لقد تناولنا فيما سبق جوانب الظاهرة المدروسة في إطارها النظري حيث حللنا كل عنصر من عناصرها على حدى من أجل التعرف على طبيعته وتحديد مجال مساهمته في الظاهرة المدروسة وهذا قد سهل علينا الرؤيا السوسيولوجية للعملية التي نتوخى من خلال تحليلها أن نستدل على حيثياتها فبدأناها بالتساؤلات عن الجوانب الرئيسية للموضوع المدروس ثم أقمنا مقاربة من أجل وضع الظاهرة في إطارها السوسيولوجي ولتدعيم تلك النظرة السوسيولوجية كان من الضروري قياس الظاهرة بأسلوب كمي للتوصل إلى نتائج تكون إجابات للتساؤلات المطروحة سابقا يمكن تعميمها وربطها بالواقع وهذا ما سوف نطبقه في هذا الفصل.
أولاً : مجالات الدراسة المكاني والزماني ومجتمع الدراسة؟
1. المجال المكاني للدراسة: من المنوط بمن يريد إجراء بحث حول ظاهرة اجتماعية معينة جرت في ظروف محددة أن يوضح الحدود المكانية التي أجريت بها الدراسة وذلك لخصوصية الظاهرة أولا ثم خصوصية الظروف البيئية والاجتماعية التي تعطى للظاهرة المدروسة خصوصيتها وتميزها عن غيرها من الظواهر المشابهة لها أو الظاهرة نفسها التي تكون قد وقعت في مكان مخالف وظروف مخالفة وبالنسبة للدراسة القائمة فقد أجريت بمدينة تقرت وهي أكبر دائرة بولاية ورقلة الواقعة بالجنوب الشرقي للجمهورية الجزائرية مع مجموعة من الأولياء الذين يعملون بمختلف المؤسسات كالمدارس والمستشفيات ومراكز البريد والبلديات ومؤسسات اقتصادية أخرى، وشملت الدراسة أيضاً المنازل حيث أفراد العينة من الماكثات بالبيوت وقد تم تنويع المؤسسات للحصول على أراء متنوعة وذلك نظرا لتأثير ظروف العمل وتخصص الفرد على أدائه لواجباته في محيطه الأسري والاجتماعي ككل.
2. المجال الزماني للدراسة: لقد أجريت الدراسة الميدانية في منتصف شهر أوت إلى منتصف شهر سبتمبر 2014، حيث وزع مقياس الاتجاهات على المجموع المفترض للأسر وكانت 60 أسرة واستغرقت عملية جمع الاستمارات قرابة شهر كامل وقد برر الأولياء تأخرهم في تسليمها إلى أنهم اهتموا كثيراً بالموضوع وأرادوا الإجابة بروية لأنه يخص ظاهرة راهنة وموجودة فعلاً وهي موضوع العصر، خاصة والاستمارة تتكلم عن أساليبهم في التعامل مع أبنائهم إزاء استخدامهم للأجهزة الالكترونية المتمثلة في وسائل الاتصال الحديثة المختلفة، فأرادوا أن يدققوا في التعبير عن اتجاهاتهم بالإضافة إلى أن عدد العبارات كان كبير نوعا ما فكانت 67 عبارة والمبررات كانت منطقية.
3. مجتمع الدراسة: هو المجتمع الأكبر أو مجموع المفردات التي يستهدف الباحث دراستها لتحقيق نتائج الدراسة على كل مفرداته فيتم التركيز على المجتمع المتاح أو الممكن الوصول إليه والاقتراب منه لجمع البيانات والذي يعتبر عادة جزءًا ممثلا للمجتمع المستهدف.
في خطة البحث لا بد أن يبين الباحث مجتمع الدراسة أو القطاع التربوي الذي سيتناوله في بحثه وعينة البحث تشير إلى تلك المجموعة من أفراد مجتمع البحث التي يختارها الباحث ليحتك بها احتكاكا مباشرا أثناء تنفيذه لبحثه حيث يختار الباحث مجموعة من أفراد مجتمع الدراسة.
