تعد المسألة اللغوية من بين القضايا التي لم تنل اهتماما علميا كافيا في تاريخ شمال إفريقيا.
وإذا كان تدبير التنوع اللغوي إحدى الإشكالات الكبرى التي تواجه المنطقة اليوم فإن تجربتها التاريخية في هذا المجال تفرض علينا أن نلم بكل جوانبها متوخين أخذ العبرة منها لاستشراف مستقبل أفضل لهذا التدبير وهذا بالضبط هو المقصد الأسمى من علم التاريخ.
نعتقد أن الخصوصية اللغوية للمنطقة والتي اتسمت بالتعدد منذ النصف الأول للألفية الأخيرة قبل الميلاد تستوجب التفكير في مقاربات تنطلق من الوظائف الحقيقية لللغات عند ساكنة شمال إفريقيا بدل أن نبقى رهائن التصنيف المعتاد الذي يقسم الثقافات إلى ثقافة شفوية وأخرى عالمة مكتوبة فإذا كانت الساكنة الليبية أمازيغ العصر القديم لم تخلف تراثا مكتوبا غزيرا بلغتها الأم رغم أن لها أبجدية خاصة بها فإنه من الصعب أن نحكم على حضارة شمال إفريقيا القديم بأنها حضارة شفوية بامتياز.
تروم هذه الورقة الوقوف عند استعمال الليبيين للغات متوسطية قديمة في التأليف العلمي وبالضبط من طرف ملوكهم الذين زاوجوا بين الحكم والعلم وإذا كانت هذه الازدواجية في حد ذاتها تستحق مزيدا من الدراسة والبحث فإن استعمال لغات أجنبية من لدن من تربعوا على هرم السلطة في عهد الممالك الأمازيغية القديمة لا شك أنه سينير لنا موضوع التعدد اللغوي ووظائف اللغات في تاريخ شمال إفريقيا القديم ففي حالة أولئك الملوك فنحن أمام ثنائية لغوية لغة ممارسة الحكم إن جاز التعبير ولغة التأليف العلمي.
ينبغي التذكير أولا بأن ظروفا تاريخية مختلفة جعلت ساكنة المنطقة خاصة في الشريط الساحلي تتأثر بلغات متوسطية إن على مستوى الكتابة أو التخاطب مثل الفينيقية والإغريقية وكذا البونية واللاتينية وفي هذا الإطار فإن أغلب الإنتاج الفكري لساكنة المنطقة دون باللغات المتوسطية القديمة التي فرضت نفسها على الساحة العلمية لتلك الفترة فكما نتحدث اليوم عن الآداب المغاربية بالتعبير الفرنسي يمكن الحديث في العصر القديم عن التراث الليبي الإفريقي بالتعبير البوني أو التراث الليبي الإفريقي بالتعبير اليوناني أو التراث الإفريقي بالتعبير اللاتيني.
تسمح المعطيات التاريخية رغم شحها بالحديث عن الإنتاج الفكري لملوك شمال إفريقيا القديم خاصة مكيبسا ويمبصال الثاني ويوبا الثاني، لا تتوفر حول الاهتمامات العلمية للملك مكيبسا إلا على ما أورده المؤرخ الإغريقي ديودوروس الصقلي الذي أشار إلى أن هذا الملك النوميدي استقدم إلى قصره العديد من المثقفين الإغريق فتأثر بهم وبذلك زاوج بين ممارسة الحكم ودراسة الفلسفة واستمر على هذا المنوال حتى شاب عليه ورغم أننا نجهل ما إن كانت له مؤلفات، فإننا نستنتج من إشارة المؤرخ الصقلي أن هذا الملك تأثر بثقافة الإغريق وربما ألف بلغتهم.
أما الملك يمبصال الثاني فقد نسبت له المصادر القديمة كتبا باللغة البونية اعتمد عليها المؤرخ اللاتيني سالوستوس عندما تحدث عن أصول ساكنة شمال إفريقيا القديم، انتقدت حليمة غازي الرأي الذي انتقص من القيمة العلمية للكتب البونية التي نسبت ليمبصال الثاني وقدمت العديد من الأدلة التي ترجح برأيها أن هذا الملك النوميدي كانت له اهتمامات علمية بتاريخ بلاده وأصول ساكنته ولا تستبعد أن يكون هذا الملك قد رحل إلى بلاد الإغريق لتلقي العلم هناك كما يبدو من الإهداء الذي أقامه على شرفه أهل جزيرة رودس أن له ثقافة إغريقية وعارفا بميثولوجيتها.
