بعد التطرق لعناصر موضوع الدراسة في الفصول السابقة حيث تم التعرض لطبيعة عملية التنشئة الاجتماعية والتعرف على الأجهزة الالكترونية وبعض المضامين الوافدة عبرها أدركنا الآن عناصر العملية بشكل واضح ومفصل وحددت العلاقات بين تلك العناصر والمتضمنة للفرد وجماعته الأسرة وعملية التنشئة الاجتماعية والمضامين الوافدة والأجهزة الالكترونية كعامل من عوامل التنشئة الاجتماعية في العصر الحالي حيث تبدو هاته العلاقة التي تربط العناصر السابقة الذكر علاقة متينة محكمة ضرورية الحصول واقعية ومحورها الفرد المنفعل والفعال في ذات الوقت إلا أن هذه العلاقة تحتاج إلى تدليل نظري علمي لإثبات خصائصها وكيفية حدوثها والشروط التي تحكمها ومن أجل ذلك سوف نحلل العملية محاولين وضعها في إطارها النظري العلمي الاجتماعي من خلال إثباتها بالاعتماد على مجموعة من النظريات والتي غالبا ما استخدمتها السوسيولوجيا في تعزيز معنى وحقيقة العلاقات الاجتماعية في ظل متغيرات البيئة المختلفة، وهو ما يمكننا من فهم التنشئة من مختلف الزوايا والاتجاهات كمجموعة أفعال اجتماعية وكعملية تعلم اجتماعي وأداؤها يُشكل من مجموعة ردود تؤديها مختلف الأطراف والتي تنتهي بإعادة إنتاج الممارسات المتعلمة التي درج الإنسان على إتيانها بعد أن شكلت لديه خلفية وإطاراً مرجعياً يحتكم إليه في حياته اليومية.
أولاً : بناء مفهوم التنشئة الثقافية الإلكترونية؟
ندرك حدوث التعلم حين نلمس تغيراً قد طرأ على سلوك الفرد بعد تفاعله مع البيئة من خلال التدريب مثلا أو التقليد ما ينتج عنه تنمية وإثراء الجانب المعرفي لدى الشخص والجانب السلوكي الحركي كالمهارات والوجداني كالميول والقيم والاتجاهات والتعلم هنا قد يأخذ الطابع السلبي أو الإيجابي بحيث يؤدي في النهاية إلى تكيف الفرد مع بيئته ويتصرف بما يتلاءم مع المواقف التي يتعرض لها في حياته ونظرا الأهمية عملية التعلم في حياة الإنسان والتي من خلالها يكتسب إمكانية وقدرة التكيف مع البيئة بكل معطياتها المختلفة بذلت العديد من الجهود في دراسة هذه الظاهرة الحيوية في إطار ما يسمى بنظريات التعلم فكل اتجاه يفسر عملية التعلم من وجهة نظره وهي في النهاية تفسر لنا طبيعة عملية التعلم من نواحي مختلفة ونظرية التعلم الاجتماعي هي احدى تلك النظريات وهي التي وتحلل تفسر حدوث عملية التنشئة من خلال الملاحظة والتقليد وتثبت أيضاً باقي نظريات التعلم الأخرى أن التنشئة الاجتماعية هي عملية تعلم بجدارة ومن أهم العمليات الحيوية التي يقوم بها الكائن الإنساني والتي تثبت وجوده الفعلي واستمراره وتطوره إذ أنه ينفرد بها دون غيره من المخلوقات.
1. التنشئة الاجتماعية كعملية تعلم : إن التنشئة الاجتماعية هي عبارة عن عملية تربية وتعليم هدفها تشكيل شخصية الفرد وفقا لمعتقدات المجتمع وعاداته وتقاليده وأعرافه، ومن خلال ما تم تناوله سابقا حول تعريف التنشئة الاجتماعية يتضح بشكل جلي أنها عملية تعلم بلا منازع وذلك لأنها تعبر عن استقطاب الكان الحي الإنساني للعناصر المتاحة والمحيطة به في بيته الاجتماعية سواء في احتكاك مباشر وغير مباشر وكل ذلك من أجل تكوين شخصية الفرد حتى يصبح عضو فعال في جماعته ويتكيف معها ومن الطبيعي أن أي عملية تعلم تتم في البيئة باعتبار أنها الوسط الذي يعيش فيه الإنسان ويتعرض لمختلف عناصره وتأثيراته مما يساهم في تشكيل شخصيته الإنسانية والاجتماعية، إذا كانت التنشئة الاجتماعية في الأصل عبارة عن:
- فعل اجتماعي الهدف منه تشكيل شخصية الفرد ليصبح كائن اجتماعي.
