او شخص مهاب الجانب هو طرف في اصل النزاع ان وجهة النظر هذه الساذجة جدا تؤدي حتماً إلى ظلم وليس في امكاننا ان نؤمل صلاح الحال الى ان يهضم الاتراك مباد منا الغربية هذا وان ابتلاع تلكم المبادئ دفعة واحدة ستصيب معدة الاتراك بعسر هضم شديد.
واما بصدد الكرد فنحن نريد ان ننصفهم ونفيهم حقهم جهد الامكان وقد نجد لنا عونا في هذا من كلمات لمار افرام اسقف الاثوريين في أورمية كتبها عنهم الى رئيس اساقفة كانتربري فلم يسعه ان يخلع عليهم من الصفات غير صفة وحشي او امة وحشية هذا مع العلم ان لفظة وحشي تعني غير مثقف أو غير متعلم ولا أكثر من ذلك على انه من العدالة ان نضيف قائلين انها لفظة فيها من القسوة والتجني ما يمكن اعتباره بعيداً عن الاعتدال في بلاد كانت نسبة متعلميها الى امييها واحدا الى مائة.
ان فقر الثقافة الذي يشكو منه اسقفنا لهو اشبه بالضعف في علم الحساب ذلك الضعف الذي تسبب في شنق الايرلندي فهؤلاء الكرد يميلون الى جمع اغنام في قراهم تزيد عما يملكونه شرعا وهم قوم رعاة تركوا الزراعة لاخوانهم اليزيدية والاثوريين تركا تاما على اننا نخشى ان لا تختلف مثلهم العليا في الرعي عن مثل كرايدون وميليبوس او هم بالاحرى الممثلون العصريون لعصبة اليوت وماكسويل وجونستن الذين كانوا يمارسون على حدودنا فن الرعي النزيه ولعله كان حريا بنا ان نقول لهم ما قيل لرئيس عشيرة اخرى بلغت كبائرها حداً لا مزيد عليه ساعة أن منح هذا الرئيس لقب الدوق.
لو كان لكل رجل بقرته الخاصة، فماذا ترى ستكون حال العشيرة الأمينة.
اعمال كهذه لا يمكن قط أن تعتبر اعتداء او جرماً بحسب شريعتهم واعرافهم السائدة وعلينا ان نحكم عليهم بأكثر ما يمكن من العطف أن اقتصروا على سلب قطعان الغنم او وقفوا عند حد ارتكاب جريمة قتل بمحض الصدفة على اننا نخشى ان تسجل ضدهم اعمال اشد سواداً من هذه في بعض الاحيان اعمال شبيهة بتلك التي اتاها ایدوم او کوردن او بلاك آدم الجيفيوتي او العمل الذي صب
انتقام هیپورن على رأس برترام صاحب برج متفورد ومما هو جدير بالاهتمام حقا هو ان نجد دونالد بين لين بلحمه ودمه في آسيا الصغرى يجوب جبالها ولو وجد ثم ساحة اعدام كساحة كريف الشديدة العطف لما ترددنا في الحكم بأن دولتنا هنا ستكون اعظم مهابة.
في ديار بكر يوجد نائب قنصل بريطاني ولا يشغل هذا المنصب احد اليوم ولا عجب فهو من المراكز التي تستطيع حكومتنا تجميدها كلما وجدت ذلك اسلم لها ولاشك ان نائب القنصل هنا يحيا حياة محملة رتيبة هذا وان التجارة البريطانية التي كانت السبب الصوري الظاهري لاستحداث هذا المنصب هي تجارة مبهمة لا كيان لها على أن مجرد وجود أوروبي هناك معناه الحماية الحقيقية لابناء الاقليات والطوائف والفضل يعود على الاقل إلى الواجبات التي تفرضها علينا مواد المعاهدة المعقودة بيننا وبين حكومتهم.
والفضل لمكانتنا القومية في الشرق يعود بدرجة رئيسة الى سيطرتنا على الهند وهذا ينعكس في حقيقة واضحة هي ان قناصل الهند في الجنوب هم اعلى مقاماً واحسن حالاً من قناصلنا في الشمال اي الذين يرتبطون بالجزء الاوروبي من الامبراطورية وسمعتنا هي الاخرى في تناقص كما لا كيفا. فنحن نعيش كما هو معروف على رأس مال جمعه لنا رجال من امثال ستراتفورد کاننگ ويجب علينا الاقرار بان سياستنا في الايام الاخيرة لم تكن سياسة بلاد ذات قوة عظيمة ويبدو اننا قنعنا بالابقاء على البربرية في بلاد ما بين النهرين حتى يكون وضعنا في الهند مريحاً واصررنا على ان لا نشجع مد سكة حديد بغداد لانها تجعل دفاعنا عن حدودنا اصعب من دفاعنا عنه الآن ولو ان قادتنا العسكريين هم الذين يتبنون وجهة النظر هذه وحدهم لكان الأمر مما يغتفر لنا فهم يعلمون جيداً قلة استعدادنا حاليا وقد يجدون من واجبهم ان يدمروا هذه السكة لان القوات التي يملكونها لا تكفي للدفاع دون القيام بهذه العملية اما من وجهة النظر القومية فان سياسة الكلب المحبوس في القن هذه لابد وان تأتي لاصحابها بعقوبتها المقدرة وخير سياسة
صريحة مستقيمة وهي اخيراً أحكم السياسات وأعقلها أن نحتث كل تقدم وان نمد يد الرجال للنهوض بالمسؤوليات التي تتطلب ذلك.
استأنفنا رحلتنا من دياربكر في اصقاع تغطيها حمم البراكين سالكين ما قد يكون اشق جزء من الطريق بين حلب والموصل وظلت امتعتنا تقفز وتنط في العربة مثل كمية من الفاصولياء اليابسة في قدر ماء فائر وانكسرت لوالب العربة الثانية التي رافقتنا وتحتم ان تربط بالخيوط والحبال ثم انكسر محور عربتنا الخشبي بالقرب من الثقب الذي يدخله فأضطررنا الى شده ايضاً وبمعجزة خارقة ظلت الاجزاء محكمة الوثاق حتى بلوغنا ماردين.
هذه العوارض والاصلاحات عطلتنا فوجدنا انفسنا ليلاً ونحن في ارض سبخة وظل السائق سبيله وطرق ممراً غامض المعالم وبعد مدة اضطر الى البحث عنه على ضوء اعواد الثقاب وبحثنا بين امتعتنا عن مصباح يزيد ضوء على ضوء الثقاب الا انه لم يكن بذي أثر في انجادنا على الحادث الذي كان ينتظرنا وهو عبور نهير ذي مجرى واسع بعض الشيء يصل ماؤه الى محور العربة على ان حسن الحظ كان الى جانبنا ووصلنا الخان اخيراً.