0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

نمذجة القصيدة في الشعر الأمازيغي بنية الاستهلال :-

تمهید :

دلت تقاليد قرض الشعر في مختلف الألسن واللغات على أن النص الابداعي يولد فيكتمل ثم يصير بنية متألفة الأجزاء منسجمة المقاطع مع تفاوت في مستويات التعبير عن هذا التآلف بين نص ظاهره كذلك وآخر يحتاج إلى تأويل للاستدلال على انسجامه وتكامله وبالرغم من كون العمل الإبداعي وحدة متكاملة فإن إجرائية التحليل وفعاليته اقتضت من الدرس الأدبي والنقدي عموما أن يتعامل معه بكونه أجزاء منفصلة داخل إطار كلي يطلق عليه النص وذلك تمكينا للدارس من الإمساك بتفاصيل العمل وتضاريسه المختلفة بنائيا ودلالياً وجمالياً ومن المؤكد أن الممارسة التحليلية أثبتت جدوى المعرفة الدقيقة بمفاصل الابداع وأجزائه في البحث عن خصائص النص وقيمه وأبعاده ومن هذا المنطلق تمثل الدارسون النص الأدبي منذ القديم بوصفه هيئة لا تخلو من ثلاثة مكونات المطلع والوسط والنهاية يصح هذا في النثر كما يصح في الشعر ويتضح من خلال النقود والدراسات الكثيرة التي تراكمت حول بناء النص الإبداعي عبر مسار تاريخ الأدب أن البحث في المكونات الشكلية للعمل الفني تستمد قوتها النظرية من كونها تكشف عن النمذجة أو الأنموذج الذي يتأسس عليه الإبداع فالخطاب النقدي منذ الإغريق إلى اليوم ما فتئ يبحث في البني الفنية الثاوية في جسد النص الإبداعي وما يتعلق بذلك من القوانين المتحكمة في مكوناته وأجزائه ومظاهر الاتصال والانفصال في بنيانه وبذلك تبلورت تصورات ومفاهيم خاصة بالموضوع نجدها مبثوثة في ثنايا كتب تاريخ الأدب والنقد في مختلف الثقافات.

والشعر الأمازيغي كغيره في ثقافات الشعوب الأخرى لا يشذ عن هذا الإطار إذ إن قصيدته تخضع بدورها لنمذجة بنائية تواترت عبر أجيال الشعراء الشفاهيين متأثرة بعوامل وتحولات اجتماعية وثقافية من جهة وبإكراهات الرواية الشفوية من جهة أخرى وتتأسس نمذجة القصيدة الأمازيغية بشكل عام على ثلاثة عناصر الاستهلال فالموضوع ثم الخاتمة بغض النظر عن الاستثناءات المتعلقة ببعض الأنواع الفرعية للشعر والتي لا تسمح بناها لمثل هذا الإجراء التوزيعي إما لطبيعتها أو الخصوصية موضوعاتها واقتناعا منا بأهمية دراسة بناء النص ومعرفة أحواله ودور ذلك في تعميق الوعي النقدي بالعمل الإبداعي سنقصر القول في هذا المقال على العنصر الأول منطلقين من فرضية مفادها وجود نموذج إرشادي لبناء الاستهلالات في الشعر الأمازيغي ولاختبار هذه الفرضية سنعمد إلى تفكيك بعض النماذج الشعرية التي نراها مناسبة للتمثيل مركزين بعد تحديد مفهوم الاستهلال وأهميته على بيان تجلياته في القصيدة الأمازيغية وكيفية تمثل الشعراء له بالإضافة إلى ما يستبطنه على مستوى البنية والدلالة والوظيفة والتداول وإذا كان البحث في مثل هذه القضايا يتأسس في أصله

على العودة إلى النصوص الشعرية الأولى التي نشأت في تاريخ لغة ما فإن ذلك يتعذر في حالة اللغة الأمازيغية باعتبار النصوص الأولى المؤسسة غير موجودة وأن ما بلغنا ليس سوی مقطوعات وأجزاء لا يستقيم اعتمادها لبناء نموذج أو تصور كلي للنص الشعري، ولذلك سنبني مقاربتنا على استهلالات لنصوص شعرية أمازيغية مكتملة وإن كان زمن ولادتها لا يتناسب مع تاريخ هذا الشعر العريق.