كان يوبا الثاني موهوباً ومولعاً بالمعرفة والتعلم وسجل التاريخ بعض رحلاته العلمية منها تلك التي قادته إلى الجنوب المغربي الحالي بحثا عن منابع النيل وعن جزر الكنارياس وساهم هذا الملك العلامة بشكل كبير في انتشار الثقافة، الإغريقية بشمال إفريقيا رغم بداية تراجعها لصالح اللاتينية التي استفادت من السيطرة الرومانية ويعتقد البعض أن تفضيل يوبا الثاني اللغة الإغريقية في مشروعه العلمي على اللغة اللاتينية التي تشبع بها في روما راجع إلى حقد دفين كان يكنه للرومان الذين قتلوا أباه وقادوه أسيرا وهو صبي في موكب نصر قيصر بروما إن التعدد اللغوي في شخصية يوبا الثاني يجد تفسيره في كونه نوميدي المولد أمازيغي وبوني التكوين بحكم تأثير قرطاج على قومه لعدة قرون وروماني الثقافة بفعل سنوات طفولته وشبابه التي قضاها بروما وإغريقي الذوق والثقافة ومصرياً بحكم زواجه من كليوبترا الصغرى.
رغم شح المعطيات حول الإنتاج العلمي لهؤلاء الملوك يتضح جليا أنهم كتبوا باللغات العالمة التي فرضت نفسها في الحوض المتوسطي كالإغريقية والبونية واللاتينية أما غياب الكتابة باللغة الليبية عند هؤلاء الملوك العلماء فلا يمكن فهمه في سياق يخصهم وحدهم بل مرده إلى السياق العام الذي عاشته هذه اللغة في العصر القديم. فمن المعلوم أن الليبية اصطدمت بمنافسة شديدة من طرف لغات متوسطية لها قوة علمية واقتصادية وسياسية ودينية دون أن ننسى أنها لغات قوى استعمارية سيطرت على شمال إفريقيا لقرون من الزمن. وهكذا فرغم أن الأبجدية الليبية استعملت على الأقل منذ القرن الثاني قبل الميلاد من قبل الملوك أنفسهم لنقش بعض الإهداءات الرسمية فإن اقتصارها على هذا الجانب لوحده يجعلنا أمام مفارقة لم نفهم بعد كل أسرارها.
حوار حول الوضع اللغوي بشمال إفريقيا في العصر الوسيط : أجري هذا الحوار من قبل لجنة تحرير أسيناك مع محمد القبلي أستاذ التاريخ الوسيط ومدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب.
كيف تعاطت المصادر الوسيطية مع الوضعية اللغوية بشمال إفريقيا قبل الإسلام : المصادر الوسيطية بالنسبة للوضعية المشار إليها في السؤال تنقسم قسمين أولهما سابق على دخول الإسلام والثاني متأخر عليه.
أما المصادر قبل الإسلامية فتشمل أعداداً هائلة من النقائش الموزعة عبر المنطقة المغاربية كلها انطلاقا من المحيط إلى أقصى الشرق بطرابلس الغرب بالإضافة إلى هذه النقائش هنالك مجموعة من الإشارات الواردة هنا وهناك في الأدبيات اللاتينية وعلى رأسها كتابات القديس أغوستين المتوفى بعنابة بالقطر الجزائري الحالي سنة 430 للميلاد وما يمكن الاحتفاظ به بالنسبة لهذه الآثار أنها تحيل على وضع يتسم بالتعدد اللغوي واستعمال الساكنة المقيمة بالسواحل على الأخص لكل من اللغتين البونية واللاتينية ثم الإغريقية والعبرية بجانب اللغة المحلية المسماة آنئذ باللغة الليبية أي الأمازيغية الأم وبعيدا عن السواحل وداخل المنطقة يبدو أن هنالك شبه استفراد مطلق للأهالي بنفس هذه اللغة الليبية على اختلاف تفرعاتها مع حضور نسبي للغة البونية في بعض الجهات.
