ويمكن التأكيد على أن منجز الشعر الأمازيغي الشفوي حافل بالاستهلالات التي تزاوج بين المدخل الديني عموماً متمثلا في ما سبق إيراده وبين الحس الجمالي القائم على التفنن في التصوير والترميز مما يجعل البدايات والمطالع محطات شعرية لا تقل قيمة وخطورة عن باقي أقسام العمل الشعري وأجزائه.
2. البعد التداولي :
يكتسي البعد التداولي في سجل الشعر الأمازيغي الشفوي أهمية قصوى باعتباره ينم عن وعي الشاعر بطبيعة العمل الفني الذي هو عمل تواصلي تواصل مع الذات ومع العالم الخارجي للذات يتجسد هذا الوعي انطلاقا من الاعتبار الذي يوليه المبدع المكونات العملية التواصلية أثناء الإبداع مما يعزز مكانة الجانب التداولي في النص الإبداعي بجانب المكونات الأخرى التي تجعل من الشعر شعرا ومن الطبعي أن يشكل الاستهلال أحد المداخل الأساسية التي تبرز البعد التداولي ومدى حضوره في الشعر الأمازيغي الشفوي بما هو منطلق الاتصال والتواصل بين الشاعر والمتلقى.
ولو عدنا إلى الحقول المعجمية التي استخلصناها في الفقرات السابقة سنجد أن الشاعر الأمازيغي لم يكن ينظم الشعر منعزلا عن سياقه سياق التلقي بل كان يضع نصب عينيه مقتضيات الفعل التواصلي وما يستلزمه من مراعاة للشروط الضرورية لتحقيق التواصل المطلوب ولذلك جاءت استهلالاته أي الشاعر الأمازيغي بشكل عام مختزنة للمعاني والعبارات التي تفيد حرصه على فعالية خطابه الشعري ومن ثم الوصول إلى الغاية التي من أجلها يخوض غمار النظم إن الاستهلال هاهنا متعدد الوظائف فعلى مستوى المرسل الشاعر تمثل بداية العمل الشعري المحطة التي يتزود فيها الشاعر بالمعاني التي تحفزه على النظم وتهيء له المجال لتفجير طاقته الإبداعية والثبات أمام الخصم إذا تعلق الأمر بالمحاورات الشعرية وأمام المتلقين ولذلك يجد المبدع نفسه محوجا إلى التوسل بالمعطى الديني في تجلياته المختلفة البسملة التصلية التسليم التبرك بالأولياء والصالحين اعتبارا لما في الأمر من خطورة لا تستقيم مواجهتها إلا بخطاب ميتالغوي مطبوع بدلالات القدسية المشتركة بينه وبين المتلقين وعلى مستوى الرسالة الإبداع، فلا يقل حرص الشاعر عن السابق إذ يرمي من وراء الاستهلال إلى التوسل بما يضمن نفعية شعره وجودته ويؤمن تفوقه على أقرانه من الشعراء.
أما على مستوى التلقى فإن الاستهلالات الشعرية تدلنا على اقتناع الشاعر بأن القوة التداولية لكلامه الشعري لا تحصل إلا في حدود ما تحدثه عباراته ومعانيه الشعرية من تأثر وتأثير في المتلقين أي أننا بإزاء خطاب يؤسس لعلاقات تواصلية بين المبدع والمتلقي مما يعني أن رهان التلقي بعد تحدياً وامتحاناً للشاعر فإما أن يكسب الأمر فيتحقق التواصل في بعده التداولي وإما ان يفشل فتنهار العملية الشعرية وهي في لحظة البداية ورب سائل يقول: لماذا يحتل المتلقي هذه المكانة المهيبة لدى الشاعر الأمازيغي؟ إن الأمر هنا يتعلق بنوع المتلقي وماهيته فخطاب الشاعر بتعبير أرسطو ليس موجها إلى سامع مثالي بل إلى سامع نجده في الواقع فنحن إذن لسنا أمام متلق مفترض بل أمام متلق حقيقي مستمع متفاعل ومشارك بحكم طبيعة الشعر الشفوي الغنائية والإنشادية إن الشاعر في هذا السياق يراهن على جلب انتباه المتلقي وإثارة حفيظته حتى يجعله منخرطا في العملية الإبداعية تفاعلا واستمتاعا مما يقتضي توظيف كل ما يتيحه السياق من إمكانات لغوية الكلام الحسن والتعبير الشيق وأدائية الصوت والآلة باعتبار أننا أمام عملية تواصلية تنفتح على الأشكال اللغوية وعلى الأنساق غير اللغوية الإيماء والحركة والرقص، فرهان التلقي تحد يزيد من متاعب الشاعر ويُرغمه على الاجتهاد لنيل رضى المتلقين والاستئثار بإعجابهم وقديماً عبر أحد النقاد عن هذا المعنى في قوله على الشاعر الحاذق أن يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدها الخاتمة فإنها المواقف التي تستعطف أسماع الجمهور، وتستميلهم إلى الإصغاء فالاستهلال بهذا المعنى له موقع جوهري ضمن استراتيجية تلقي النص الشعري فكما أنه يؤسس لما سيأتي من كلام شعري فإنه أيضا يؤسس للعلاقة المفترضة بين الشاعر والمتلقي ومن هذا المنطلق يحضر المتلقي في بنية الاستهلال الشعري من خلال النماذج الشعرية الأمازيغية، بصيغ وتجليات مختلفة أهمها:
١. اعتماد ضمير المخاطب مفردا أو جمعا حيث يوجه الشاعر منذ بالبداية خطابه إلى المتلقي بشكل مباشر بالتحية أو الإشادة أو الاستمالة.