1. في أهمية الاستهلال :

الاستهلال مصطلح فني أدبي يدل على أول الكلام وبدايته سواء تعلق الأمر بالنثر أم بالشعر وتستعمل للدلالة على معنى الاستهلال مصطلحات وألفاظ أخرى من قبيل المقدمة والمطلع والافتتاح والابتداء أو البداية وكلها مصطلحات تشكل حقلا معجميا تدور معانيه اللغوية والاصطلاحية حول نواة دلالية واحدة تحيل على بداية الكلام وإذا كان من المعلوم أن تفضية الاستهلال في النص الشعري الأمازيغي كما في غيره تتحدد من خلال الحيز الفضائي أو المكاني الذي يحتله داخل النص فإنه يلزم أن نشير إلى أن له حدودا تتخذ أشكالا مختلفة ما بين حد بصري يعتمد المساحات البيضاء في الفصل بين الاستهلال وبقية النص ويكون في النصوص المكتوبة ثم حد إيقاعي، يتم بتغيير الوزن أو الانتقال من قانون إيقاعي إلى آخر وأخيرا حد دلالي ينتقل فيه المبدع من مقام دلالي أو من موضوع إلى آخر.

وقد فتن القدماء بالاستهلال فألفوا فيه مقالات وتعريفات تظهر أهميته ومكانته في الخطاب بأنواعه المختلفة إلى أن أصبح لدينا اليوم تراث مفهومي ونظري في الموضوع تراكمت فيه اجتهادات الفلاسفة والنقاد واللغويين منذ العهد اليوناني فهذا أرسطو يفرد في كتابه الخطابة فصلا خاصا للاستهلال معرفا إياه ومبرزا أساسه النفسي بقوله الاستهلال هو إذن بدء الكلام ويناظره في الشعر المطلع وفي فن العزف على الناي الافتتاحية فتلك كلها بدايات كأنها تفتح السبيل لما يتلو والافتتاحية شبيهة بالاستهلال في النوع البرهاني ذلك أن عازفي الناي إذا عرفوا لحنا جميلا وضعوه في افتتاح المعزوفة كأنه لحنها. وينبغي في الأقوال البرهانية أن يجري التأليف هكذا نبدأ بالتعبير عما نقصد إليه ثم نسترسل وكل الخطباء يلتزمون هذه القاعدة يحدد أرسطو في هذا التعريف أمرين أساسيين يتعلق الأول بتفضية الاستهلال، أي تحديد موقعه في فضاء الكلام أو الخطاب باعتبار هذا الموقع مصدرا من مصادر القوة التي يكتسبها سواء كان في الشعر أم في الخطابة أم في فنون العزف والأمر الثاني يتصل بالأساس النفسي الذي يقوم عليه الاستهلال من خلال مقاصد المتكلم وما ينبغي مراعاته من قوانين بناء المعنى في مستهل الخطاب أما النقاد العرب القدامي فأكدوا على أهمية المطالع في خضم تناولهم للمقدمات الطللية والغزلية وبرهنوا على أصالة هذا الجزء في عمود القصيدة العربية ونظامها ولذلك أكثروا من الإلحاح على العناية بالاستهلالات واعتبروها مفاتيح القصائد ودليلا على البيان كما جاء في كتاب الصناعتين أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان. 

وقد سلك الشعراء الأمازيغ المسلك نفسه لما أكدوا في مقدمات إبداعاتهم على أهمية اختيار الاستهلالات المناسبة التي تمهد للكلام وتؤسس له وذلك بتوظيف المعاني النبيلة والعبارات التي تسمو بالمتكلم إلى مقامات الجد أو استحضار مصادر انتهال الشعر واستلهامه أو استثمار أدبيات الاستفتاح الدينية كالبسملة والسلام والتصلية وغيرها مما سنعرج عليه في ما سيأتي من هذا المقال.