والملاحظ أن المصادر التي وصلتنا مما دون بعد دخول الإسلام لم تتطرق بتاتاً لهذا الوضع اللغوي اللافت في حد ذاته والملاحظ من جهة أخرى أن الأمر يتعلق هنا بنصوص حرر جلها بالمشرق كما أنها موضوعة باللغة العربية بما في ذلك القلة القليلة المدونة بالشمال الإفريقي ولتمثل الخطوط العريضة لهذا الوضع سوف نحيل هنا على أبرز جوانبه المؤطرة من خلال معطيين اثنين أولهما يتعلق بالمسافة الزمنية التي تفصل بين دخول الإسلام وبين التدوين المتصل بالفترة كلها وبالمجال المعني مبدئيا بهذا التدوين هذه المسافة الزمنية تقدر بما يقرب من قرنين اثنين بالنسبة لأقدم ما وصلنا من الكتابات المشرقية وتفوق القرنين بالنسبة لأقدم ما بين أيدينا مما حرر ببلاد المغرب ذلك أن كلا من فتوح إفريقية للواقدي و فتوح مصر وإفريقية لابن عبد الحكم يمثلان أول المؤلفات التي وصلتنا من المشرق حول الشمال الإفريقي بعد أن حررا في غضون القرن الثاني أو بداية القرن الثالث للهجرة أي خلال منتصف القرن الثامن أو مطلع القرن التاسع للميلاد وذلك بعد أن كانت الجيوش الإسلامية قد انطلقت نحو إفريقية وبقية بلاد المغرب في أوائل القرن الأول الهجري أو السابع الميلادي أما أقدم الكتابات المحلية المتوفرة حتى اليوم فالواقع أنها تؤول إلى مؤلف وضع في نهاية القرن الثالث الهجري بتاهرت بجنوب الجزائر وخصص من قبل صاحبه المعروف بابن سلام الإباضي للتعريف بمسار المذهب الخارجي عبر تتبع مراحل انتشاره بالجنوب الصحراوي ولنسجل بالمناسبة أن هذا المؤلف قد وضع هو الآخر باللغة العربية وأن كل ما وصلنا حول الفترة عبر هذه الروايات أو بعدها في المصادر المتأخرة لا يعدو أن يركز في الغالب على الأحداث المتصلة بالمعارك والوقائع الناتجة عن المقاومات المحلية المتعاقبة وما قد يرتبط بها أحيانا من قضايا العقيدة والانتماء المذهبي.
بجانب المسافة الزمنية وتبعا لها هنالك إغفال واضح من قبل المصادر الإسلامية للأوضاع الاجتماعية بالمنطقة وبالتالي إلى الوضعية اللغوية السائدة بين الأهالي خلال فترة الاستقرار العسكري ودخول الإسلام ولربما رُدَّت هذه الظاهرة من جهة أخرى إلى أن عملية التدوين بالمجال الإسلامي قد تأثرت إلى حد بعيد بما مفاده أن الإسلام يجب ما قبله بمعنى أن الوضع الإسلامي يمحو الواقع المتقدم كوضع لا يُعتد به خصوصا وأن التصنيف الكرونولوجي المعتمد من قبل الإسطر يوغرافية التي تهمنا قد ميز إجمالا بين ما هو إسلامي وما هو أزلي وبما أن كل أزلي لا بداية له على الإطلاق فالنتيجة أنه يقع عمليا خارج الزمن أو خارج التاريخ إن نحن أحلنا على لغة اليوم.
الوضعية اللغوية ببلاد المغرب خلال القرون الهجرية الأولى؟
بالرجوع إلى الفترة الواصلة بين ظهور الدعوة الإسلامية بالمنطقة كلها وبين قيام الحركة المرابطية وتقدمها نحو شمال المغرب الأقصى أي بين منتصف القرنين الأول والخامس للهجرة أو السابع والحادي عشر للميلاد يلاحظ أن الوضعية اللغوية ببلاد المغارب عموما وما سوف يعرف بالمغرب الأقصى على الخصوص قد وضعت في الغالب إن صح التعبير بين قوسين، كل ما هنالك أن المصادر لا تتحدث طوال هذه الفترة كلها عن انتشار اللغة العربية ولا عن وضعها كلغة تواصل بين الأهالي وعلى الرغم من ندرة الإشارات المتصلة ضمن هذه المصادر بالموضوع إلا أننا نسجل بعضها كمعطيات من شأنها أن تؤشر لهذه الوضعية وما يكتنفها من تدخل أو تشويش على مستوى الرواية والتدوين ودون أن نتعرض إلى الجوانب المتصلة بدرجة مصداقية هذه الإشارات ربما كان من الأنسب أن نكتفي بعرض نماذج مصنفة من بينها تصنيفا كرونولوجيا قدر الإمكان.