- تحدث في ظل شروط أساسية لا تتم إلا في وجودها وتوفرها.
- تحتاج إلى أساليب لتحقيقها وتطبيقها والوصول إلى الأهداف المرجوة منها.
- تهتم أكثر بتكوين الشخصية الإنسانية من الناحية الاجتماعية أي هدفها تحقيق التفاعل الإيجابي للفرد مع الجماعة أو ما يسمى التكيف الاجتماعي.
- يكون الخاضع للتنشئة عبارة عن متلق ومتعلم عن طريق التفاعل الدائم، والمتواصل مع القائمين بتنشئته.
- لا يتلقاها كل الأفراد الخاضعين للتنشئة بنفس الطريقة ونفس الاستعداد حتى ولو خضعوا لنفس أساليب التنشئة في محيط واحد.
- تكون غالباً التنشئة الاجتماعية في المحيط الأسري غير مقصودة بمعنى أنها لا تخضع لتخطيط علمي ثابت ودقيق وبأهداف مسطرة ومحددة بل أهدافها هلامية وغير واضحة.
- كل أسرة لديها أهدافها وأساليبها وفقا لظروفها كحجمها ومستواها الثقافي والاقتصادي وغيرها.
يحمل محتواها والمتمثل في الزاد الثقافي والمستخدم في عملية تحويل الكائن البيولوجي إلى كائن اجتماعي يحمل كل جوانب ثقافة المجتمع بشقيها المادي والمعنوي وذلك بحكم الأوجه والمكونات والجوانب المحددة للشخصية الإنسانية وأيضاً بحكم الزامية تعامل هاته الأخيرة مع المجتمع بكل قطاعاته.
عملية مستمرة بهدف استكمال نمو الشخصية الإنسانية التي لا يمكن أن تكتمل فنقول استمرار تعديلها وتهذيبها بما يتماشى مع التطورات والمستجدات الحاصلة في المجتمع.
من خلال تحليل عملية التنشئة الاجتماعية تبدو كأنها عملية منظمة وتتم بسهولة ومرونة لكن هذا ليس صحيحاً فيجب علينا أن نسلم بأن العملية معقدة وتخضع لعدة ظروف وعوائق ومشكلات تجعلها تتطلب جهداً وصبراً وتضحيات جسيمة من طرف الآباء والأمهات، فما بالك وقد تتم هذه العملية من خلال المضامين الوافدة عبر وسائل الاتصال.
2. البيئة كمجال للوسائل التعليمية : البيئة المادية والاجتماعية تعتبر الحيز النفسي والاجتماعي الذي يعيش الفرد ضمن إطاره ويقع تحت تأثيراته فقد أشارت بحوث كرومباك وهانت بأن التفاعل الذي يحدث بين الفرد وما يراه وما يسمعه في بيئته في سنين عمره يؤدي إلى تغيرات واضحة في تكوينه العقلي.