2. في أبعاد الاستهلال :

يمكن اعتبار الاستهلال بمثابة وحدة نصية داخل العمل الإبداعي تقوم على مقومات بنيوية ودلالية وتداولية تأخذ أحيانا أبعادا سيميائية تحيل على ممارسة ثقافية في المجتمع الذي يمثل المبدع لسانه ولذلك فإن تحليل ظاهرة الاستهلال في الشعر الأمازيغي يقتضي تفكيكه إلى جملة من المكونات قصد استجلاء مجمل الأبعاد والمسارات التي يتخذها على المستويات الدلالية والجمالية والتداولية.

أ. البعد الدلالي :

من خلال استقراء نماذج تجربة الاستهلال في الشعر الأمازيغي في مناطق سوس ووسط المغرب يتضح أن ثمة اتجاها عاما يحكم بناء استهلالاته عبر تواتر بنيات لسانية ودلالية تحيل على الفضاء الديني يتعلق الأمر هنا بالحضور القوي للمعطى الديني بوصفه من ضرورات الابتداء متجسدا في ثلاث نوى دلالية:

التوسل بالبسملة أو التسليم مع ما يرافق ذلك من التضرع إلى الله والدعاء للنفس بالتوفيق. 

التوسل بالصلحاء والشيوخ والأنبياء وتذكر بركاتهم على الشاعر بما هم مصدر الإلهام ومنبع سر الإبداع وسلطته. 

التوسل بالعلم أو بالمعرفة الدينية.

إن تواتر الاستهلال الديني في تجارب الشعراء الأمازيغ يؤكد وجود اقتناع لديهم بضرورة تبني أسلوب موحد على مستوى التأسيس للكلام الشعري تفاعلاً مع المزاج العام الثقافة المجتمع الأمازيغي وممارساته الحاملة لقيم مؤصلة دينياً ويمكن القول بأن من مميزات القصيدة الأمازيغية التزامها باستهلال ذي مضمون ديني توسلي يتبرك فيه بذكر الله والرسول والأولياء والصالحين ولعل النماذج التي سنضرب بها المثل، وفقا للنوى السابق ذكرها تعكس بوضوح هذا النزوع الديني أحيانا بشكل مباشر وأحيانا بطرق غير مباشرة عبر الإحالة على ما له علاقة بالفضاء أو بالمؤسسة الدينية.

ب. التوسل بالبسملة :

تشكل البسلمة في هذه العينات من الجمل الاستهلالية البنية البارزة والمهيمنة في مجمل النصوص الشعرية الشفوية بوصفها مصدر قوة الشعر وضمانا لولادة طبيعية للعمل الإبداعي والبسملة هنا ترد بصيغتين إما مقترضة بحيث يدمج الشاعر البسملة بلغتها الأصلية في تعبيره الشعري كما هو الحال في معظم الأمثلة السابقة أو مترجمة بحيث يستعمل الشاعر المعاني الدالة عليها باللغة الأمازيغية بما يفيد أن الشاعر يفتتح كلامه بذكر اسم الله أولا النموذجان، وقد جاءت صيغة البسملة في الاستهلالات ملازمة الجملة من البنيات اللسانية الأخرى التي تحيل على القول الشعري إنشاء أو مقصدا أو ممارسة أو أسلوباً يتضح ذلك من ورود دلائل لغوية تسوّغ استصحاب الشاعر البسملة في استهلالاته وتفسر الجانب الغائي في هذا الاختيار ويمكننا أن نعيد صياغة هذه القضية من خلال السؤال: لماذا يلجأ الشاعر إلى استهلال عمله الشعري بالبسملة أو ما يحل محلها من العبارات اللغوية؟ والجواب نجده في الاستهلالات السابقة عبر توظيف مجموعة من الدلائل التي تحولت إلى كلمات شعرية غنية بالرمز والإيحاء وذلك بسبب تشاكلها عبر نصوص شعرية كثيرة فصارت بمثابة معجم دلالي مرتبط بالاستهلال. 

