0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

صدر سنة 2015 عن مؤسسة الإدريسي الفكرية للأبحاث والدراسات كتاب بعنوان تعريب الدولة والمجتمع بالمغرب الأقصى خلال العصر الموحدي للباحثة رحمة تويراس ويضم الكتاب 319 صفحة وهو في أصله أطروحة دكتوراه في التاريخ نوقشت بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 2004 تناول الكتاب موضوع التعريب خلال العصر الموحدي والعوامل التي أنتجت هذا الواقع التاريخي دون أن يغفل المكانة التي كانت للغة الأمازيغية في إرساء أسس هذه الدولة.

يضم الكتاب أربعة أبواب مهد بابه الأول للعوامل التي ساهمت في انتشار اللغة العربية قبل العصر الموحدي فتناول فصله الأول تاريخ المجموعات البشرية التي صنعت الخريطة اللغوية المجتمع مغرب العصر الوسيط بدءا بالأمازيغ الذين استوطنوا المنطقة منذ أقدم العصور ثم العرب الذين توافدوا على بلاد المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى العصر المرابطي فشكل بذلك أهم وسيلة للتعريب دون إغفال مساهمة العناصر القيروانية والأندلسية أما الفصل الثاني من هذا الباب، فخصص لإبراز دور المدن في مسلسل التعريب فالعناصر العربية الأولى المهاجرة استوطنت المدن والأمصار باعتبارها مراكز جذب لنخبة الفقهاء والعلماء والتي كان لها دور في تنظيم الإدارة والتعليم وهكذا ظهر التعريب في المدن قبل البوادي ولم يمتد إلى هذه الأخيرة إلا لاحقا مع قدوم القبائل العربية الهلالية.

خصص الباب الثاني لدراسة عوامل أخرى مؤثرة ساهمت تدريجيا في صنع هذا الواقع التاريخي فاهتم الفصل الثالث بدراسة دور المؤسسات الدينية والتعليمية في نشر اللغة العربية مثل المسجد والكتاب والرباطات ويدل انتشار هذه المؤسسات على احتكاك الناس باللسان العربي خصوصا أنها مؤسسات شعبية تتصل بعامة الناس بل تضافرت وتكاملت فيما بينها لتدعم إشعاع اللغة العربية لكن أدوارها كانت غير متكافئة واختلفت من وقت لآخر أما الفصل الرابع فيتعلق بمسألة انتحال الأمازيغ للنسب العربي وهي ظاهرة لا نجد لها مثيلا عند الشعوب الألقرابة ضمن سلسلات النسب مع إقامة علاقة افتراضية بين هذا الانتحال والتعريب إذ يحتمل أن تكون هذه العلاقة لبنة من اللبنات التي أسست الموقف ايجابي من التعريب لأنه قد يكون ساهم في تقبل اللغة العربية وانصب الاهتمام في الفصل الخامس على حلقة أخرى من حلقات التعريب وهي الاندماج في الثقافة العربية ويبدو أن هذا الاندماج تحكمت فيه إرادة الخلفاء والعلماء والصلات الثقافية وعلاقات التجاذب التي ربطت بين المغرب الأقصى وباقي أقطار المشرق الإسلامي حيث شكلت الرحلة العلمية جسرا مرت عبره الثقافة العربية في شكلياتها ومضامينها لتصبح بعد ذلك مؤهلا أساسيا لشغل المناصب الكبرى.

أما الباب الثالث فركز على دراسة تعريب الدولة الموحدية ويحتوي على الفصلين السادس والسابع وقف الأول على دور الدولة في إرساء هياكل تنظيمية كانت السيادة فيها للغة العربية التي ظلت مرعية في الشؤون الإدارية وحظي ديوان الرسائل بأهمية خاصة ساهمت في استمرار ترسيخ اللغة العربية لغةً للكتابة وكذا هيئة الحفاظ التي أنشئت لتخريج كفاءات ذات خبرة ودراية في مجال التدبير ولا شك أن هذا الإجراء ساهم في تعزيز الإدارة الموحدية بعناصر ذات ثقافة عربية وتناول الفصل السابع المؤثرات المختلفة والوسائل التي استخدمتها الدولة الموحدية لتطوير الثقافة في قالبها العربي وكذا مجهوداتها في استعمال اللسان الأمازيغي سواء على المستوى الديني أو الرسمي.

