مثلما هو الشأن بالنسبة للغة فقد ربطت الاسطغرافيا الأوروبية استعمال الكتابة بشمال إفريقيا القديم خلال الفترة البونية بتأثير فينيقي أو بوني، ومفاد تلك الأطروحة التي كان لها حظ وافر من الرواج بين المختصين في علم الكتابات القديمة أن سكان شمال إفريقيا القديم قد انتظروا مجيء الفينيقيين إلى بلادهم لتدوين لغتهم واستعمال الكتابة غير أن الاهتمام بالكتابة الليبية المنقوشة على اللوحات الصخرية وفر للمهتمين بالموضوع معطيات جديدة في ما يخص تأريخ أقدم آثار الكتابة الليبية ومكن تدريجيا من إعادة طرح مسألة أصل الكتابة الليبية وعلاقتها بالكتابتين الفينيقية والبونية.
وتستلزم مقاربة إشكالية الكتابة بالمحال البوني الإفريقي طرح الأسئلة التالية: هل يعود الفضل للفينيقيين في استعمال الكتابة من طرف سكان شمال إفريقيا القديم؟ أم أن الفينيقيين وجدوا بالمنطقة تقاليد عريقة في التدوين؟ إذا كان الأمر كذلك فما هي طبيعة التغييرات التي حصلت على مستوى الكتابة بعد مجيء الفينيقيين وتأسيس قرطاج وهل استمر الليبيون الخاضعون لقرطاج والمجاورون لها في تداول كتابة خاصة بهم، ثم ما هي مظاهر التفاعل بين الكتابتين الليبية والبونية؟
الكتابة البونية والكتابة الليبية؟
1. إشكالية قدم وأصالة استعمال الكتابة بالمجال البوني الإفريقي؟
لقد أدى تعثر تأريخ أقدم النقائش الليبية بشمال إفريقيا وعدم معرفة التطورات التي مرت منها الكتابة الليبية إلى اتساع تداول الفرضية التي تنسب الكتابة بشمال إفريقيا والصحراء لأصل أجنبي ولاسيما بالنسبة للدراسات التي أسست للبحث في هذه الإشكالية، وهكذا طرحت عدة فرضيات متناقضة لأصل الكتابة الليبية مثل الأصل الإيجي أو الكريتي أو المصري أو العربي نسبة إلى جنوب بلاد العرب لكن مع توالي الدراسات اتضحت هشاشة الفرضيات السابقة لاستنادها على تشابه محدود وغير دقيق لبعض الحروف الليبية مع حروف الكتابات الإيجية والكريتية والعربية الجنوبية وتم الاتجاه في ما بعد نحو ترجيح فرضية الأصل الفينيقي التي عرفت رواجا كبيرا بحكم استنادها إلى قرينة وصول الفينيقيين إلى المنطقة واتصالهم بسكانها فضلا عن الانتشار المجالي لأغلب النقائش الليبية بمواقع سواحل شمال إفريقيا أي في المناطق التي يفترض وصول الفينيقيين إليها وانتماء تلك النقائش زمنيا لما بعد مرحلة الانتشار الفينيقي بالمنطقة.
وهكذا اعتبر البعض بأن الكتابة الليبية قد اشتقت من الكتابة الفينيقية وأن الفينيقيين لما وصلوا إلى شمال إفريقيا القديم لم يجدوا أساسا في الكتابة عند السكان الأصلاء وهناك من اعتبر بأن الكتابة الليبية لم تشتق مباشرة من الكتابة الفينيقية وإنما تطورت بتأثير فينيقي من خلال تعديل رموز ليبية قديمة واقتباس بعض الحروف الفينيقية مما يعني بأن الكتابة الفينيقية قد ساعدت على انبثاق كتابة ليبية عن طريق رموز محلية ورثها سكان شمال إفريقيا عن تقاليدهم العريقة.
ورغم الإشكاليات المعقدة المطروحة بالنسبة لأصل الكتابات القديمة عموماً فإن بعض عناصر التشابه الملاحظ بين الكتابة الليبية والكتابات القديمة قد ترجع في الواقع لاحتمال وجود نموذج أصلي هو الذي تفرعت عنه الكتابات القديمة كالفينيقية والعربية الجنوبية والليبية.
لقد استند أصحاب نظرية الأصل الفينيقي على عدة معطيات منها ما يرتبط بالجانب الباليوغرافي الشكل الهندسي للحروف ومنها ما يستند إلى القرائن التاريخية ومنها:
أولاً : تشابه بعض الحروف الفينيقية والليبية من حيث الشكل والمقابل الصوتي.