ج. التوسل بالأولياء والصلحاء:

إن التوسل بالأولياء في تجربة الشعر الأمازيغي يندرج في إطار الاستلهام الذي هو معطى ثابت في تجارب الشعر لدى المجتمعات الشفوية بشكل عام والأصل في المسألة ما ساد من اعتقاد لدى الشعراء في تفسيرهم للظاهرة الابداعية بأن القريظ لا يتحصل لمن أراد أن يكون شاعرا إلا باستلهامه من ولي صالح أو من زيارة ضريح وقد دأب الراغبون في احتراف الشعر على تقديم الذبائح في أضرحة مخصوصة معلومة من أجل التبرك بأوليائها الصالحين طلبا لسر الشعر ومفتاحه إلى أن صار ذلك سلوكا واقعيا وتقليدا فنيا يبرز على مستوى الخطاب في العمل الشعري ولذلك ساد الاعتقاد بضرورة أن يكون لكل شاعر شيخه أي منبع إلهامه الشعري يستفتح به كلما هم بنظم الشعر وقرضه متوسلا بعطائه وبركاته فصار شائعا أن يتشيخ أنظام وأمارير حيث يربط موهبته بأحد الأولياء والصالحين يستلهمه الإبداع الغزير ويتبرك بمكرماته، ويفصح عن ذلك في ذيباجة قصائده إن التشيخ في هذا المقام حالة سيكولوجية لا تقل أهمية عن ظاهرة الاستهلال بالبسملة تنطوي على معطى غيبي غير ملموس لكنها تكتسب مصداقيتها ومشروعيتها لدى الشاعر من خلال كونها تجربة باطنية ملهمة ومصدرا للسلطة الابداعية ومنبعا للحكمة والخير ويُشكل الاستهلال في الشعر الأمازيغي المجال الخصب لاستحضار هذه التجربة أو الاستلهام منها.

د. التوسل بالعلم والمعرفة الدينية :

من مظاهر حضور المعطى الديني في الاستهلال عند الشعراء الأمازيغ توسلهم بالمعرفة الدينية أو ما يتصل بها من مكونات مادية او معنوية فإذا كان الشاعر بطبيعته ينتمي إلى مجتمع ثقافته شفوية فإن ذلك لم يمنع من استدعاء بعض الفضاءات المعرفية وإدارجها في مطالع القصائد.

2. البعد الجمالي :

إذا كانت المقدمات الاستهلالية فضاءات نصية يستدعي فيها الشاعر منظوره الغيبي أو الميثي تجاه العملية الإبداعية عبر توسلاته التي أشرنا إلى نماذج منها فإن الاستهلالات عند الشاعر الأمازيغي كانت أيضا مجالا للتعبير عن براعة الشاعر في تصريف منظوراته عبر خطاب جمالي يبسط فيه قدراته على المستوى الفني والبلاغي فبالرغم من ضيق المساحة النصية التي يتيحها الاستهلال إلا أن الشاعر عادة ما يُوفّق في استثمار المتاح عبر نقل ما يريد قوله في صور فنية مركزة المبنى مكثفة المعنى انسجاما مع مقتضى الإيجاز والتركيز الذي يفرضه المقام الشعري.