خصص الباب الرابع لتعريب المجتمع خلال العصر الموحدي عبر رصد بنيته وتحديد العناصر السكانية المشكلة له في كل من المدينة والبادية ففى الفصل الثامن تم التركيز على متابعة مسلسل تهجير القبائل العربية ورصد تحركاتها ومناطق نفوذها وقد كان إنزال العرب الهلالية بالسهول والأرياف الدفعة التي أعطت للتعريب قوته خاصة على المستوى المحالي وبما أن المنطقة عرفت ما يكفي من الحركية السكانية خاصة أواخر الحكم الموحدي عندما فقدت السلطة الموحدية جل مقوماتها مما شجع القبائل الهلالية على الانتشار والتحرك فإن هذه التحركات كان لها عميق الأثر في انتشار اللغة العربية وحمولتها من أعراف وتقاليد كما تم توضيح الظروف التي ساهمت في تعريب المدن الموحدية حيث جاءت الهجرة الأندلسية لتتجه بالمجتمع الحضري من جديد نحو التعريب وتناول الفصل التاسع العامية المغربية خلال العصر الموحدي وتم الاعتماد في هذا الباب على بعض الجمل التي وردت في كتاب أخبار المهدي للبيذق وعلى بعض الأزجال المتفرقة أما الفصل العاشر والأخير فكان النظر فيه مركزا على دراسة أسماء الأماكن الطوبونيميا التي عكست الواقع التاريخي السالف الذكر وقد تم الوقوف على أعلام أمازيغية محرفة وفق النطق العربي وكذلك على أعلام عربية مما يفصح عن واقع بشري ولغوي جديد عرفه المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط.

الهوية واللغة ومراحل التحول بالمغرب الوسيط؟ 

يضم الكتاب بين دفتيه سبعة مقالات وملحقاً سبق أن أسهم بها المؤرخ محمد القبلي في مناسبات علمية مختلفة ونشرت متفرقة ثم جمعها في هذا الكتاب وتكون في مجموعها خمسة وتسعين صفحة وهي

1. نحو مقاربة أولية لمراحل البحث في تاريخ المغرب الوسيط. 

2. حول بعض مرتكزات الهوية في تاريخ المغرب الأقصى الوسيط. 

3. حول التبدل والاستمرارية بمغرب العصر الوسيط. 

4. حول بعض جذور الوضع اللغوي الحالي بالمغرب.

5. حول الإصلاح وإعادة الاصلاح بالمغرب الوسيط.

6. الدولة والولاية بالمغرب الأقصى في منتصف العصر الوسيط.

7. المجتمع بين الإصلاح والابتداع بالمغرب الاقصى الوسيط.

8. ملحق من كتاب المعيار المعرب.

ونظراً لغنى هذه الأبحاث وعمقها وتنوعها فقد ارتأيت الاقتصار على عرض المقالات الأربع الأولى لصلتها بموضوع ملف هذا العدد من مجلة أسيناك.

المقالة الأولى: نحو مقاربة أولية لمراحل البحث في تاريخ المغرب الوسيط : استهل المؤلف هذه المقالة بالإشارة إلى أن من ألصق الضوابط المتصلة بوضع حصيلة ما أن يتم الاعتناء بتوطين المجال الذي يهم هذه الحصيلة مع استحضار أبرز المواصفات المحددة التي تؤطره ثم أبرز مراحل البحث في تاريخ المغرب الوسيط وحصرها في ثلاث هي

1. مرحلة الاستكشاف : وقد كان من أهدافها: ضبط الواقع عن طريق المعرفة استناداً إلى فرضيات قائمة على مجموعة من الثنائيات السهل والجبل والعرب والبربر والزوايا والمخزن وانعزال المغرب النافع عن بقية البلاد مع الاهتمام بجوانب أخرى من تاريخ المغرب الوسيط مثل الحفريات والمسكوكات والنقوش والفن المعماري والعناية بالتراث المخطوط جمعاً وفهرسة وترجمة بعضه الى اللغة الفرنسية وقد بصم هذه المرحلة باحثون فرنسيون من مثل: ليفي  وكولان وجورج مارسي بروفنسال وهنري تيراس وروني باشي وغيرهم.