أما في الدراسة القائمة حول دور المضامين الوافدة عبر بعض الأجهزة الالكترونية في التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة قد كانت العينة المختارة من الأولياء والأمهات يعني أرباب الأسر وذلك للاعتبارات التالية:
- لأنهم في سن الرشد ويتمتعون بوعي الفهم والاستيعاب والاحتفاظ وتحديد صلاحية المعلومة المتلقات من عدم صلاحها أثناء تلقي الرسالة الإعلامية.
- لأنهم من المستخدمين الرئيسيين لوسائل الاتصال الحديثة في المنزل.
- هم القائمون على عملية التنشئة الاجتماعية لأبنائهم.
- لديهم القدرة على الاختيار للبرامج، والابتعاد بالتفكير، والاستخدام إلى أبعد الحدود.
- يتوخى فيهم القدرة على وصف الكيفية التي يعتقدون أنهم يستفيدون من خلالها من البرامج الوافدة عبر وسائل الاتصال.
تم تحديد عينة الدراسة بواسطة طريقة كرة الثلج حيث دلنا الأولياء عن بعضهم البعض الزوج عن الزوجة أو العكس وأيضاً من الأسر من دلتنا على الأخرى فالعينة المختارة من مؤسسات مختلفة لتنويع الطابع الفكري للأولياء وتراوحت بين المستشفيات والبلديات ومكاتب البريد ومدارس على اختلافها إلى غير ذلك من المؤسسات العمومية، تم سؤال الآباء قبل تسليم الاستمارات حول متابعة برامج التلفزيون واستخدام برنامج الفيسبوك سواء بسؤال أحد الوالدين أو كلاهما إذا تواجدا بنفس المكان وكان ذلك نادرا، فالطرف الثاني غالباً ما كان ينتمي إلى مؤسسة أخرى أو مجال آخر كربات البيوت والعمال والبطالين من الآباء إلى غير ذلك مما مكن من الحصول على عينة متنوعة من الآباء وسلمت استمارتين لأحد الطرفين على أساس توصيل الاستمارة للطرف الثاني الزوج لزوجته أو العكس، حيث نرى بأن ذلك يسمحبالحصول على معلومات دقيقة حول موضوع الدراسة ونأخذ بعين الاعتبار في ذلك معرفة كلا الأبوين ببرامج التلفزيون وبرنامج الفيسبوك على الانترنت واستخدامهما لها واستهلاكهم لمضامينها المختلفة وأيضاً نأخذ بعين الاعتبار عامل الجنس وجود الأولاد وعددهم والمهنة المعرفة المستوى الاجتماعي والثقافي للوالدين لذا فقد تكونت العينة من 53 عائلة أي زوجين الأب والأم لنفس الأسرة بعدد افراد قدر بـ 106 فرد وفيما يلي وصف مجتمع الدراسة حسب خصائصه.
إذاً أن التنوع في العمر الأفراد العينة يدل على مؤشرات عدة منها؛
1. أن مجتمع الدراسة متنوع الأعمار وهذا مطلوب لمعرفة مختلف الاتجاهات جول موضوع الدراسة.
2. يوضح لنا التنوع في أساليب التنشئة الاجتماعية الخبرة في الحياة تعود في الغالب للعمر.
3. الجمع بين الأجيال والأساليب مع امكانية المقارنة فيما بينها.
4. يوضح أن كل الفئات العمرية بعد 15 إلى غاية 65 يتعرضون لوسائل الاتصال يشاهدون التلفزيون ويستخدمون برنامج الفيسبوك.
ثانياً : المنهج المستخدم؟
المنهج العلمي هو الوسيلة التي عن طريقها يمكننا الوصول إلى الحقيقة أو مجموعة من الحقائق في أي موقف ومحاولة اختبارها للتأكد من صلاحيتها في مواقف أخرى أو تعميمها.