تستمد الصورة فعاليتها من مرجعيتها الواقعية المحسوسة فالشاعر يرسم عملية الابداع والتلقي في هيئة مادية محسوسة مستقاة من الواقع المعيش للإنسان في محيطه فضاء القنص المعركة الفروسية مع ما تحمله الصورة من دلالة على الشهامة والرجولة وما تحمله من قيم النبل في ثقافة المجتمع الأمازيغي إن قيمة هذه الصورة يمكن الاستدلال عليها بالنقيض لنتخيل أن الفارس المحارب القناص، حين يضغط على زناد بندقيته ليطلق الرصاص فإذا بالزناد يتعطل ويتوقف عن وظيفته أو يحصل ارتباك أثناء عملية الضغط ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لنتصور موقف المحارب في هذه اللحظة وحالته النفسية إنها حالة من الانكسار والإحباط وربما تشكل اللحظة لحظة النهاية بالنسبة إليه فإما أن رجولته ستنهار إذا تعلق الأمر بالقنص أو الفروسية وإما أن مصيره الموت إذا كان الأمر أمر قتال وحرب إن هذا الموقف المنكسر هو ما يخشاه الشاعر حين يقف أمام مستمعيه وربما يكون في مواجهة شعراء آخرين حالة نفسية رهيبة تلك التي تصورها الشاعر وهو في معركة النظم الشعري.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)

ويمكن التأكيد على أن منجز الشعر الأمازيغي الشفوي حافل بالاستهلالات التي تزاوج بين المدخل الديني عموماً متمثلا في ما سبق إيراده وبين الحس الجمالي القائم على التفنن في التصوير والترميز مما يجعل البدايات والمطالع محطات شعرية لا تقل قيمة وخطورة عن باقي أقسام العمل الشعري وأجزائه.

2. البعد التداولي :

يكتسي البعد التداولي في سجل الشعر الأمازيغي الشفوي أهمية قصوى باعتباره ينم عن وعي الشاعر بطبيعة العمل الفني الذي هو عمل تواصلي تواصل مع الذات ومع العالم الخارجي للذات يتجسد هذا الوعي انطلاقا من الاعتبار الذي يوليه المبدع المكونات العملية التواصلية أثناء الإبداع مما يعزز مكانة الجانب التداولي في النص الإبداعي بجانب المكونات الأخرى التي تجعل من الشعر شعرا ومن الطبعي أن يشكل الاستهلال أحد المداخل الأساسية التي تبرز البعد التداولي ومدى حضوره في الشعر الأمازيغي الشفوي بما هو منطلق الاتصال والتواصل بين الشاعر والمتلقى.

ولو عدنا إلى الحقول المعجمية التي استخلصناها في الفقرات السابقة سنجد أن الشاعر الأمازيغي لم يكن ينظم الشعر منعزلا عن سياقه سياق التلقي بل كان يضع نصب عينيه مقتضيات الفعل التواصلي وما يستلزمه من مراعاة للشروط الضرورية لتحقيق التواصل المطلوب ولذلك جاءت استهلالاته أي الشاعر الأمازيغي بشكل عام مختزنة للمعاني والعبارات التي تفيد حرصه على فعالية خطابه الشعري ومن ثم الوصول إلى الغاية التي من أجلها يخوض غمار النظم إن الاستهلال هاهنا متعدد الوظائف فعلى مستوى المرسل الشاعر تمثل بداية العمل الشعري المحطة التي يتزود فيها الشاعر بالمعاني التي تحفزه على النظم وتهيء له المجال لتفجير طاقته الإبداعية والثبات أمام الخصم إذا تعلق الأمر بالمحاورات الشعرية وأمام المتلقين ولذلك يجد المبدع نفسه محوجا إلى التوسل بالمعطى الديني في تجلياته المختلفة البسملة التصلية التسليم التبرك بالأولياء والصالحين اعتبارا لما في الأمر من خطورة لا تستقيم مواجهتها إلا بخطاب ميتالغوي مطبوع بدلالات القدسية المشتركة بينه وبين المتلقين وعلى مستوى الرسالة الإبداع، فلا يقل حرص الشاعر عن السابق إذ يرمي من وراء الاستهلال إلى التوسل بما يضمن نفعية شعره وجودته ويؤمن تفوقه على أقرانه من الشعراء.