ثانياً : اعتماد الكتابتين معاً على الحروف الصامتة وعدم رسم الحركات.
ثالثاً : اقتصارهما على عدد محدود من الحروف خاصة بالنسبة للكتابة الليبية الشرقية.
رابعاً : تطابق اتجاه الكتابتين أي اعتمادهما على الاتجاه الأفقي من اليمين نحو اليسار بالنسبة للكتابة الليبية الشرقية.
خامساً : عدم انتماء النقائش الليبية إلى فترات سابقة على وصول الفينيقيين إلى المنطقة، علماً أن هذه الفكرة قد انبنت على إنكار قدم الكتابة بالصحراء من خلال رفض وجود علاقة بين الكتابة باللوحات الصخرية والموضوعات المنقوشة عليها والتي تؤرخ بفترات جد قديمة أو محاولة الفصل بين نقائش الصحراء وسواحل شمال إفريقيا.
ينضاف إلى ذلك بالطبع القرائن التاريخية المتمثلة في تاريخية وصول الفينيقيين إلى الأجزاء الساحلية من شمال إفريقيا القديم واتصالهم بساكنتها وما يفترض أن ينتج عنه من نشر كتابتهم بتلك المناطق.
وبالرجوع إلى الدلائل التي سيقت للبرهنة على الأصل الفينيقي للكتابة بالمناطق الساحلية من شمال إفريقيا يبدو لنا للوهلة الأولى بأن المقارنة بين الحروف الفينيقية والليبية لا تتسم بالدقة اللازمة خصوصاً وأن عدد الحروف المتشابهة هي في الواقع أقل بكثير مما تصور أصحاب فرضية الأصل الفينيقي فإذا استثنينا أربعة حروف هي: التاء والشين والياء والجيم المتشابهة على مستوى الشكل والمقابل الصوتي فإن معظم الحروف الليبية المعروفة الحد الآن من خلال النقائش تختلف في شكلها وصورتها السمعية عن حروف الخط الفينيقي العتيق، ذلك أن الحروف الفينيقية تتميز بصغرها واتجاهها نحو الرسم السريع بينما تتسم الحروف الليبية بكونها بارزة وهندسية الشكل، يضاف إلى ذلك غياب نموذج مضبوط للحروف الليبية حيث غالبا ما رسم الحرف الواحد بأشكال مختلفة وهو أمر يدفع إلى الاعتقاد بأن هذه الكتابة ربما نجمت عن عدة تجارب محلية مكنت من إعطاء الحروف الليبية شكلها النهائي.
ومن هنا يتضح بأن الدلائل التي عرضناها لا تبدو كافية للاطمئنان للفرضية التي تزعم انبثاق الكتابة الليبية من أساس فينيقي ذلك أن عناصر التشابه لا تقتصر في الواقع على الكتابتين الليبية والفينيقية وإنما تعد ظاهرة عامة بالنسبة لمعظم الكتابات القديمة ولا تسلم منها الكتابة الفينيقية نفسها إذا ما قورنت بكتابات أخرى ويطرح هذا الأمر إشكالية أصل الكتابات القديمة باعتبارها إحدى أعقد القضايا التي يطرحها علم الكتابات القديمة بحيث ما زال من الصعب إيجاد تفسير مقنع لذلك التشابه ولا يكاد الباحثون يتفقون على شيء بهذا الخصوص فقد أظهرت الدراسات التي اهتمت بهذا الجانب وجود عدة قواسم مشتركة بين بعض حروف الكتابات القديمة الأمر الذي يرجح بأن تلك الكتابات لم تنبثق على ما يبدو بشكل مستقل عن بعضها البعض وهذا ما يطرح فرضية وجود نواة أولية مشتركة لتطور الكتابة باعتبارها إرثا إنسانيا مشتركا بحيث قد ينسحب ذلك على عدة كتابات بما في ذلك الكتابتين الليبية والفينيقية ويفسر هذا الأمر حسب الباحثة حشيد بالتفاعلات القديمة التي حدثت بين سكان شمال إفريقيا القدماء وشعوب الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.
