يقول صاحب كتاب الأطفال والإدمان التلفزيوني أنه في إحدى الأسر التي كان يعرفها يعود الأب من العمل ويشغل جهاز التلفزيون ويجيء الأطفال للمشاهدة معه وتقدم الزوجة لهم وجبتهم أمام الجهاز وبعد ذلك يذهب الأب للانشغال بالعمل في السيارة أو غير ذلك وعندئذ تذهب الأم وتتناول عشاءها أمام جهاز التلفزيون ومن المؤكد أن هذا عرض من أعراض مشكلة عميقة الجدور لكن التخلص من الجهاز سيساعدهم جميعاً، إن التلفزيون ببساطة يشجع كلا من أفراد هذه العائلة على تجنب الآخر وتبرهن عدد من الدراسات البحثية على صحة الافتراض القائل بأن التلفزيون يتدخل في النشاطات العائلية وفي تشكيل علاقات الأسرة، وتشير إلى افتقاد الأحاديث أثناء البرنامج التلفزيوني فهو يسيطر بالفعل على الحياة الأسرية في أثناء تشغيله ويكون بذلك أن مشاهدة التلفزيون كانت النشاط الأسري الوحيد الذي شاركوا فيه خلال الأسبوع، فقد لعب التلفزيون دورا مهما في تفكك الأسرة الأمريكية من خلال تأثيره في العلاقات الأسرية وتسهيله انسحاب الأبوين من القيام بدور فعال في التنشئة الاجتماعية لأطفالهم، إلا أن التلفزيون لم يكن طبعا العامل المشارك الوحيد بل ربما لم يكن أهم العوامل فالارتفاع المطرد في معدل الطلاق وزيادة عدد الأمهات العاملات والضعف التدريجي للأسرة الممتدة وتفكك جماعات الجيرة والمجتمعات المحلية والعزلة المتزايدة للأسرة النووية كل هذا أثر بصورة خطيرة في الأسرة.
وبالنسبة للأبوين المعاصرين بات حب أحدها للآخر يعني على نحو متزايد العلاقات الجنسية الناجحة أما عن حب الأطفال فإن الحب يجري التعبير عنه باطراد من خلال تقديم وسائل الراحة المادية وأدوات التسلية والفرص التعليمية بإرسالهم إلى مدارس ومعسكرات ملائمة وتوفير الطعام الجيد وشراء الدمى والكتب واللعب وجهاز تلفزيون خاص لكن هذا الحب حب على مبعدة ونادرا ما يفهمه الأطفال فالصور الأكثر صراحة للحب الوالدي تتطلب الوقت والصبر والوقت المنتظم والموثوق به الذي يعطيه الآباء بلا شكاة او تنمر واللعب معهم وتبادل النكات والعمل معاً.
برامج الأنترنت والفيسبوك والحياة الأسرية؟
وفي الجزائر يستخدم الفيسبوك كلا الفئتين المراهقين والراشدين والفئة الأكثر ادمانا على الفيسبوك هي ما بين 26-36 سنة أما المراهقين يميلون إلى استخدام أسماء مستعارة في العمل على البرنامج ومنهم من يستخدمه هروبا من الفراغ وانعدام الحنان العاطفي حيث أن استخدام الفايسبوك أثر على التفاعل الاجتماعي من خلال تقليل اتصال الفرد مع عائلتهم الأمر الذي جعل أسرته تشكو من طول فترة استخدامه للفايسبوك وكذا من خلال قلة زيارة الأقارب إلى جانب قلة المشاركة في النشاطات الاجتماعية، ومن الجزائريين من يقول بأن استخدام الفيسبوك وسع من علاقاته الاجتماعية وتعد الفئة الأكبر سنا فوق 36 من المتعاملين بوعي في استخدام البرنامج فأهدافهم هي اللإفادة والاستفادة وعقد صداقات حسب المستوى المعرفي والثقافي والاهتمام المشترك.
وقد وضع الباحثان مانون بارج وفيرونيك فارسيا في بحث لهما بعنوان نتائج تكنولوجيا الانترنت على العلاقة بين الآباء والمراهقين في أسر الكبك مخطط لمفهومي الأسرة في ظل وجود تكنولوجيا الأنترنت ومفهوم الأنترنت في ظل وجودها في المحيط الأسري ومن خلال المخططين نستطيع أن نتعرف على العناصر التي من شأنها أن تقدم تعريف وشكل الأسرة المتأثرة بدخول التكنولوجيا الحديثة في رسم العلاقات بين أفراد الأسرة خاصة بين الآباء والمراهقين، إذا فهي الأسرة الحديثة وذلك بحكم واقع لا مفر منه إذ أصبحت تكنولوجيا الأنترنت من الضروريات والحاجات التي تفرض نفسها لدى مختلف أفراد الأسرة كل حسب متطلباته.