أما على مستوى التلقى فإن الاستهلالات الشعرية تدلنا على اقتناع الشاعر بأن القوة التداولية لكلامه الشعري لا تحصل إلا في حدود ما تحدثه عباراته ومعانيه الشعرية من تأثر وتأثير في المتلقين أي أننا بإزاء خطاب يؤسس لعلاقات تواصلية بين المبدع والمتلقي مما يعني أن رهان التلقي بعد تحدياً وامتحاناً للشاعر فإما أن يكسب الأمر فيتحقق التواصل في بعده التداولي وإما ان يفشل فتنهار العملية الشعرية وهي في لحظة البداية ورب سائل يقول: لماذا يحتل المتلقي هذه المكانة المهيبة لدى الشاعر الأمازيغي؟ إن الأمر هنا يتعلق بنوع المتلقي وماهيته فخطاب الشاعر بتعبير أرسطو ليس موجها إلى سامع مثالي بل إلى سامع نجده في الواقع فنحن إذن لسنا أمام متلق مفترض بل أمام متلق حقيقي مستمع متفاعل ومشارك بحكم طبيعة الشعر الشفوي الغنائية والإنشادية إن الشاعر في هذا السياق يراهن على جلب انتباه المتلقي وإثارة حفيظته حتى يجعله منخرطا في العملية الإبداعية تفاعلا واستمتاعا مما يقتضي توظيف كل ما يتيحه السياق من إمكانات لغوية الكلام الحسن والتعبير الشيق وأدائية الصوت والآلة باعتبار أننا أمام عملية تواصلية تنفتح على الأشكال اللغوية وعلى الأنساق غير اللغوية الإيماء والحركة والرقص، فرهان التلقي تحد يزيد من متاعب الشاعر ويُرغمه على الاجتهاد لنيل رضى المتلقين والاستئثار بإعجابهم وقديماً عبر أحد النقاد عن هذا المعنى في قوله على الشاعر الحاذق أن يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدها الخاتمة فإنها المواقف التي تستعطف أسماع الجمهور، وتستميلهم إلى الإصغاء فالاستهلال بهذا المعنى له موقع جوهري ضمن استراتيجية تلقي النص الشعري فكما أنه يؤسس لما سيأتي من كلام شعري فإنه أيضا يؤسس للعلاقة المفترضة بين الشاعر والمتلقي ومن هذا المنطلق يحضر المتلقي في بنية الاستهلال الشعري من خلال النماذج الشعرية الأمازيغية، بصيغ وتجليات مختلفة أهمها:

١. اعتماد ضمير المخاطب مفردا أو جمعا حيث يوجه الشاعر منذ بالبداية خطابه إلى المتلقي بشكل مباشر بالتحية أو الإشادة أو الاستمالة. 

٢. توظيف المشترك القدسي أو المشترك الوجداني بين الشاعر والمتلقي اعتبارا لما في الأمر من تأثير في النفوس وتهيئة للأجواء وفي ذلك ملاءمة للاستهلال مع الذوق والعرف الاجتماعيين.

٣. استعمال الصيغ والعبارات الدالة على تذوق الشعر وحلاوته مما يؤكد إدراك الشاعر ووعيه بالبعد الوظيفي للعمل الشعري تحقيق متعة التلقي. 

٤. توظيف أفعال الكلام، بوصفها من سمات الإبداع الشفوي والتي يخاطب من خلالها الشاعر المتلقي قصد إحداث الأثر فيه وتوجيهه في سياق التواصل الإبداعي.

إن الرهان على المتلقي في تجربة الشعر الأمازيغي الشفوي نابع من كون القانون الذي يحكم نظم الشعر وتلقيه يمنح له أي للمتلقي صلاحية أو سلطة واسعة في الحكم على العمل الإبداعي وتحديد مستقبله ومن ثم تعلو قيمته أو تتهاوى حسب استجابة المتلقي وتقييمه لهذا العمل إن للمتلقي دورا حاسما في تحديد مصير العمل الإبداعي فاستحسانه إياه يمنحه سلطة تجعله ينتشر ويتوسع متجاوزا المجال الإيكولوجي لقبيلة الشاعر أو قريته وبتعبير آخر فالمتلقي هو الضامن لاستمرار النص وبقائه وهذا هو السر في العناية التي يحظى بها من قبل الشاعر.