وشهدت نهاية هذه المرحلة ظهور بعض المشاريع المونوغرافية لبعض الباحثين الفرنسيين من أمثال: روجي لوترنو وگاستون دو فيردان مع الإشارة إلى أن وجاك مونيي وجاك بيرك باحثين إسبان اهتموا بشمال المغرب وكانت لهم نفس العمليات الاستكشافية مع تباين في الكثافة والإمكانيات وكان منهم كارسیا گومیز گونزاليس بالانسيا ومنينديز بيدال وبوش فيلا وأمبروسيو هويسي ميراندا وآخرون.

أما الباحثون المغاربة فقد ظهرت لبعضهم بعض الأعمال المونوغرافية وإن كانت لا تلتزم بالعصر الوسيط زمناً لها فقد مهدت لما سوف يتلوها مباشرة من تموقع الباحث المغربي خارج الخطاب المعرفي السائد لدى مؤرخي الحماية ومنها أعمال محمد الكانوني وعبد الرحمان بن زيدان والعباس بن إبراهيم الذين عرفوا بمآثر وأعلام مسقط رأسهم وما يميز هذه المرحلة أن البحث بمعناه المعاصر لم يكن متوفرا لدى المغاربة بالنسبة لتاريخ المغرب الوسيط.

2. مرحلة الانطلاق والتموقع: قدم المؤلف تحقيق الأستاذ محمد بن تاويت لمقدمة ابن خلدون، نقطة البدء في هذا الاتجاه كما اختار لنهايته توقف مجلة تطوان عن الصدور أو بداية التأليف التيمي التركيبي مع نشر الأستاذ محمد بنشقرون الأطروحته عن الحياة الثقافية المغربية في عصر المرينيين والوطاسيين سنة 1974 باللغة الفرنسية.

ومن مميزات هذه المرحلة:

أ. تعدد المنابر التي تنشر باللغة العربية صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، ومجلة تطوان ومجلة البحث العلمي ومحلة هسبيريس تمودا. 

ب. الاتجاه نحو تحقيق النصوص الوسيطية ونشرها محمد بن تاويت الطنجي و محمد بن تاويت التطواني وعبد الله كنون ومحمد إبراهيم الكتاني، ومحمد الفاسي وعبد القادر الصحراوي ومحمد زنيبر وعبد الوهاب بنمنصور وعبد الهادي التازي، ومحمد بنشريفة وسعيد أعراب وآخرون. 

ت. الاهتمام بالأعمال الببليوغرافية عبد السلام بنسودة ومحمد بن إبراهيم الكتاني ومحمد المنوني. 

هذا ما يتصل بالإنتاج المغربي في موضوع تاريخ المغرب الوسيط أما الإنتاج الفرنسي في الموضوع ذاته فقد اتخذ له توجهات أخرى تأثرت بما عرف بظاهرة التاريخ الجديد أو مدرسة الحوليات كما تجسده أعمال جاك بيرك وجون بونسي وبيرنار روز نبرجي في حين حاولت المدرسة الإسبانية التوفيق بين التأليف والتحقيق فرناندو دو لاکرانجا ومارية خيسوس فيكيرا وميرسيديس كارسيا أرينال ومانويلا مارين. 

أما البحث الانكلوسكسوني فقد عرف بدوره انطلاقاً في ذات المجال واعتمد المقاربة الانتربولوجية في دراسة القضايا ذات البعد الديني والاجتماعي وكذا عامل الكم في تناول بعض الظواهر الاجتماعية ومن رواد هذا الاتجاه إرنست كلنير وجون هوبكنز ومايكل دولس ومايا شاتز ميلير. 

وما يجمع مختلف المدارس الأوروبية خلال هذه الفترة هو اتجاه البحث المتقيد بالضبط الببليوغرافي والتوثيق والقراءة المقارنة للمصادر ومن ممثليه البارزين تا دوز ليفيتشكي وروبير برانشفيك وهويسي ميراندا وروجي لوترنو. 

3. مرحلة الاستشكال والمراجعة: هي نتيجة لسابقتها وامتداد لبعض نواحيها ذلك لأنها ستوظف النصوص الجديدة المحققة خلالها مع ما يصاحب ذلك من إثراء التساؤل وتعميق النظرة للأشياء فتصبح بذلك فترة استشراف وتأمل واستشكال وتجاوز في نفس الوقت وتميز الباحث المغربي خلال هذه المرحلة بتحقيق ونشر نصوص جديدة وإعادة النظر في بعض النصوص التي سبق تحقيقها خلال المرحلتين السابقتين والعمل على تحقيقها من جديد. 