وفي نفس الدراسة حدد الباحثان أربع مجالات توضح الكيفية التي يستخدم بها المراهق الحاسوب؛
بين أفراد العائلة؟
1. الملازم للبيت : قليل الاهتمام بالوظائف الاتصالية للحاسوب لكن مهتم أكثر بالوظائف الأخرى له وغالبا ما يستخدم الحاسوب بالمنزل.
2. المراقب : يستعمل الحاسوب بشكل معتدل ونادر الاستخدام للوظائف الاتصالية للحاسوب فهو حاسوب أبوي قبل كل شيء.
3. الأحرار : هم أكثر المستخدمين وهم كثر فنجد هنا الحاسوب مملوء ووظائفه محررة خاصة أثناء فترة المراهقة.
4. في حرية محروسة : يستعملون دائما الحاسوب لتطبيقات متنوعة والآباء يحرسون الاستخدام لكن بدون مواجهة يجرون مراقبة قد تكون صارمة على خروج المراهقين فالحاسوب هو نافذة مفتوحة على الخارج.
فالمراهقين على اتصال دائم بالأنترنت وقد عبر المؤلفين الأمريكيين عن السبب في ذلك هو أن أصدقائهم يتصلون بالأنترنت أيضاً وقد اهتمت الدراسات أيضا بمتغير الجنس في استخدام الحاسوب والأنترنت حيث بينت أن الذكور يقضون وقتا معتبرا في اللعب بألعاب الفيديو على الحاسوب لكن الباحثين الأمريكان أثبتوا أنه لا وجود للفرق بين الجنسين في الاستخدام اليومي للأنترنت.
وتعبر عن ذلك بعض الصور التي تستخدم في نشر المواضيع على صفحة الفيسبوك عن واقع الأسرة وآفاقها في ظل الانغماس في ثقافة الالكترونيات بدون ضوابط فتوضع الصورة وحدها ويتم نشرها من طرف أحدهم من الأفراد ويترك للمتصفحين الكلمة في التعبير عن الصورة ومناقشة الظاهرة الممثلة فيها أو يكتب ناشر الموضوع تعليقاً أو رأياً أو نصاً مبدياً وجهة نظره ومغزاه من نشر الصورة. وفيما يلي بعض النماذج منها
1- تعبر الصورة عن التواصل الاجتماعي عبر الانترنت واحتمال انعدام العلاقات في الحياة الواقعية مستقبلا حتى بين أقرب الناس والملزمين بالاقتراب لهدف معين وإقامة علاقات ضرورية محتمة كالعلاقة بين الزوجين والصورة تعبر عن افتراض حدوث تلك العلاقات في العالم الافتراضي من خلال أي برنامج للتواصل من شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفايسبوك حيث تتم العلاقة على مستوى الحاسوب ويولد الطفل من الطابعة كما هو موضح في الصورة، طبعا هذا الافتراض غير منطقي إلا أنه يعبر عن خطر قطع العلاقات بين الأفراد بدءا من افراد الأسرة الواحدة.
2- تعبر الصورة عن الحالة التي كانت عليها الأسرة في السابق من علاقات وترابط وحميمية ومشاركة في المواقف المختلفة حيث كانت أولا أسرة ممتدة تحوي العديد من الآباء والأمهات وكما هو موضح في الصورة الأجداد ضمن أفراد العائلة وثانيا تهتم الأسرة بالعلاقات فيما بين أفرادها وإقامة المناسبات فلا ينشغلون بأشياء أخرى عن بعضهم البعض ولديهم مرجع واحد وهي الأسرة الكبيرة، إلا أنه لما ننتقل إلى القسم الثاني من الصورة نصدم بالعكس أولا تقلص في عدد الأفراد والعائلات أيضاً هي عائلة نووية لأنها تتكون من الأب والأم والأطفال فقط ثانياً كما هو موضح في الصورة معنى صارخ لانعدام التفاعل الأسري، حيث أن كل منهم منشغل بجهازه الالكتروني وبرنامجه الخاص طبعاً ذلك لاختلاف توجهاتهم واختياراتهم ودوافعهم واهتماماتهم حتى الصغار منهم والطريف في الصورة أن الحيوان الأليف في الأسرة كالكلب مثلاً: ينشغل هو الآخر بالالكترونيات كباقي افراد الأسرة.
3- أما الصورة المأخوذة من أحد صفحات الفيسبوك تعبر وبشكل ساخر على ما ينتظر الأسرة من مستقبل العيش في العالم الافتراضي حقاً حيث تتحول لغة التعبير عندها هي لغة أوامر برامج شبكات التواصل الاجتماعي.
