من خليج الاسكندرونه غرباً الى عقب بحر قزوين شرقاً تقريباً تمتد سلسلة جبال شاهقة اشبه شيء بجدار طبيعي هائل يرتفع ليكون حدا فاصلا بين هضبة اسيا الصغرى الشمالية الوعرة وبين سهل ما بين النهرين الجنوبي العظيم الانخفاض وتعرف هذه السلسلة في اقصى الغرب باسم جبال طوروس وبابتعادها نحو الشرق لا تجد لها اسما عاما تعرف به مع انها تستحق التمييز كل الاستحقاق فذرى السلسلة هنا تبلغ اقصى ارتفاع لها ومنفرجاتها تضم جانبا من اروع مناظر الطبيعة في الدنيا.
كانت المرتفعات التي ولجناها في اورفه الطلائع الأولى لهذه الجبال على انها وهي في مواقعها الحالية طلائع متقدمة جدا وكان من المحتم علينا أن نمضي في طريقنا قدماً زهاء يومين او ثلاثة في ارض مرتفعة منبسطة رسوبية وكانت سفرة مملة رتيبة على العموم اذ مع ان الذرى المتوجة بالثلوج بدت امامنا في خط الافق ذات مهابة وجلال فان الارض المتعادية فيما حولنا كانت قاحلة جرداء بكل معنى الكلمة وكان ثم قرى كردية قليلة العدد ذات مظهر مزر بائس نمر بواحدة منها بين كل فترة اربع او خمس ساعات ولا تجد العين خلا هذا ما ترسل انظارها اليه وتتملى فيه وبدا لنا وكأن جماعتنا الضئيلة العدد التي تدب ببطء فوق هذه الأرض الفسيحة هي المخلوقات الحية الوحيدة خلا اسراب الغربان ذوات الاعراف.
على اننا في اليوم التالي اكتشفنا ظاهرة اخرى ان لم تضف الى المنظر جمالا فلعلها على الاقل اكسبته بعض الاهمية واقصد بها طبقة أرضية أكثر ارتفاعا تنبسط فوق الهضبة وتلمع لمعانا اخاذا بالسن طويلة تخرج منها مستوية وتنتشر فوق السفوح الشديدة الانحدار وهي صخور سوداء سقطت هناك بالاطنان من الاطناف المشمخرة على طول الحافة العليا هذه الصخور يغطيها طحلب اخضر مريد وهي كذلك مرقطة ببقع من الاشنة اشد اخضرارا ويبدو ان لا نبات آخر ينمو فيها واللون السائد في تلكم البقاع هو اللون الرمادي المصفر الكامد هذا وان الذين شاهدوا هذه الصورة من قبل ليسوا بحاجة الى التعليق عليها ففيما مضى سالت فوق كل هذه البقاع حمم متدفقة من البراكين الثائرة فغطتها.
وكلما امعنا السير في طريقنا اخذت الدلائل تزداد وضوحا فاکروپوليس بليدة سيفريك يقوم على قاعدة من الصخر البركاني الاسود البازلت مثل قلعة بامبورو وعلى مسافة ليست بالطويلة من قرية قايناق تجد مخروطاً منفرداً لاشك انه كان فوهة بركان فيما غبر من الزمن وعلينا ان نتذكر هنا ان ديار بكر بنيت فوق الصخور البركانية ايضاً وهي تبعد مسيرة يومين عنا ولا احد يدري من اين جاءت هذه السيول الهائلة من الحمم التي تشغل ما يبلغ طول قطره ستين ميلا وما مساحته اربعة الاف ميل مربع من الارض اعني بقدر مساحة مقاطعة يورك.
وعلى مسيرة يوم كامل نحو الافق الشرقي تماماً يقوم جبل هائل الجرم شبيه بالفطيرة المستقرة على قاعدة مستوية يزيد ارتفاعه عن ستة الاف قدم ذلك هو قره چو البركان الخامد العظيم وطليعة مجموعة البراكين التي تقع شمال بلاد ما بين النهرين في أرمينيا وشرقي كردستان ولاشك أن هذه البقعة كانت مرسحاً لواحدة من اعظم الثورات البركانية في الكرة الارضية خلال عصر جيولوجي سحيق ان البراكين الضخمة الخمسة التي احدثها ذلك الثوران ولا تذكر العدد الكبير من الفوهات الصغرى تمتد منحرفة بخط مستعرض في جبهة طولها ثلاثمائة ميل وفي النهاية الشمالية الشرقية يقع العجوز على مسافة مائة وخمسين ميلا جنوب القفقاس ثم تأتي جبال آرارات ثم سیپان ونمرود ويقع قره چو في النهاية الجنوبية الغربية وربما كان نمرود اعظمها طرا وهو جبل اقل ارتفاعا من قره چو بعض الشئ الا انه يحتوي على ثالث اعظم فوهة بركانية معروفة في العالم ويبدو أن جبل قره چو يحوي مجموعة متقاربة من البراكين اقرب شبها بجبال باي دي دوم على ان قره چو اضخم من هذه بما لا يقاس.