٢. توظيف المشترك القدسي أو المشترك الوجداني بين الشاعر والمتلقي اعتبارا لما في الأمر من تأثير في النفوس وتهيئة للأجواء وفي ذلك ملاءمة للاستهلال مع الذوق والعرف الاجتماعيين.
٣. استعمال الصيغ والعبارات الدالة على تذوق الشعر وحلاوته مما يؤكد إدراك الشاعر ووعيه بالبعد الوظيفي للعمل الشعري تحقيق متعة التلقي.
٤. توظيف أفعال الكلام، بوصفها من سمات الإبداع الشفوي والتي يخاطب من خلالها الشاعر المتلقي قصد إحداث الأثر فيه وتوجيهه في سياق التواصل الإبداعي.
إن الرهان على المتلقي في تجربة الشعر الأمازيغي الشفوي نابع من كون القانون الذي يحكم نظم الشعر وتلقيه يمنح له أي للمتلقي صلاحية أو سلطة واسعة في الحكم على العمل الإبداعي وتحديد مستقبله ومن ثم تعلو قيمته أو تتهاوى حسب استجابة المتلقي وتقييمه لهذا العمل إن للمتلقي دورا حاسما في تحديد مصير العمل الإبداعي فاستحسانه إياه يمنحه سلطة تجعله ينتشر ويتوسع متجاوزا المجال الإيكولوجي لقبيلة الشاعر أو قريته وبتعبير آخر فالمتلقي هو الضامن لاستمرار النص وبقائه وهذا هو السر في العناية التي يحظى بها من قبل الشاعر.
3. تناصية الاستهلال :
نستعير هنا مفهوم التناص لإثارة مسألة التعالق الدخول في علاقة بين نصوص الشعر الأمازيغي على مستوى الاستهلال فالملاحظ أن هذا الشعر يبني استهلالاته وفق صيغة معرفية واحدة تكاد تشكل لازمة في كثير من النصوص بفعل التناص الذي يحصل بين شعر وآخر فإذا كان لجوء الشاعر إلى توظيف النماذج التي ذكرناها من الاستهلالات يستند إلى مبررات نفسية وثقافية واجتماعية فإن تناصية الاستهلال في معناه ومبناه يجعلنا نفترض مبررا آخر له بعد فني ويتعلق بحرص الشاعر على مراعاة الأعراف الفنية الخاصة بنظم الشعر وعليه يمكن القول إن تعالق الاستهلالات وإعادة إنتاج بعضها لبعض في أحيان كثيرة يؤكد فرضية انتقال صيغ الاستهلال أعلاه من مجرد افتتاح للعمل الشعري بمعان وعبارات مألوفة إلى كونها نماذج بنائية صارت جزءا أساسيا مما يمكن تسميته بعمود الشعر.
إن أهمية التناص في استهلالات الشعر الأمازيغي تنبع من كونه يمثل جانبا من جوانب سيرورة تشكل البنيات الدلالية والنصية للمطلع في منظومة الإبداع الشعري الأمازيغي على اعتبار أن النص الإبداعي وليد تجارب تتراكم عبر الممارسة الممتدة في الزمن والمجال فكلما تواترت الأشكال والصيغ نفسها في نماذج نصية كثيرة كان ذلك مدعاة للشعراء اللاحقين إلى السير على نهج السابقين في طريقة بنائهم وإنشائهم لأعمالهم الإبداعية.
وإجمالاً يمكن التأكيد على أن تناصية الاستهلال في الشعر الأمازيغي تنطوي على جملة استنتاجات يمكن تلخيصها في الآتي:
١. إن التناص في استهلالات الشعر الأمازيغي يعكس وعي الشاعر بأهمية السير على نهج فني محدد ضمن سيرورة تراكمية تتشكل عبرها هوية النص الشعري الأمازيغي وتاريخه.
٢. التناص إعلان عن تفاعل الشاعر القصدي مع نصوص قبلية هو إقرار واعتراف بالآخر وأن لا شي ينطلق من فراغ وهو ما يتوافق مع الأطروحة التي تؤكد أن تاريخ الشعرية يفيد بتأثير النصوص في بعضها وأن على المتلقى تحديد أو إدراك الأثر الذي يخلفه نص إبداعي في آخر.
٣. انفتاح الاستهلالات على بعضها عبر آليات الحوار والتناص.