نستنتج مما سبق أن وسائل الاتصال الحديثة عبر مضامينها لها تأثيرات كبيرة على الحياة الأسرية فهذه الأخيرة أي الأسرة من أهم المستهلكين لتلك التكنولوجيات بحكم احتوائها على مختلف الشرائح العمرية وهي لبنة المجتمع الأساسية ونستطيع أن ندرك ذلك فيما يلي:
خلال الملتقى الوطني الثاني حول الاتصال وجودة الحياة في الأسرة الذي نظم بجامعة قاصدي مرباح ورقلة بتاريخ 09/10 أفريل 2013 ، وفي مداخلة بعنوان: أفراد الاسرة الجزائرية في عصر العولمة بين الاتصال والعزلة للباحثين تيليوي عابد وعاشور زينة من جامعة الجزائر بإبراز الآثار الناجمة عن تغلغل تكنولوجيا الاتصال الحديثة في الحياة الاسرية وتأثيرها على العلاقات داخل الاسرة الجزائرية على وجه الخصوص وقد لخصا مجموعة من البحوث التي اجريت في نفس السياق وتناولت نفس الموضوع تكنولوجيات الإعلام والاتصال وواقع الاتصال في الأسرة الجزائرية من نواحي مختلفة وخلصت إلى النقاط التالية:
لا يزال التلفزيون حتى الآن محافظا على المركز الأول بين وسائل الإعلام الأخرى في الانتشار بين الجزائريين، ألم يلقب ب ثالث الأبوين.
هناك تأثير إدماني لوسائل الإعلام من تلفزيون أنترنيت وهاتف نقال على الجزائريين إذ أصبحت هذه الوسائل جزءاً من حياة المستعملين يفتقدونها إذا لم تكن موجودة ويشعرون دونها بالقلق.
أشارت أغلبية أفراد عينات الدراسات السابقة أنها تستخدم الأنترنيت والكمبيوتر بصورة منفردة ما يشير إلى ظاهرة الانعزال عن أفراد الأسرة الآخرين.
تساهم العوالم الافتراضية التي تحتويها الأنترنيت في توسيع مجال العلاقات الاجتماعية وتوطيدها ويقرب المسافات افتراضيا، في حين تلهي الأشخاص عن علاقاتهم واقعيا حين الاستعمال.
إن الحاسب الآلي يبعد الأطفال عن أوليائهم وذويهم ويصبح بذلك عائقا للاتصال الشخصي الأسري ما قد يؤثر على شخصية الفرد ويكسبه سلوكات سلبية تؤثر على حياته المستقبلية كالانطواء والانعزال.
تتولد من الاستعمال اللاعقلاني لوسائل الاعلام والاتصال اتجاهات سلبية وانحرافية لدى الشباب كفقدان الهوية الانعزالية تدهور العلاقات الاتصالية الاجتماعية واستباحة المحرمات إهمال الواجبات الاجتماعية والأسرية.
قد تنشب خلافات بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب انشغال أحدهم بالحاسب الآلي في الوقت الذي من المفروض أن يخصص للطرف الآخر وهو الحال لدى بعض الأزواج أو الإخوة.
تلعب وسائل الاعلام والاتصال أحياناً دوراً في لم شمل الأسرة وتأتي في المرتبة الأولى التلفزيون في البيوت خاصة التي تحوي تلفزيوناً واحدا.
فئة الكهول تفضل مشاركة الأسرة في استعمالها للحاسب، لأنها على يقين باحتياج الأسرة للاتصال ببعضهم البعض.
من خلال إحدى الدراسات السابقة تبين أن المجتمع الجزائري مازال محافظا على العلاقات الأسرية والزيارات للأقارب ومازال الفرد فيه يشعر بالانتماء وواجب الجلوس إلى أقاربه وزيارتهم كلما أتاحت له الفرصة لذلك.
أفراد الأسرة الجزائرية يدركون أهمية النقاش والحوار الأسري في تقوية وجهات النظر وحل المشاكل العالقة وتبادل الآراء.
فقد كانت التربية في الأطر التقليدية الأولية تحمل شعار الكل يربي الكل لكنه تغير في البيئة الحديثة يتجلى تغير الأطر الأولية للتربية فيما توفره البيئة الحضرية من فرص الحرية والاستقلالية للأبناء في محيط تصعب السيطرة عليه والتحكم فيه والتعامل معه من طرف الأسرة، خاصة التكنولوجيات الحديثة والوسائط والالكترونيات التي تطرح نفسها كأطر تربوية بديلة للأسرة يضاف لذلك الإطار المجالي للتربية فبعدما كان البيت هو المجال الأول للتربية أفرغ من محتواه بسبب غزوه واحتلاله إلكترونياً فالمسكن إن كان ضيقا دفع بالأبناء إلى خارجه وإن كان متسعاً ساعد على انعزال أفراده فكل واحد مستقل بوسائله الإلكترونية.