ويظهر أن التسليم بفرضية الأصل الفينيقي للكتابة الليبية يقلل في الواقع من أهمية الإشكاليات التي تحدثنا عنها سالفا والتي تستلزم توخي الحذر عند النظر في قضايا لا يقوم عليها دليل علمي مقنع كما أن التشابه في حد ذاته لا يلغي من دائرة البحث الاحتمال الآخر المتمثل في إمكانية تأثير الكتابة الليبية على كتابات أخرى أو على الأقل اشتراكها معها في أساس مشترك قديم نجهله لحد الآن.
أما بالنسبة لاعتماد الكتابتين الليبية والفينيقية على رسم الحروف الصامتة دون الحركات فإن الأمر يتعلق بخاصية عامة تشتركان فيها مع معظم الكتابات القديمة ومن ثم لا تعد مقياسا للحكم بالأصل الفينيقي على الكتابة الليبية، بينما لا يستبعد أن يكون الاتجاه الأفقي الذي هو من خصائص الكتابة الفينيقية في الكتابة الليبية بمثابة تطور متأخر طراً على الخط الليبي قد لا يرتبط بالضرورة بمسألة أصل الكتابة الليبية ما دامت الأبحاث تجمع على قدم الاتجاه العمودي في الكتابة الليبية الذي استجاب على ما يبدو الحاجيات محلية قديمة مرتبطة بتقاليد الكتابة عند سكان شمال إفرقيا القديم وبتطور داخلي لاتجاه الكتابة وشكل الحروف عندهم، وهذه سمة تميز تطور الخط الليبي في شمال إفريقيا وتجعله مختلفاً عن مراحل تطور الكتابة في فينيقيا.
وحتى إذا سلمنا بالتأثير الفينيقي البوني على مستوى اتجاه الكتابة فإن الأمر يتعلق باقتباس تقنيات وليس نظاما للكتابة وكيفما كان الأمر فإن تغير عدد الحروف واتجاه الكتابة يمثل في محصلة الأمر تطورا شكليا لا يلغي إمكانية وجود أساس محلي في الكتابة عند الليبيين ومن ثم اختلاف الكتابة الليبية عن الفينيقية على مستوى التطور الداخلي كما يتضح مثلا من استعمال الحركات الأساسية في الكتابة الليبية وغيابها في الكتابة الفينيقية.
إذا كانت أهم دلائل الأصل الفينيقي على المستوى الباليوغرافي تقوم في حدود المعطيات الحالية للبحث على أساس غير متين بما يجعل الفرضية قابلة للنقد والتمحيص فالملاحظ أن مكمن الضعف في فرضية وجود تقاليد محلية في الكتابة خلال الحقب السابقة على الانتشار الفينيقي يتمثل في غياب الآثار المادية لقدم استعمال الكتابة من طرف الليبيين خصوصاً تلك المؤرخة بما قبل وقود الفينيقيين على المنطقة، ذلك أن عدم العثور على كتابة ليبية بسواحل شمال إفريقيا تؤرخ بما قبل الانتشار الفينيقي اعتبر من أكثر الدلائل تأييدا لفرضية الأصل الفينيقي غير أن دراسة نقائش اللوحات الصخرية المكتشفة بالصحراء سمح بتوفير معطيات جديدة حول إشكالية قدم استعمال الكتابة في سواحل شمال إفريقيا وذلك من منطلق عدم إمكانية الفصل بين عناصر الحضارة بالمجالين الصحراوي والساحلي بما في ذلك تطور الكتابة.
إذا كانت أقدم النقائش الليبية بالمجال البوني الإفريقي وبباقي أنحاء سواحل شمال إفريقيا لا تتعدى القرنين فقد عثر على نقائش أخرى أقدم بالمناطق الساحلية لشمال إفريقيا لكنها بقيت موضع جدل بين الباحثين مثل نقائش إكدن وشرن بالهكار بالأطلس الصحراوي الجزائري والتي أرخت بما بين القرنين 6 و 5 ق، م الشيء الذي جعل بعض الباحثين يستنتجون بأن أقدم آثار الكتابة الليبية لا تتعدى منتصف الألف الأول وهناك من بات مقتنعا بأن الكتابة الليبية تنتمي لفترات أقدم لكن من خلال ربط ظهورها بالتأثير الأجنبي ينضاف إلى النقائش التي ذكرناها سالفا نقيشة عزيب نكيس بالأطلس الكبير بالمغرب التي خضع تأريخها لمزاجية الباحثين فقد أرخ مالوم اللوحة الصخرية الحاملة للحروف الليبية بالنصف الثاني من الألف الثاني لكنه تحاشى تأريخ الكتابة بتاريخ اللوحة ككل كما عاين باحثون آخرون اللوحة الصخرية وأقروا بارتباط الحروف المنقوشة بباقي عناصر اللوحة وألحوا على ضرورة تأريخ الكتابة بتاريخ اللوحة بيد أنهم وإن أقروا بقدم النقيشة فإنهم رفضوا في محصلة الأمر ولأسباب مجهولة قد يكون من بينها الرغبة في عدم إبطال فرضية الأصل الفينيقي التي يدافعون عنها إعطاء نفس التاريخ لباقي مكونات اللوحة ومنها الكتابة، ولعل هذا ما دفع كامبس إلى تأريخها وشنوركيان بفترة لاحقة للانتشار الفينيقي.