أما عن المنهج المستخدم في هذه الدراسة فهو المنهج الوصفي لأنه من الأهمية أن تتوافر لدى أي باحث وصف دقيق لما يقوم بدراسته من ظواهر قبل أن يمضي في خطوات واضحة لحل المشكلات التي اقتضت دراسة هذه الظواهر ويقوم المنهج الوصفي بالبحث عن أوصاف دقيقة للظاهرة المراد دراستها ولا يقتصر البحث الوصفي على جمع البيانات والحقائق وتصنيفها وتبويبها بالإضافة إلى تحليلها التحليل الكافي الدقيق المتعمق بل يتضمن أيضا قدرا من التفسير لهذه النتائج وفي إطار ذلك وتم اعتماد مقياس للاتجاه كأداة لجمع البيانات قياس الاتجاهات وهو من أكثر المقاييس المستخدمة في البحوث الاجتماعية وقد تمت الاستعانة به لأنه الأنسب لدراسة الظاهرة القائمة والحالية حتى نستطيع التعرف على أهم الأدوار التي تؤديها وسائل الاتصال في الأسرة وبالتحديد على مستوى أساليب الأسرة في التنشئة الاجتماعية والتي نتوخى في كونها الوسيط المتحكم في ضبط العلاقة بين النشء والآلة المتمثلة في الأجهزة الالكترونية.
وقد تم الأخذ بهذا المقياس لكون الموضوع يتطلب تحديد اتجاهات أفراد العينة نحو البرامج الوافدة حيث يتبين من خلال اتجاهاتهم مدى قناعاتهم بقيمة تلك المضامين سواء بالسلب أو الإيجاب وذلك من أجل التأكد من دور تلك المضامين في أداء الأولياء لدورهم التربوي من خلال أساليبهم المستخدمة في عملية التنشئة الاجتماعية في ضوء وجود وسائل الاتصال الحديثة كعامل قوي يفرض نفسه في الحياة العائلية والأسرية مؤثراً بصورة عامة على كافة أفراد الأسرة وبصورة خاصة على الأبناء بمختلف أعمارهم أي النشء الخاضع لعملية التنشئة الاجتماعية.
1. مقياس الاتجاهات؟
مقياس ليكرت : جاءت طريقة ليكرت لسد الثغرة الرئيسة في طريقة تيرستون المعتمدة على المحكمين وابتكر طريقة لقياس الاتجاهات في كثير من الموضوعات بحيث يظهر المبحوث ما إذا كان يوافق بشدة أو لا يوافق بشدة أو مترددًا على كل عبارة وتتدرج الموافقة وتعطى قيما تتراوح ما بين الموافقة بشدة أو عدم الموافقة بشدة أي موافق بشدة أو موافق أو متردد أو لا أوافق أو لا أوافق بشدة والدرجة المرتفعة هنا تدل على الاتجاهات الموجبة والدرجة المنخفضة تدل على الاتجاهات السالبة فيما تعكس القيم في حال العبارة السالبة حيث تعطي القيمة موافق بشدة أو موافق أو متردد أو لا أوافق أو لا أوافق بشدة.
وتعد طريقة ليكرت من الطرق الشائعة الاستخدام في قياس الاتجاهات العلمية والبحوث التربوية والنفسية والاجتماعية لاختصارها الوقت والجهد.
2. إثبات صدق المقياس؟
أ. إثبات الصدق الخارجي للمقياس : في هذه الخطوة قامت الباحثة بتوزيع المقياس بعد صياغته وفق موضوع الدراسة على مجموعة من الفاعلين في المجال التربوي ومجموعة من الموظفين وبعض المراهقين وأيضاً بعض الطلبة الجامعيين، وهم كما يلي:
- مديرة مركز التوجيه المدرسي والمهني بمدينة تقرت.
- المستشارة الرئيسية لمركز التوجيه المدرسي والمهني بمدينة تقرت.
- بعض طلبة الطور الثالث من نظام LMD لتخصصات مختلفة.
- بعض الموظفين بمقر البلدية والقطاع الصحي لبريد التربية.
- بعض طلبة السنة الثالثة دراسات تطبيقية من الملتحقين بالتكوين المتواصل فرع توجيه مدرسي ومهني بفرع جامعة التكوين المتواصل بمدينة تقرت.
- بعض المراهقين بالتعليم المتوسط.