3. تناصية الاستهلال :

نستعير هنا مفهوم التناص لإثارة مسألة التعالق الدخول في علاقة بين نصوص الشعر الأمازيغي على مستوى الاستهلال فالملاحظ أن هذا الشعر يبني استهلالاته وفق صيغة معرفية واحدة تكاد تشكل لازمة في كثير من النصوص بفعل التناص الذي يحصل بين شعر وآخر فإذا كان لجوء الشاعر إلى توظيف النماذج التي ذكرناها من الاستهلالات يستند إلى مبررات نفسية وثقافية واجتماعية فإن تناصية الاستهلال في معناه ومبناه يجعلنا نفترض مبررا آخر له بعد فني ويتعلق بحرص الشاعر على مراعاة الأعراف الفنية الخاصة بنظم الشعر وعليه يمكن القول إن تعالق الاستهلالات وإعادة إنتاج بعضها لبعض في أحيان كثيرة يؤكد فرضية انتقال صيغ الاستهلال أعلاه من مجرد افتتاح للعمل الشعري بمعان وعبارات مألوفة إلى كونها نماذج بنائية صارت جزءا أساسيا مما يمكن تسميته بعمود الشعر. 

إن أهمية التناص في استهلالات الشعر الأمازيغي تنبع من كونه يمثل جانبا من جوانب سيرورة تشكل البنيات الدلالية والنصية للمطلع في منظومة الإبداع الشعري الأمازيغي على اعتبار أن النص الإبداعي وليد تجارب تتراكم عبر الممارسة الممتدة في الزمن والمجال فكلما تواترت الأشكال والصيغ نفسها في نماذج نصية كثيرة كان ذلك مدعاة للشعراء اللاحقين إلى السير على نهج السابقين في طريقة بنائهم وإنشائهم لأعمالهم الإبداعية.

وإجمالاً يمكن التأكيد على أن تناصية الاستهلال في الشعر الأمازيغي تنطوي على جملة استنتاجات يمكن تلخيصها في الآتي:

١. إن التناص في استهلالات الشعر الأمازيغي يعكس وعي الشاعر بأهمية السير على نهج فني محدد ضمن سيرورة تراكمية تتشكل عبرها هوية النص الشعري الأمازيغي وتاريخه. 

٢. التناص إعلان عن تفاعل الشاعر القصدي مع نصوص قبلية هو إقرار واعتراف بالآخر وأن لا شي ينطلق من فراغ وهو ما يتوافق مع الأطروحة التي تؤكد أن تاريخ الشعرية يفيد بتأثير النصوص في بعضها وأن على المتلقى تحديد أو إدراك الأثر الذي يخلفه نص إبداعي في آخر. 

٣. انفتاح الاستهلالات على بعضها عبر آليات الحوار والتناص.

4. في تأويل الاستهلال :

إن الاستهلال بالصيغ التي يرد بها في الشعر الأمازيغي يُعد صورة من صور انعكاس المجتمع في النص فكما أن الممارسات والتقاليد اليومية لها بداياتها كما في الصناعة والزراعة والحرف والمعاملات وغير ذلك فإن للشعر أيضاً بدايته التي تحكي عن بنيات ذهنية وثقافية سائدة في المجتمع فلا يمكن بأي حال أن تفصل بين العمل الابداعي وبين منتجه فردا أو جماعة ذلك أن الإبداع الشعري في مجتمعنا المتسم بالثقافة الشفوية لا يخرج عن سياق الفعل اليومي المعتاد، بل هو فعل يحايثه ليشكل لحظة أو لحظات قد ترسم للجماعة المبدعة ديمومتها عبر لغة الكلام أو لغة الرقص فبالإضافة إلى ما يحمله الاستهلال من معان نفسية وفنية فإنه ينطوي أيضاً على وجود أصرة تربطه بالمجتمع وتركيبته الثقافية كما هو الحال إذا جازت المقارنة بالنسبة للمقدمات الطللية في الشعر العربي القديم والتي ترتبط بشكل جذري بتركيبة المجتمع العربي في الصحراء وما تفرضه من إكراهات سرعان ما تجد طريقها إلى الشعر من خلال المطالع والمقدمات.