ولعل أقدم هذه الإشارات قد ورد بصدد ما روي حول قدوم رجال ركراكه السبعة إلى مكة وإسلامهم على يد الرسول وتحدثهم إليه بالبربرية خاصة وأن هنالك صدى لهذا النوع من الاتصال عبر عدة إشارات منها ما أثبته ابن سلام الإباضي الأنف الذكر حول تردد رجل من البربر على مجلس الرسول قبل أن يقف عند استقبال قوم من البربر بالمدينة من قبل الخليفة عمر بن الخطاب وكان قد أوفدهم إليه عمرو بن العاص وأرسل معهم ترجمانا يترجم كلامهم.
يلي هذا النوع من الإشارات ويناقضها في الواقع من حيث المحتوى تلك الخطبة البليغة التي تنسب لطارق بن زياد عند اعتزامه الجواز إلى الأندلس أواخر القرن الأول الهجري ومعلوم أن الخطبة المشار إليها قد قدمت بأسلوبها العربي المحبوك كخطاب مرتحل صادر عن متحدث أمازيغي يروم تعبئة جيش مكون أساساً من الأمازيغ وكأن الغاية تقتضي الإيحاء باستبدال لغة بأخرى منذ وقت باكر من قبل الأهالي.
وارتباطا بالمضاعفات المترتبة على التعامل الإقصائي لمجمل الأعوان من بين المغاربة كما تبين من خلال موقف موسى بن نصير من منجزات طارق بن زياد ستذكر المصادر ضمن أحداث العقد الثالث من القرن الثاني للهجرة قضية التام وفد من الأمازيغ برئاسة ميسرة المطغري كما تقف عند انطلاق هذا الأخير بمعية صحبه من شمال المغرب في اتجاه دمشق برسم التظلم إلى الخليفة الأموي فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم فطال بهم المقام ونفذت نفقاتهم فكتبوا أسماءهم ورفعوها إلى وزرائه مما قد يفهم منه تداول الخط العربي آنئذ لدى النخب الأمازيغية على الأقل.
ومن أبرز ما نتج عن عدم استقبال هذا الوفد أن رجع أعضاؤه إلى بلاد المغرب فخرجوا على عامل هشام فقتلوه وانفجرت بذلك ثورة عارمة حكمت بانفصال مجمل الشمال الإفريقي نهائيا عن الخلافة المشرقية وتأسيس كيانات محلية هنا وهناك عبر غرب المغارب من بينها إمارتان اثنتان تميزنا باعتماد اللغة الأمازيغية أداة للتوعية الدينية والتبليغ ونقصد هنا كلا من إمارة برغواطة بأواسط المغرب وإمارة غمارة بالشمال.
أما بلاد غمارة فتنبأ بها رجل يدعى حاميم بن من الله وأجابه بشر كثير ووضع لهم قرآنا بلسانهم نجد بعض آياته مترجمة إلى اللغة العربية في مسالك أبي عبيد البكري حيث سجل المؤلف كمعاصر للأحداث أبرز الطقوس والتقاليد المؤطرة لهذا الوضع بين قبائل المنطقة.
وأما إمارة برغواطة فأشهر من أن نذكر بخصوصيتها ضمن بقية الكيانات المجاورة يكفي أن ننص على أن مؤسسها رجل يدعى طريف من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق وأنه شارك بجانب ميسرة المطغري في الثورة الحاسمة المذكورة من قبل وبمجرد ما خلفه ابنه صالح على رأس قبائل برغواطة ببلاد تامسنا لم يتردد في الإعلان عن تنبؤه وشرع لهم الديانة التي هم عليها وادعى أنه نزل عليه قرآنهم الذي يقرؤونه إلى اليوم وزعم أن اسمه في العربي صالح وفي السرياني مالك وفي البربرية ورياورى، أي الذي ليس بعده شيء كما ورد ذلك في نفس مؤلف البكري مع إضافة بعض التفاصيل المتصلة بالطقوس السائدة بين الأتباع وتطعيمها بجملة من الآيات المترجمة من قرآنهم الذي وضعه صالح بن طريف بلسانهم كما يؤكد ذلك ابن خلدون من جهته.
ماذا يمكن أن يستنتج من مثل هذه المعطيات بالنسبة للوضعية اللغوية ببلاد المغرب في القرون الهجرية الأولى؟ الظاهر أن شح المصادر لن يحول دون القول بحضور اللغة الأمازيغية حضورا واسعا إلى حد بعيد بين عامة الأهالي طوال هذه الفترة كلها وأن هذه اللغة قد استعملت في سائر الأغراض الثقافية والحياتية بينما تم الشروع في ممارسة اللغة العربية من قبل النخب والأعوان المعربين بطبيعة الحال.