ولقد طبقت هذه الخطوة كمحاولة لجس نبظ المحيط الذي سيتم اختبار البحث فيه حول موضوع الدراسة فربما هناك نقاط لم يتم استوفائها في المقياس وسقطت منها سهوا فالجولة الاستطلاعية فوائد كبيرة ومهمة لأي موضوع بحث، ولقد لقي المقياس ترحيبا من طرفهم وموافقتهم ومساندتهم لفكرة الموضوع وطريقة طرح العبارات إلا أن البعض منهم خاصة الأولياء من الموظفين والفاعلين التربويين أشاروا إلى أنه ليس التلفزيون والفيسبوك فقط كوسائل وحدها بل هناك الكثير من الأمور المستجدة من وسائل الاتصال تؤثر في الأسرة وكانت فكرتهم صائبة لكن ذلك كان يحتاج وقتاً وجهداً أكثر.
وقد صيغت عبارات المقياس انطلاقاً من أهداف الدراسة بالاستعانة ببعض نتائج الدراسات السابقة بالإضافة إلى حصرها في إطار أساليب التنشئة الهامة والشائعة في الإطار الأسري عموماً وقد أدرجت في خمسة محاور.
ب. إثبات الاتساق الداخلي للمقياس؟
طريقة التجزئة النصفية: قامت الباحثة بالتحقق من ثبات الاختبار بتطبيق التجزئة النصفية على عبارات المقياس للتأكد من استقرار نتائج المقياس إذ تم تقسيم العبارات إلى مجموعتين متكافئتين تماماً على أساس البنود الفردية والبنود الزوجية ثم حساب معامل الارتباط الذي كانت نتيجته : ر 0.90 فهو إذا ارتباط قوي والزيادة في التأكد تم حساب معامل الثبات T وكانت قيمته تساوي 0.94، وهي قيمة ثبات قوي وهذا يدل على أن عبارات المقياس لا غموض فيها وخالية من التناقض بحيث يعطينا المقياس نتيجة مقاربة في حالة إعادة تطبيقه على عينة أخرى.
3. التحليل الاحصائي للبيانات؟
أصبح الإحصاء هو الأسلوب الذي بغيره لا يقتنع الإنسان في العصر الحديث عندما يواجه مشكلة أو سؤال يتطلب الإجابة العلمية الصحيحة عليه ولم يعد يكفي أن تصاغ الإجابات صياغة إنشائية منمقة بل من الضروري أن تدعم كل إجابة بالأرقام كما أنه لا يمكن أن يكون هناك تخطيط علمي صحيح ما لم تسنده البيانات الإحصائية غير أن هذه البيانات الإحصائية في ذاتها لا تكفي للتعبير عن الحقائق الملموسة أو المرئية إذ لا بد لهذه البيانات أن تصاغ وأن تعالج معالجة خاصة تجعلها قادرة على نقل صورة الحقائق في يسر وسهولة ووضوح وما لم تستخدم التقنيات والأساليب الإحصائية في تتبع تنفيذ المخطط وفي تقييم نتائجه وتبدو هنا أهمية الإحصاء في كافة المجالات كعلم وفن وأسلوب، وعلى ضوء ذلك قمنا باستخدام بعض الأساليب الضرورية في تحليل البيانات المتحصل عليها من أجل اجراء الدراسة حتى تأخذ النتائج طابع الصدق والموضوعية العلمية ومن ثم نستطيع إثبات ما ترمي إليه الدراسة القائمة لذلك فقد تم استخدام الأساليب الإحصائية، مثل: حساب النسب المئوية للتكرارات ثم حساب المتوسط الحسابي لمجموع شدات الاتجاه من أجل الحصول على شدة الاتجاه العامة حول محور معين حساب معامل الارتباط بيرسون للتحقق من قوة الارتباط بين عبارات المقياس وأيضاً حساب معامل الثبات للتأكد من الصدق الداخلي للمقياس أداة الدراسة تم توظيفها في تحليل البيانات التي جمعت بتطبيق أداة البحث على أفراد العينة أثناء الدراسة الميدانية من أجل تحقيق الدقة في النتائج وإمكانية التعميم لها.