وتقرر دراسات كثيرة أن للعوامل البيئية دوراً كبيراً في تحديد درجة نمو القدرات العقلية للفرد فالظروف البيئية تشمل التغذية والصحة العامة ونوعية المثيرات التي يتعرض لها الفرد خلال حياته وتفاعله معها فضلا عن تأثيرات المناخ النفسي والانفعالي داخل المنزل ونوعية التغذية الراجعة للسلوك، ويرى أديب الخالدي أن الأفراد الذين يعيشون في بيئة غنية بالمثيرات الثقافية ويسودها جو من الألفة والصداقة والمودة بين أفرادها كمثيرات اجتماعية مما يجعلهم يشعرون بأنهم قادرون على حفز نشاطهم العقلي لتحقيق ذواتهم بما يمتلكونه من امكانات وطاقات عقلية ويشعرهم هذا الوضع بمستوى عال من الصحة النفسية فيقبلون على التعلم فضلا عن تأثيرات عوامل التعليم والتربية والتي تؤدي إلى قدحمدركاتهم العقلية ونموها فتزيد من نسبة ذكائهم، وتعتبر التربية بصفة عامة وكذلك أساليب التعليم والتعلم ضمن الإطار البيئي الذي يعيشه الفرد ولها من المؤثرات التي تضفي على الفرد أنماط استجابة محددة تعبر عن السلوك الناتج الذي يصدر من الفرد من خلال ما يحققه من انجاز يختلف عن درجة انجاز غيره من الأفراد ويعود هذا الاختلاف بين الأفراد في حجم الانجاز ودرجته إلى ما تعرض إليه من تأثيرات مكتسبة وموجهة سواء كانت تربوية أو تعليمية فمسؤولية الوراثة وحدها عن الصفات الجسمية لون الشعر أو لون العينين أو الطول أو القصر ، ومسؤولية البيئة وحدها عن الفروق في تحديد درجة الدافعية ورسم الاتجاهات الاجتماعية سواء على صعيد الأسرة في التنشئة أو العمل المدرسي فضلا عن مسؤوليتها في رسم ميول الفرد وقيمه وما يتبع ذلك من خصائص مكتسبة ومسؤولية كل من الوراثة والبيئة بنسب متفاوتة عن تباين نسب الذكاء بين الأفراد.
3. الثقافة في بيئة الإنسان : تعرف الثقافة على أنها أنماط من السلوك وأساليب في التفكير والتفاعل مع البيئة تميز كل مجتمع عن غيره من المجتمعات وهي معتقدات الناس وعاداتهم وتقاليدهم ولغة التفاهم بينهم وأدوات الإنتاج وما انتجه المجتمع من مؤسسات إذن هي كل اساليب الحياة التي انتجها الإنسان وينتجها ويتعلمها ويعلمها وينقلها إلى الأجيال الناشئة عن طريق التنشئة الاجتماعية، وللثقافة مستويات إذ يقصد بالمستويات المساحات التي تشغلها تلك العناصر من حيث السعة والضيق والعناصر، حسب ما ذكره رالف لنتن في كتابه دراسة الإنسان حيث تكلم عن امكانية تقسيم محتوى الثقافة إلى ثلاث أقسام:
- العموميات
- الخصوصيات
- المتغيرات.
وأيضاً تتميز الثقافة بعدة صفات وهي كما يلي:
- أنها ذات جانبين مادي وآخر معنوي.
- تقع خارج الإنسان وليست داخل ذاته.
- أنها مكتسبة قابلة للنقل من جيل إلى أجيال لاحقة.
- أن الإنسان يخضع لعملية تعلم عند اكتسابها.
- ناجمة عن كفاح الإنسان ونشاطه من أجل اشباع حاجاته بأنواعها.
- قابلة للنقل والاكتساب والتعلم وهي تراكم قابل للغربلة أثناء النقل حسب مقتضيات الحال فلا ضرورة لان يتلقى الجيل كل إرث الماضي.
- أنها متغيرة لأن اشباع الحاجات الإنسانية متغيرة في طرائقه ووسائله ومحتواه.
- أنها تنقل بواسطة اللغة حيث تميز هذه الأخيرة الإنسان عن غيره عن غيره من الحيوانات.
- تساعد الثقافة في تسريع عملية التعلم نظراً لما تتضمنه من خبرات وممارسات جاهزة ينطلق منها الإنسان إلى تحقيق مكتسبات أرقى.
- أنها متكاملة.
من خلال ما تناولناه حول الثقافة نرى أنها عبارة عن نتيجة للتفاعل بين أفراد المجتمع وعن طريق التنشئة الاجتماعية تنتقل إلى الأجيال المتعاقبة وتتم التنشئة الاجتماعية في المؤسسات التي أنشأها المجتمع وأهمها الأسرة والمدرسة ومن هنا نلمس العلاقة الوثيقة بين الثقافة والتربية حيث أن التنشئة الاجتماعية في أساسها عملية تربوية وهذه العلاقة تتمثل في أن التربية تمثل المنهج والأداة وتمثل الثقافة المحتوى والمضمون.