صاحب هذا التوجه اهتمام بقضايا مختلفة من تاريخ المغرب بحقبه المختلفة وضمنها العصر الوسيط نشأ في كنف الجمعية المغربية للبحث التاريخي مع منتصف ثمانينات القرن العشرين يروم ارتياد تاريخ المجتمع بمعناه الواسع المتشعب المؤدي حتماً الى اعتماد عدة مقاربات مندمجة متداخلة وتناول قضايا ذات صلة بالدين والسياسة والذهنية والتجارة والبني والذاكرة والكرامة والولاية والشرف واهتماماً بالمدينة وبمجال المغرب الوسيط وبالتحركات البشرية وأثرها في تطور الأوضاع بشكل عام.

وقبل ختم مقالته سجل المؤلف بعض الملاحظات:

أهمية الكتابة التاريخية التقليدية للحقبة الوسيطية وإفادتها للكتابة التاريخية الجديدة. 

ارتقى التعاون بين باحثين من المغرب وفرق بحث أجنبية بمعرفة تاريخ المغرب وادمجه ضمن نسق حضاري أوسع. 

ساعدت إمكانيات فرق البحث الأجنبية على إنجاح عملية التعاون كما سهلت إقامة باحثين مغاربة ببعض الجامعات ومراكز البحث الأجنبية عملية التواصل. 

كان من نتائج كل هذا تحقيق انفتاح فعلي عند طرح قضايا المغرب الوسيط وتناولها مع مراجعة التعامل مع عامل الزمن التحقيب. 

ضرورة استحضار اهتمام الباحثين اليهود من أصل مغربي بالفترة الوسيطية وما راكموه من أبحاث نوعية في هذا الباب لتكتمل صورة تعامل الباحث المغربي مع تاريخ المغرب الوسيط.

وفي نهاية المقالة خلص الكاتب إلى أن تعامل الباحث المغربي مع تاريخ المغرب الوسيط بدأ ضعيفاً غداة الاستقلال ثم تقوى بعد ذلك وفرض نفسه في الدخل والخارج بفضل تضحياته وتنظيمه الذاتي والتزامه في المقام الأول رغم التشرذم وضعف الطاقات المكتبية وهشاشة الهياكل دون إغفال دور الدولة في تكوين الطاقات البشرية القائمة على الإنجاز.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)

المقالة الثانية: حول بعض مرتكزات الهوية في تاريخ المغرب الأقصى الوسيط : وضع الكاتب في بداية مقالته تعريفات لأركانها الرئيسة فحدد إطارها الزماني في الفترة الواقعة بين بداية الأسلمة في نهاية القرن السابع للميلاد وبين بداية التدخل الأجنبي وسقوط مدينة سبتة في يد البرتغال مع مطلع القرن التاسع الهجري بداية القرن الخامس عشر للميلاد، كما حدد الإطار المجالي فيما اصطلح على تسميته بالمغرب الأقصى ابتداء من منتصف القرن السادس للهجرة او الثاني عشر للميلاد، كما عرف مرتكزات الهوية بأنها المستقرات المرجعية التي حددت أبرز معالم الهوية وفي مقدمتها: مرتكز المعتقد ثم النسب أو الانتماء الإثني فمرتكز الدولة بمفهومها الواسع ومرتكز الأرض ثم مرتكز اللغة في المقام الأخير وكلها مرتكزات تقدم متداخلة لا منفصلة عن بعضها.

1. مرتكز المعتقد : قصد الكاتب بالمعتقد ذلك الذي نتج عن اتصال المغاربة بحاملي الدين الجديد الإسلام اتصال أصبح فيما بعد نقطة البدء للتاريخ عند المغاربة بخلاف مؤرخي المشرق الإسلامي الذين يجعلونه ضمن تاريخ الخليقة.