4. في تأويل الاستهلال :
إن الاستهلال بالصيغ التي يرد بها في الشعر الأمازيغي يُعد صورة من صور انعكاس المجتمع في النص فكما أن الممارسات والتقاليد اليومية لها بداياتها كما في الصناعة والزراعة والحرف والمعاملات وغير ذلك فإن للشعر أيضاً بدايته التي تحكي عن بنيات ذهنية وثقافية سائدة في المجتمع فلا يمكن بأي حال أن تفصل بين العمل الابداعي وبين منتجه فردا أو جماعة ذلك أن الإبداع الشعري في مجتمعنا المتسم بالثقافة الشفوية لا يخرج عن سياق الفعل اليومي المعتاد، بل هو فعل يحايثه ليشكل لحظة أو لحظات قد ترسم للجماعة المبدعة ديمومتها عبر لغة الكلام أو لغة الرقص فبالإضافة إلى ما يحمله الاستهلال من معان نفسية وفنية فإنه ينطوي أيضاً على وجود أصرة تربطه بالمجتمع وتركيبته الثقافية كما هو الحال إذا جازت المقارنة بالنسبة للمقدمات الطللية في الشعر العربي القديم والتي ترتبط بشكل جذري بتركيبة المجتمع العربي في الصحراء وما تفرضه من إكراهات سرعان ما تجد طريقها إلى الشعر من خلال المطالع والمقدمات.
إننا إزاء تقاليد وأعراف فنية تأسست بالتواتر عبر أجيال الشعراء تكتسي طابعها الاجتماعي عبر محمولاتها الدلالية القائمة على توظيف جزء من الميراث الثقافي للمجتمع وتصريفه بشكل فني من خلال النص الشعري ومما يعضد الترابط بين النص والمجتمع في سياق الشعر الأمازيغي، أن الابداع الشعري يبدأ إنتاجا فرديا ثم سرعان ما ينتقل إلى أن يصبح إنتاجاً جماعياً تتلقاه الأسماع وتتناقله الألسن مع ما يعنيه ذلك من إمكانيات تأثير المتلقين في ما ينقلونه عن الشاعر ويمكننا أن نصف نماذج الاستهلالات المدروسة بكونها استهلالات ثقافية واجتماعية لكونها تحيل على خارج النص السياق الثقافي والاجتماعي أكثر مما تحيل على النص ومن ثم يكون هذا الجزء من العمل الشعري جزءا من تاريخ المجتمع.
• خاتمة :
إن بناء أحكام فنية عامة وموضوعية يقتضي الانطلاق من دراسة مستوفية تستقصي مجمل ما أنتجته قريحة الشعراء الأمازيغ وهو ما لم ندعه في هذا المقالة وحسبنا في هذه الخاتمة أن نقر جملة من الخلاصات التي أسعفتنا النصوص المدروسة في استنتاجها
• أولاً : يتم تعاطي الشعراء مع مطالع نصوصهم الشعرية عن وجود وعي بأهمية الاستهلال ودوره في تشكل العمل الفني يتضح ذلك من خلال حرصهم على التزام الأعراف الفنية الموروثة في هذا الباب مما يعني أن الشاعر ينطلق في نظمه من نموذج مسبق ارتسمت سننه وقوانينه في ذهنه فصار يقرض على نهجها وطريقتها.
• ثانياً : إن التراكم الذي حصل في إنتاج هذه النصوص أسس الطريقة أو أسلوب مخصوص في بناء الاستهلالات يعكس من جهة ثقافة الشاعر المشدودة إلى نسق التفكير التقليدي السائد في المجتمع ومن جهة أخرى يعكس ذهنية المجتمع وتقاليده الأخلاقية والفنية والمرجعيات التي يستمد منها قيمه وتمثلاته.
• ثالثاً : قد يبدو في ظاهر الأمر أن الاستهلال كما عرضناه بنية مستقلة منفصلة عن باقي العمل الشعري إلا أنه رغم كونه يكتفي بحدوده التعبيرية فإنه جزء داخل الكل لا يستقيم عزله عن بقية الأجزاء لأن الإبداع بمثابة نسيج تمتد خيوطه لتربط بين أوله وآخره مما يفترض وجود الوحدة العضوية بين أجزاء النص وإن كان مستقلا ببنائه الدلالي وهذا يقتضي مزيدا من البحث في تجليات الاتصال بين مكونات النص الشعري الأمازيغي وأشكال الانتقال والتخلص من جزء إلى الذي يليه.
• رابعاً : اقتران الاستهلال بالبعد الوظيفي من خلال الوظائف النفسية والتواصلية التي يراهن عليها الشاعر في مطلع عمله الشعري فبالإضافة إلى أن التجربة الشعرية راكمت كما أشرنا سننا لبنيات الاستهلال في الشعر الأمازيغي فإنها أيضاً شكلت أفق انتظار المتلقي وتوقعاته تجاه العمل الشعري أي أننا أمام ميثاق للتلقي يحكم العلاقة بين الطرفين أثناء عملية النظم.