ويزعم كثير من الباحثين أن موقع جنة عدن هو قرب وان وبتليس الحاليتين في البقعة التي تبدأ منها مصادر انهار دجلة والفرات والزاب وأراس واذا كان الامر كما قالوا فان جنة عدن مطمورة الان تحت حمم هذه البراكين الخامدة الجامدة واين يمكن ان نجد رمزاً اكثر انطباقاً من هذا المنظر الطبيعي على الكاروبيم الملائكة وهم ممتشقون سيوفهم النارية.
ويخرج جبل قره چو من السهل كأنه قلنسوة هائلة الجرم منعزلاً عن سائر الجبال الأخرى وكان طريقنا يرتفع بنا شيئاً فشيئاً ليجد له منفذاً الى ذيله فيغدو بنا مسلكاً وعرا عسير المرتقى الى درجة لا يمكن وصفها حتى لا يرى هو نفسه مندوحة من المرور بين الصخور البركانية ولم تبذل اية محاولة لجعل سطحه ممهدا بعض الشي والى يسارنا تمتد حقول مترامية من بقايا الحمم البركانية المتكسرة المفتتة والى يميننا ترتفع اطنافاً فوق اطناف باتجاه الجبل الذي انحدرت منه سيولها في الازمان الغابرة السحيقة كانت طبيعة الارض تأخذ بالتبدل قليلاً كلما تركنا الجبل خلفنا مواصلين السفر نحو الشرق الا ان الحمم البركانية ظلت تكتنفنا من كل جانب.
وبعد يومين من مغادرتنا سفريك لاحت لنا اخيراً مدينة من بعيد لفتت انظارنا بسعتها واسترعت اهتماماً خاصاً منا لمنظرها المخيف فقد لاح لنا منها صف من الابراج والاسوار السوداء الكتيبة المقبضة وبينها بضع عشرة منذنة تلوح من وراء تلكم الاسوار مطاولة اجواز السماء مثل نبات القصب المنتصب خلف جدار صخري وكانت قمم الجبال المتموجة بالثلوج تمتد خلف المنظر وتتلاشى تدريجا امام العين لبعد المسافة ولما دنونا وجدنا وادي نهر دجلة يحد المدينة من الجهة التي هي عن يميننا تلك هي ديار بكر آمد السوداء التي لم يسقط اسمها العتيق من التداول تماماً وهي ما زالت تحافظ على صفتها بفضل الصخور البركانية السوداء التي ظلت مادة بنائها الاساسية الى يومنا هذا.
المدينة تتوجها هضبة صخرية جرداء تطل على وادي دجلة الذي يجري تحتها بمسافة ثلاثمائة قدم في مجرى رملي واسع وهو هنا عريض عميق الغور واسمه الذي يعرف به هنا الشط اي السهم كناية عن سرعة مجراه الا ان هذا المجرى الدفاق يحد من اندفاعه جسر يقع على مسافة من المدينة وفي شتاء العامين ۱۹۱۰-۱۹۱۱ جمد النهر تماماً وتصلبت صفحته حتى ان قوافل الجمال راحت تسير فوق جليده وهو يغطي الوجه الشرقي للمدينة والارض تميل الى الانحدار الشديد من الجهة الجنوبية كذلك أما ظاهر المدينة من الجهتين الباقيتين فهما منبسطتان.
في اوربا عندنا عدد كبير من المدن التي ظلت تحيط بها اسوارها الرومانية وقلاعها المشيدة في القرون الوسطى حتى يومنا هذا مثل ایگو مورت وأفيلا ولوگو و روتنبرغ وبامكاننا ان نضيف اسم القسطنطينية الى هذه القائمة وان كانت دائرة تسويرها غير كاملة ونحن بعد ان شاهدناها كلها وتأملنا فيها نشعر بان علينا الاقرار بان الاسوار البازلتية التي تحيط بديار بكر هي افخم من كل الاسوار واجملها مطلقاً فارتفاع الجدار فيها يناهز اربعين قدماً محيطها يبلغ خمسة أميال وتحكيمها يتم بثمانين برجاً ضخماً هذه الابراج تقوم على مسافات متقاربة بامتداد السور واغلبها مدور وبعضها نصف مثمن وواحدها بعيد عن الثاني بمقدار ثلاثة اقطار ونصف قطر تقريباً ثم تبرز فجأة من السور الأصلي التي هي جزء منه وخط بناء السور متعرج غير منتظم يتبع حافة الوادي والمنخفضات وفي كل زاوية ناتئة برج دائري ضخم اما المداخل فهي اعتيادية على العموم كأنها مجرد ثغرات وثقوب في السور يقوم على طرفيها برج وهذا اسلوب التسوير الروماني فمداخل مدينة لوگو مثلاً تشبهها تماماً.