اتسم اتصال المغاربة بالإسلام في عصر الولاة بسلوكات طغى عليها الميز والإقصاء والإكراه والإهانة في إطار ما سمى ب تخميس البربر وكان لهذا كبير الأثر على مرتكز المعتقد فانتفض المغاربة ضد الخلافة الإسلامية بالشرق باسم الإسلام بداية القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي فيما سمي بثورة الخوارج بقيادة ميسرة التي انفصل معها المغرب بشكل نهائي مع مركز الحكم بالشرق مع الاستثناء المرابطي الذي اعترف شكلياً بالخلافة العباسية لأسباب ظرفية عابرة ولعل لتسمية الأمازيغ أي الأحرار علاقة بهذا الوضع غير السليم بين الولاة والأهالي.

2. مرتكز النسب : وربما له صلة بموقف المغاربة من الخلافة الإسلامية بالشرق وإن ظهر الاعتداد بالنسب بعد ذلك بفترة طويلة غير أنه كان حاضراً عند تأسيس الكيانات المحلية المستقلة عن الشرق في شكل الانتماء إلى عصبيات وقبائل متنوعة تلتقي بتفاوت في الأصول الأمازيغية الثلاثة الكبرى الصنهاجية والمصمودية والزناتية مع اختلاف في معتقد تلك الكيانات المحلية.

ظهر مرتكز النسب في الهوية المغربية بشكل واضح مع إنشاء الدول المركزية ابتداء من القرن الخامس للهجرة الحادي عشر للميلاد انتساب صنهاجة المرابطين الحمير وابن تومرت لآل البيت وعبد المؤمن المضر من قريش واعتصام أمراء بني مرين برعاية أهل البيت من بين أدارسة المغرب الأقصى وتبين تلازم قوي بين مرتكزي المعتقد والنسب في تأصيل الهوية عند مغاربة العصر الوسيط.

3. مرتكز الأرض : تمثل هذا المرتكز بشكل أساسي في دمج المرابطين لسائر الجهات ضمن مجال سمي لاحقاً بالمغرب الأقصى تم توحيده انطلاقاً من الصحراء قبل توحيده لغوياً وهو مرتكز يرتبط بما قبله لأن توحيد المجال معناه توحيد السلطة الحاكمة وتوحيد السلطة الحاكمة معناه توحيد المعتقد ويؤدي لما بعده مرتكز اللغة.

4. مرتكز اللغة : كان لجوء الموحدين إلى استقدام القبائل الهلالية من المغرب الأوسط ومن إفريقية وإنزالها بالسهول الغربية تدشيناً لمسلسل تعريب المغرب الأقصى بدءاً بهذه السهول وهكذا توارى الحديث عن اللغة الأمازيغية على مستوى الكتابات المصدرية على الأقل وعوملت كموضوع وصفي لا علاقة له بالهوية الذاتية الجماعية الموحدة تجاه الغير. 

المقالة الثالثة: حول التبدل والاستمرارية بمغرب العصر الوسيط : تناول الكاتب في هذه المقالة الحديث عن جذور ثنائية التبدل والاستمرارية بمغرب العصر الوسيط والتي حددها في أربعة

1. المجال الجغرافي : المعروف اليوم بالمغرب الأقصى أو المغرب المنتمي الى فضاء أوسع يتسع لما يسمى حالياً بالمغارب أو المغرب الكبير وقد يضاف إلى بلاد المغرب والأندلس ويرمز هذا إلى اندماج مختلف مكونات هذا الفضاء فيما بينها أو إلى تضامنها الفعلي تجاه الآخر على الأقل ويبقى المجال الجغرافي هو الإطار الموطن لبقية العناصر ذات الصلة بتلك الثنائية.

2. الاستقلالية : وتجلت منذ زمن مبكر في المسافة الكافية التي يضعها المغرب دوماً بينه وبين أي شكل من أشكال التبعية الفعلية لمختلف مراكز الخلافة بالمشرق ومن أمثلة ذلك ثورة شمال المغرب التي كانت السبب في انفصال مجموع الغرب الإسلامي عن الخلافة في الشرق والتي نشأت بعدها عدة مراكز مستقلة إلى أن دشن المرابطون عملية توحيد فعلي المجموع التراب المغربي خلال منتصف القرن الخامس للهجرة الحادي عشر للميلاد وما تلا ذلك من تجارب وحدوية موحدية ومرينية متمسكة جميعها بمبدأ استقلالية التصرف وحرية المبادرة تجاه بقية مراكز النفوذ الإسلامية المعاصرة مع سعيها للقضاء على كل الاستقلاليات الفائدة المركز.