لكن تأريخ النقيشة في اعتقادنا يفرض بالضرورة الانطلاق من التاريخ الذي أعطاه مالوم للنقيشة ومن ارتباط الحروف المنقوشة بباقي عناصر اللوحة كما يتبين من خلال المقاييس الفنية لون الزنجفر النقش بطريقة التحزيز والموضوعاتية تاريخ الأسلحة المعدنية ويبدو بأنه لا يوجد في الواقع ما يمنع من الاستنتاج بتزامن الحروف مع باقي مكونات اللوحة أي تأريخ النقيشة بنفس تاريخ اللوحة وبالتالي وجود آثار للكتابة الليبية بالمجال الساحلي الشمال إفريقيا منذ منتصف الألف الثاني كما ترى الباحثة حشيد.
إضافة إلى نقيشة عزيب نكيس اكتشفت بالمجال الساحلي أيضا رموز ليبية على اللوحات الصخرية بمواقع كهف مكتوبة جنوب غرب أفلو ناحية وهران وفي واد زناتي قرب قسنطينة وخنكة الحجر قرب كالمة وشابة نعيمة جنوب غرب بسكرة بالجزائر وكذلك بموقع بالقرب من فگيگ بالمغرب غير أن المختصين وإن أقروا بانتماء النقوش الصخرية بتلك المواقع إلى العصر الحجري الحديث فقد رفضوا أيضا تأريخ الرموز الليبية بنفس تاريخ اللوحات الصخرية لاعتقادهم بأنها قد أضيفت خلال فترات متأخرة أو أنها رموز بسيطة لا تعكس ممارسة مرتبطة بالكتابة، كما عثر كذلك بموقع راشكون بالساحل الجزائري على شقف خزفية أرخت بالقرنين 7 و 6 ق.م زبرت عليها حروف ليبية.
وكيفما كان الأمر ورغم رفض الباحثين إعطاء تواريخ أقدم للوثائق المذكورة سالفاً فإن تلك التي قدمت تعد في حد ذاتها مهمة من حيث تأكيدها على الأقل عدم ارتباط ظهور الكتابة الليبية بالكتابة البونية كما ساد الاعتقاد في البداية استنادا إلى تأريخ النقائش المزدوجة بدقة بتونس وإقرارها بتطور الكتابة الليبية بمناطق بعيدة عن التأثير الفينيقي والبوني المباشر.
ترى الباحثة مليكة حشيد بأن البحث في موضوع قدم وأصالة الكتابة بشمال إفريقيا القديم وفهم تطورها مجاليا وزمانيا ينبغي أن لا يقتصر على النقائش المكتشفة في المناطق الساحلية لشمال إفريقيا ودافعت الباحثة عن فكرة توسيع النطاق الجغرافي للأبحاث ليشمل الصحراء وهوامشها الشمالية تاسيلي نجار وتادرارت أكاكوس والأطلس الصحراوي وفزان فقد عثر بتلك المناطق على أقدم الرموز والعلامات والحروف الليبية القديمة ولعل من شأن الاهتمام بنقائش الصحراء تجاوز التقسيمات العلمية الكلاسيكية التي ميزت في تطور الكتابة عند الأمازيغ بين كتابة شرقية وغربية وصحراوية ذلك أن البحث عن أصل الكتابة ينبغي أن يتركز عن التراث الحضاري الذي تبلور بمجموع المناطق التي سكنها الأمازيغ وفي هذا الإطار اعتبرت حشيد بأن الوشم والرموز والعلامات والأشكال الفنية التي بدأ يصنعها الإنسان بالمنطقة منذ العصر القفصي أو تلك المنقوشة أو المرسومة على اللوحات الصخرية منذ المراحل الجاموسية والبقرية تمثل في الواقع أولى إرهاصات الكتابة عند أجداد الأمازيغ.