يبلغ سمك السور ما بين عشر اقدام و خمس عشرة قدماً وسمكه من جهة النهر اقل حيث الجرف البركاني الشديد الانحدار يجعل اي هجوم من هذه الناحية امراً ينطوي على الجنون اما الجهات الثلاث الأخرى فأكثر سمكاً ويزيد في مناعتها خندق منقور في الصخر الاصم لكنه ليس بعرض خندق اورفه العظيم ولا بعمقه وعلى امتداد ضفة الخندق من جهة المدينة اقيمت جدران ارتفاعها يبلغ الصدر على بعد خطوات قليلة من قاعدة السور على غرار ما في اسطنبول وكاركاسون وثم ممشى مراقبة معقود السقف مثقب بكوى فوق السور وتقوم فوقه مسننات وبهذا يتوفر للمدافعين ممشى مزدوج معقود والبروج معقودة من الداخل وذات جدار مضاعف ايضا تتمكن حامية السور من الوصول الى مراكزها بمرقاتين مدرجتين في كل برج من الابراج اما القلعة فتقع في الزاوية الشمالية الشرقية مطلة على مجري النهر ويقوم في وسطها بناء هائل متهدم كان بالاصل تل برج المدخل المتهدم.
ولا مجال للشك في ان الاسوار هي رومانية بصورة رئيسة مع بعض الاضافات الاسلامية وقد استخدم في تشييدها صخور مكعبة من البازلت الاسود الذي حال لونه الى الاصفر الباهت لطول تعرض سطحه الى كساء الطحلب الذي انتشر عليه وغطاه وربما ساعد على ايلولته الى هذا اللون لما ارتوي قبل عشرين سنة ان تطلى الاسوار باللون الابيض زيادة في اكرام الباشا العظيم الذي زار المدينة يوماً، ولحسن الحظ لم يعد ثم اثر لهذا التشويه في الوقت الحاضر.
واغلب بيوت المدينة هي مجموعات من الزرائب القذرة تتقاطع فيها ازقة ملتوية ضيقة لا اول لها ولا اخر وقد انحصرت عجلتنا في احد هذه الازقة ونحن نمر فيه وبدا لنا لبضع دقائق أن استخلاصها من هذه الزنقة هو مشكلة المشاكل على ان البيوت لم تكن كلها بهذا المستوى من الحقارة ففي الحي القريب من القلعة وهو حي الموظفين الكبار عدد من المنازل الجيدة البناء بالحجر وفيها قليل من المنازل عتيق البناء يشير في النفس كثيراً من الاهتمام وعلى الاغلب يستخدم الاهالي البازلت الاسود والمرمر الاصفر على شكل حلقات افقية متباينة تشبه كثيراً ابنية يستويا بمرمرها الابيض والاسود ومن العجيب حقا أن يكون الذوق الخاص في استعمال اللونين على سبيل الزخرفة، موروثاً عند اهالي المناطق البركانية حيث مواد الانشاء ذات الالوان المتعددة متوفرة دوماً فهذا الميل ظاهر جدا في المناطق البركانية بـ اوفيرن واهم ما يجتذب النظر ويقوم مثالاً على هذا هو قصر كبير بديار بكر يقع على الشارع الرئيس شبيه جدا بالقصور القديمة الاسبانية مربع الشكل اشبه بالسجن من خارجه لا زخرفة فيه، وليس له الا مدخل واحد كبير اما من داخله فممراته تحيط بها اروقة معقودة مستندة الى اعمدة مرمرية لابد وان هذا المسكن كان في زمن ما قصراً لرجل خطير الشأن أو قطب سياسي كبير أما الآن فهو خان لا غير خان شديد القذارة حتى ان عربجينا ادركه القرف والاشمئزاز من كثرة ذبابه.
والمسجد الجامع يسترعي الانتباه لغرابته فهو يعرض معضلة من معضلات الهندسة المعمارية لم تحل الى يومنا هذا حلا حاسماً فجناحان من اجنحته الاربعة يؤلفان واجهتي قصر عتيق ذي سعة كبيرة مبني باسلوب لا يسعنا القول الا انه فريد في بابه وواحدة من هاتين الواجهتين تتألف من طبقتين تستقران على عقادة حادة وشبابيك مربعة الرؤوس فوقها.