3. أنماط النظم وتوجهات الحكم : ذكر المؤلف يكون مسار الحكم في المغرب لم يختلف عن مساره عند كثير من المجتمعات المعاصرة أي الانطلاق من صيغة إقليمية محدودة وقصد بها الانتفاضة الأولى ضد الخلافة الأموية خلال القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي إلى دولة مركزية مكتسحة تجلت في المرابطين مع منتصف القرن الخامس الهجري الحادي عشر للميلاد وهو ما صاحب توحيد التراب المغربي كله على يد الدولة ذاتها ما مبرزاً كيف أن لهذا التبدل انعكاس على مستوى اللغة ومن ثم على مستوى الوعي الجماعي.

4. العقيدة والمذهب : هو ميدان جامع تصب فيه غالبية المعطيات السالفة وصفه الكاتب بأنه منطلق هوية المرجع الوجداني المؤسس الحاسم سواء بالنسبة للحاكم أو المحكوم وللتدليل على ذلك استحضر أهم الفوارق الموجودة بين خريطتين دينيتين الأولى سماها خريطة المنطلق سابقة على ظهور الدولة المركزية المرابطية بالمحال المسمى لاحقاً بالمغرب الأقصى تضم هذه الخريطة تيارات مختلفة منها ما يندرج ضمن المرجعية الإسلامية من خوارج ومعتزلة مشربين بتشيع زيدي إدريسي وشيعة إمامية وسنة مالكيون وأحناف ومنها ما يخرج عن دائرة المرجعية الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة الإمارتي بورغواطة وغمارة.

أما الخريطة الثانية فسماها خريطة الوصول التي تمخضت عن اختيارات الدول المركزية المتعاقبة وانعكاسها على المجال الموحد التابع لها وكذا عن المرجعيات المعارضة لها والحاصل أن هذه الخريطة لم تحتفظ بخلاف الأولى سوى بمذهب مالك من بين بقية المذاهب والتيارات الإسلامية مع عودة الشرف وظهور العقيدة الأشعرية وتيار التصوف. 

أشار المؤلف في الأخير إلى أن ملاحظاته بخصوص بعض المعالم المرجعية التي تعاملت مع ثنائية التبدل والاستمرارية في مغرب العصر الوسيط تبقى في حاجة إلى تشخيص العناصر أخرى لا تقل أهمية كتلك المتصلة بالبعد اللغوي أو بالثقافة السائدة أو بالسكان مثلا الأمر الذي يحيل على اختصاصات أخرى من قبيل اللسانيات والجغرافيا البشرية والأنتربولوجيا والتاريخ عاقداً الأمل على تعاون أصحاب هذه الاختصاصات للوصول إلى الغايات المنشودة.

المقالة الرابعة: حول بعض جذور الوضع اللغوي الحالي بالمغرب : استهل المؤلف هذه المقالة بجملة من الملاحظات أهمها عدم استحضار البعد التاريخي للمشهد اللغوي الحالي للمغرب على مستوى التعامل العلمي المعتمد هنا وهناك من قبل منطلقاً لتشخيص جذور هذا المشهد اللغوي بدءاً بعض المحاولات الترويجية الشائعة بالإطار وبعض المسلمات ومنها

1. تقيد العمل التاريخي بالمصادر بالدرجة الأولى.

2. الأخذ في الاعتبار مفهوم الأسطوغرافية المغربية الوسيطية للزمن.

ثم استعرض بعض التجارب التي ميزت المشهد اللغوي بالمغرب الوسيط والتي ميز فيها بين أربع حلقات هي 

حلقة أولى : اتسمت بطابع اللامركزية الجهوية وتنوع المرجعيات من القطيعة مع الحكم الأموي للمغرب بفعل ثورة الخوارج إلى منتصف القرن الخامس الهجري الحادي عشر للميلاد وما ميزها من تأسيس كيانات جهوية مختلفة المذاهب سنة وشيعة وخوارج التي حافظت على اللغة العربية لغة الدين الجديد ومختلفة الديانات بورغواطة بتامسنا، وحاميم بغمارة التي استقلت لغوياً. 