إننا إزاء تقاليد وأعراف فنية تأسست بالتواتر عبر أجيال الشعراء تكتسي طابعها الاجتماعي عبر محمولاتها الدلالية القائمة على توظيف جزء من الميراث الثقافي للمجتمع وتصريفه بشكل فني من خلال النص الشعري ومما يعضد الترابط بين النص والمجتمع في سياق الشعر الأمازيغي، أن الابداع الشعري يبدأ إنتاجا فرديا ثم سرعان ما ينتقل إلى أن يصبح إنتاجاً جماعياً تتلقاه الأسماع وتتناقله الألسن مع ما يعنيه ذلك من إمكانيات تأثير المتلقين في ما ينقلونه عن الشاعر ويمكننا أن نصف نماذج الاستهلالات المدروسة بكونها استهلالات ثقافية واجتماعية لكونها تحيل على خارج النص السياق الثقافي والاجتماعي أكثر مما تحيل على النص ومن ثم يكون هذا الجزء من العمل الشعري جزءا من تاريخ المجتمع.

• خاتمة :

إن بناء أحكام فنية عامة وموضوعية يقتضي الانطلاق من دراسة مستوفية تستقصي مجمل ما أنتجته قريحة الشعراء الأمازيغ وهو ما لم ندعه في هذا المقالة وحسبنا في هذه الخاتمة أن نقر جملة من الخلاصات التي أسعفتنا النصوص المدروسة في استنتاجها

• أولاً : يتم تعاطي الشعراء مع مطالع نصوصهم الشعرية عن وجود وعي بأهمية الاستهلال ودوره في تشكل العمل الفني يتضح ذلك من خلال حرصهم على التزام الأعراف الفنية الموروثة في هذا الباب مما يعني أن الشاعر ينطلق في نظمه من نموذج مسبق ارتسمت سننه وقوانينه في ذهنه فصار يقرض على نهجها وطريقتها.

• ثانياً : إن التراكم الذي حصل في إنتاج هذه النصوص أسس الطريقة أو أسلوب مخصوص في بناء الاستهلالات يعكس من جهة ثقافة الشاعر المشدودة إلى نسق التفكير التقليدي السائد في المجتمع ومن جهة أخرى يعكس ذهنية المجتمع وتقاليده الأخلاقية والفنية والمرجعيات التي يستمد منها قيمه وتمثلاته.

• ثالثاً : قد يبدو في ظاهر الأمر أن الاستهلال كما عرضناه بنية مستقلة منفصلة عن باقي العمل الشعري إلا أنه رغم كونه يكتفي بحدوده التعبيرية فإنه جزء داخل الكل لا يستقيم عزله عن بقية الأجزاء لأن الإبداع بمثابة نسيج تمتد خيوطه لتربط بين أوله وآخره مما يفترض وجود الوحدة العضوية بين أجزاء النص وإن كان مستقلا ببنائه الدلالي وهذا يقتضي مزيدا من البحث في تجليات الاتصال بين مكونات النص الشعري الأمازيغي وأشكال الانتقال والتخلص من جزء إلى الذي يليه.

• رابعاً : اقتران الاستهلال بالبعد الوظيفي من خلال الوظائف النفسية والتواصلية التي يراهن عليها الشاعر في مطلع عمله الشعري فبالإضافة إلى أن التجربة الشعرية راكمت كما أشرنا سننا لبنيات الاستهلال في الشعر الأمازيغي فإنها أيضاً شكلت أفق انتظار المتلقي وتوقعاته تجاه العمل الشعري أي أننا أمام ميثاق للتلقي يحكم العلاقة بين الطرفين أثناء عملية النظم.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...