أما الواجهة الاخرى فذات طابق واحد تحتوي على عقاده حادة وكل هذا لايمت الى اسلوب العمارة الرومانسكي بصلة وثيقة على انها رومانسكية اكثر منها شرقية بل هي أشبه بنسخة ساذجة من قصر اوتو هاينريخ باو في هايدلبرغ شلوس لكنها اقرب شبها الى قصر ديوكليتيان الشهير في سپالاتو وان كانت اصغر جرما فهي أكثر زخرفة وتزويقا الى حد كبير النظرية التي يمكن قبولها بصورة عامة هو ان هذا الجناح وحده كان جزء من قصر تبريدات الارمني ومما يدعم نظريتنا هذه دعماً قوياً، الشبه الكبير بين هذه البناية وبين قصر سپالاتو فدیو کلیتیان وثيريدات كانا متعاصرين وصديقين حليفين.
كانت آمد احدى القلاع العظيمة التي تحمي حدود الامبراطورية من الجنوب كانت اسيا الصغرى الشمالية قد استقرت طويلا تحت الحكم الروماني الا ان بارثيا وفارس في الجنوب لم تخضعا في اي وقت خضوعاً تاماً وكان خضوع بلاد ما بين النهرين للرومان اشبه والحق يقال بخضوع ايطاليا قبل العام ١٨٦٠ تقريباً حيث كانت لدى المحتلين لا أكثر من منطقة تقع ضمن مجال نفوذهم واحياناً كانوا يستحسنون غزوها تثبيتاً لمصالحهم على انهم كانوا يجدون غالبا مشروع غزوهم هذا اصعب من أن تقوى عليه طاقاتهم هذا مع العلم ان حدودهم العملية الحقيقية كانت تمتد على طول الجبال الشمالية وهنا ايضا بقوا يحافظون على قلاعهم العظيمة الاربع ولم يكن موقعها تربيعيا على الاسلوب النمساوي وانما كانت القلعة خلف القلعة على طول السفوح الجنوبية من سلسلة الجبال وتقع نصيبين و دارا دياربكر في الخط الامامي تليها في الخط الخلفي كل من آمد و اديسا الرها ومع ان آمد هذه كانت في الخط الثاني فقد نالت حصتها من الحروب كاملة عندما بدأ ملوك فارس الذين تعاظمت قوتهم بعد خمول يهاجمون بدورهم.
وبلغ قسطنطيوس بآمد اوج القوة والمناعة واسس مصنع سلاحها وكان شابور الثاني خصم قسطنطيوس العنيد اول من القى الحصار عليها هذا الشاه الساساني العظيم غزا التخوم الرومانية بجيش لجب قوامه مائة الف مقاتل في العام ٣٦٠م وكانت نيته في مبدأ الأمر أن يتجاهل القلعة ويندفع الى قلب البلاد يعيث فيها سلباً ونهباً الا ان سهما فوق من سورها اثناء مروره راكباً فأصاب خوذته فاستدار على عقبيه كالثور الهائج واستقبلت عودته بوابل من السهام من اعلى السور ادت الى مقتل الابن الوحيد لنائب القائد العام في جيشه وهو كرومبات ملك الخيونين وحلف شاپور يمينا للاب الثاكل بانه لن يصيب راحة الا بعد استيلائه على المدينة عنوة.
وشد عليها حصارا محكماً ثلاثة وسبعين يوماً استعمل فيه كل عنف ومهارة فجلب كباش الحصار وابراجاً خشبية ضخمة بناها له مقاتلون خبراء هربوا من الجيش الروماني وحانت له فرصة ففاجأ احد الابراج الواقعة على جبهة النهر الا ان الرماة السبعين المختارين الذين استولوا عليه طوقتهم الحامية الرومانية وأبادتهم وأخيراً نجح في ثغر السور ومع أن بعض افراد الحامية افلحوا في شق طريق النجاة خلال خطوط الغازي من الجانب الآخر وفروا وبضمنهم المؤرخ اميانوس فإن الباقين ذبحوا جميعاً مع اهالي المدينة بحد السيف في اثناء الاعصار الدموي الذي عقب ذلك.
على ان آمد ادت على الاقل واجبها المنتظر منها بوصفها قلعة حربية فقد صدت اسوارها اضخم هجوم للعدو خلال فترة حرب كاملة وفقد شاپور جراءها ثلث جيشه وتقدم موسم الشتاء به ولم يعد قادرا على مواصلة عملياته العسكرية فتراجع الى بلاده فارس وترك المدينة التي كلفه الاستيلاء عليها كثيراً.