حلقة ثانية : دشنت قيام الحكم المركزي السني بالمغرب بقيام دولة المرابطين بداية النصف الثاني من القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي والتي اعتمدت أسلوب مالك التوسع الممركز وتوحيد المجال باسم السنة والإسلام والسهر على نشر مذهب مالك ونجحت في توحيد المعتقد ومحاربة الكيانات التي مرقت من الإسلام وأقصت اللغة العربية التي أصبحت مع المرابطين لغة الدواوين الرسمية على كل مجال حكمهم الممتد من الأندلس إلى تخوم نهر السنغال.

ولم يشد الموحدون الذين خلفوا المرابطين منتصف القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي عن هذا فقد بقيت اللغة العربية لغة الحياة الرسمية بوجه عام مع استعمال اللغة المصمودية في نشر الدعوة بالأطلس وخارجه، مع اشتراطهم معرفة هذه اللغة وحفظ التوحيد التومرتي بها عند تعيين أئمة المساجد بفاس الأمر الذي جعل من النصف الثاني من القرن السادس الهجري منعطفاً هاماً ربما اعتبر مصيرياً بالنسبة للمسار اللغوي بالمغرب حيث بدأت تتعايش اللغتان بغالب الأقاليم والجهات.

حلقة ثالثة : وفيها اكتمل الكيان النوعي الخاص بهذه اللغة باستقرار القبائل الهلالية مع منتصف القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي حيث ظهرت بمسحة عامية دارجة تجسدت في الأرجوزة المشهورة ملعبة الكفيف الزرهوني التي تضمنت وصفاً لحملة أبي الحسن المريني إلى المغرب الأوسط وأفريقية.

حلقة رابعة : تمثلت في اللسان العربي الحساني الذي ساد أقصى الجنوب الغربي من الصحراء المغربية مع منتصف القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي حيث نزلت به القبائل المعقلية الراحلة واليها ينتمي ذووا حسان الذين اشتقت منهم تسمية هذا اللسان.

ختم المؤلف هذه المقالة باللوحة التي رسمها الحسن الوزان أوائل القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي للتشكيلة اللغوية الجغرافية لتلك الفترة عندما ذكر أن العرب الذين جاؤوا الى افريقيا فيدعون بالعرب المستعجمة والعرب المتبربرة لأن لغتهم فسدت مع طول الزمن المساكنتهم أمة أجنبية فأصبحوا برابرة، واصفاً الأحوال اللغوية للأمازيغ الذين ميز فيهم بين خمسة شعوب صنهاجة ومصمودة وزناتة وهوارة وغمارة هذه الشعوب الخمسة المنقسمة إلى مئات السلالات وآلاف المساكن تستعمل لغة واحدة تطلق عليها اسم أوال أمزيغ أي الكلام النبيل بينما يسميها العرب البربرية وهي اللغة الافريقية الاصيلة الممتازة والمختلفة عن غيرها من اللغات.

وتساءل المؤلف في الأخير عن سبب التغييب التدويني للأمازيغية خلال العصر الوسيط، مفترضاً تعلق الأمر بالتمييز بين واقع التخاطب ومثالية التقاليد الرسمية المتواترة وعناد البنية المرجعية السائدة في الأوساط المثقفة والأوساط الرسمية التي تؤسس مشروعيتها على المرتكز العقدي وعلى مرتكز الانتساب القابل للتكييف والتوفيق في أغلب الأحيان مثيراً مسألة الهوية الأمازيغية بعد قيام الحكم المركزي بالمغرب مع المرابطين والموحدين والمرينيين والتي وقع فيها التركيز على أنساب الأمازيغ ورجالاتهم وعلمائهم وصلحائهم على حساب اللغة التي عدها مرتكزاً عضوياً لتلك الهوية. 

تبين من خلال هذه القراءة السريعة للمقالات الأربع تكاملها وانسجامها فهي تشترك في أمور عدة وتتقارب موضوعاتها المطروقة فإذا كانت الأولى استعراضاً لمراحل البحث في تاريخ المغرب الأقصى الوسيط فلأن الفترة التاريخية والمجال الجغرافي المحددين فيها هما المؤطران لباقي المقالات سواء المتصلة منها بمرتكزات الهوية وبثنائية التبدل والاستمرارية أو ببعض جذور الوضع اللغوي الحالي بالمغرب.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل مارس 23، 2024 في تصنيف معلومات عامة بواسطة alaistfada (2.9مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...