وبهذا يتضح أنه بدون التربية لا توجد ثقافة أصلا لأن الإنسان سيبقى عند مستوى حيوان الغابة دون ثقافة ولا لغة ولا ماديات أو معنويات فالتربية إذا تولد الثقافة وبالتربية تنقل هذه الثقافة وتستمر وتتطور وتنمى وتزداد، وبمعنى آخر تعد التربية عاملا رئيسيا من عوامل نشوء الثقافة وظهورها وبالوقت نفسه فإن الثقافة تعد أحد العوامل الخمسة الرئيسية التي تقوم عليها التربية لا ثقافة بدون تربية ولا تربية بدون ثقافة وتحقق التربية أهداف المجتمع تجاه الثقافة والمتمثلة في المحافظة على كيان وتحقيق الاستقرار وتحقيق التقدم إذ يمثل هذا الأخير أي التقدم أحد مؤشرات التغير الاجتماعي والذي يعرفه عالم الاجتماع غيروشي بأنه هو كل التغيرات الملاحظة في الزمن والتي تمس بطريقة لا تكون مؤقته أو عرضية بناء أو وظيفة التنظيم الاجتماعي لمجتمع معطى والتي تغير مساره عبر مسيرة تاريخية فالواقع الاجتماعي لا يمكن ان يبقى على حال واحد إنما هو في حالة تغير مستمر وهذه الحالة طبيعية بوصف الحياة بطبيعتها متغيرة متطورة لا تعرف الركود وأن عملية التغير هذه لا تقتصر على جانب واحد من جوانب المجتمع وعلى هذا الأساس يمكن القول ان للتغير الاجتماعي أنواع كالتغير في البيئة الاجتماعية وتغير في أساليب الحياة وتغير في أشكال المعارف والعلوم وانماط التفكير والتغير في القيم والمعايير وأنماط السلوك والتغير في طريقة التعبير والآداب والفنون وفي العلاقات بين الحاكم والمحكوم والتغير في شكل الأسرة وطبيعتها وأيضاً تغير في اللبس والمأكل وتغير في وسائل التربية.
ومن العوامل الرئيسية في حصول التغير الاجتماعي شبكات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وخاصة فيما يتعلق بوسائل التربية والتنشئة الاجتماعية إذ أصبحت وسائل الاتصال الحديثة أحد الوسائط المهمة ومؤسسة معتبرة للتنشئة الاجتماعية وهي تشمل القنوات الفضائية التلفازية والأنترنت والإذاعات المحلية والعالمية إلى غير ذلك.
فالطفل منذ نعومة أضفاره صار يشاهد برامج تلفازية مختلفة منها ما هو مخصص للأطفال ومنها غير ذلك ولا شك أن هذه البرامج لها تأثير كبير في تكوين اتجاهات الأطفال وميولهم وتوجيه اهتماماتهم نحو قضايا مختلفة وعلى هذا الأساس فإن استخدام هذه البرامج وتوجيهها لأغراض تربوية معينة يسهم إسهاما كبيرا في التنشئة الاجتماعية زد على ذلك ما يتوفر على شبكة الأنترنت من المواد الثقافية والعلمية والفنية المختلفة التي أصبحت في متناول الشباب في كل حين الأمر الذي جعل وسائل الاتصال من ابرز وسائل التنشئة الاجتماعية في عصرنا الحالي.
وهذا ما يجب الانتباه إليه والاهتمام بالكيفيات التي تعمل وفقها هاته الوسائل في سبيل تحقيق التنشئة الاجتماعية للأفراد، وبما أن وسائل الاتصال الحديثة بمثابة وسيلة تعليمية فهي مؤكد تحمل خصائص الوسيلة التعليمية في مجال التنشئة الاجتماعية بنوعيها الغير مقصودة والمقصودة لذلك سوف نقوم بإسقاط خصائص الوسيلة التعليمية على وسائل الاتصال كوسيط للتنشئة الاجتماعية من خلال ما يسمى بالمواد الثقافية والتي تعرف على أنها هي مجمل ما يبثه التلفزيون ويتناول الكتاب والمؤلفين والموسيقى والأدب والشعر والرقص والأوبرا والمسرح والفنون التشكيلية بمختلف الأشكال التعبيرية وربورتاجات تحقيق صحفي فيلم وثائقي حوار أو في شكل برامج تضم عدة قوالب تعبيرية تلفزيونية.