1. منظور الفعل الاجتماعي؟
الفعل الاجتماعي ومكوناته : إذا كان مفهوم الفعل الاجتماعي عند بارسونز يشير إلى كل أشكال السلوك البشري التي تحركها وتوجهها المعاني الموجودة في دنيا الفاعل وهي معاني يدركها الفاعل ويستدمجها في ذاته فالفاعل يمكن أن يكون فردا أو جماعة أو تنظيما أو حتى مجتمعا الفاعل هو أي كان كبر حجمه أو صغر يسلك في ضوء المعاني التي توجد في بيئته وطالما أن هذه المعاني لا يحتكرها فاعل بعينه بل يشترك فيها آخرون فإن الفعل الاجتماعي الذي يأتيه فاعل معين لا يتم إلا داخل موقف وهناك مجموعة من العناصر داخل الموقف يتخلق من ترابطها جميعا التفاعل بين الفاعلين الموجودين داخل الموقف ويضم الموقف الموضوعات الفيزيقية الطبيعية الجغرافية والظروف المناخية والأجهزة العضوية للفاعلين والموضوعات الاجتماعية الفاعلين الآخرين الموجودين في الموقف والموضوعات الرمزية اللغة والقيم والمعايير وبناء على ذلك فإن الفعل الاجتماعي لا يمكن أن يتم إلا إذا توافرت عدة عناصر هي: الفاعل والموقف بما يحويه من موضوعات فيزيقية واجتماعية والرموز التي من خلالها يتم التواصل داخل الموقف والمعايير التي توجه سلوك الفاعل وتضبطه.
ويتصف الفعل الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي بأن له خصائص النسق بمعنى أنه يتكون من مجموعة من العناصر المترابطة التي تتصف أقل وحدة فيها بنفس الصفات التي يتسم بها المركب الكلي بحيث يمكن باستخدام التحليل والتركيب أن نتعرف على المكونات الصغيرة للنسق وكذلك على صورته العامة الكلية وطرح بارسونز مفهوم وحدة السلوك الصغرى وهو مفهوم يمكن من خلاله أن يفهم كيف يتحلل النسق إلى وحدات سلوكية صغرى وكيف تشكل هذه الوحدات الصغرى البناء الكلي لنسق الفعل ووحدة السلوك هي الصورة الصغرى للفعل الاجتماعي، ويطرح ماكس فيبر عدد من الأنماط المختلفة بمعنى الفعل الاجتماعي وهي:
١. المعنى الحقيقي للفعل الفردي المحسوس المعنى الذاتي.
٢. المعنى المقصود الحقيقي المعنى الذي يتحدد على مستوى الجماعة أو ما يعرف بالمستوى المعياري.
٣. وهو المعنى المناسب الذي يصاغ صياغة علمية مجردة النموذج النظري المجرد.
وأكد فيبر أن هذه الأنماط الثلاثة تساعد الباحث في فهم وتفسير الفعل والسلوك الفردي والجماعي بصورة علمية وموضوعية كاملة.
وحدد فيبر قيمة الفعل الاجتماعي من خلال اعتباره وحدة التحليل الأساسية للمجتمع فالفرد وفعله يمثلان الوحدة الأساسية فالفرد هو الشيء الوحيد الذي لديه سلوك له معنى وهذا ما يميز المفهوم الفردي أو الفعل الاجتماعي عن غيره من المفاهيم الأخرى مثل الدولة أو الرابطة أو الإقطاع فجميعها تشير إلى فئات معينة من الفاعل البشري ومن ثم يكرس وظيفة علم الاجتماع في اختزال هذه المفهومات إلى فعل يمكن فهمه وتفسيره وفي مجموعة من الأفراد المشتركين في النشاط البشري داخل الدولة أو الرابطة أو الجماعة أو مجموعة الإقطاع وغيرهم من المجموعات الاجتماعية الأخرى.
وفي رؤية جديدة للفعل الاجتماعي تتناول كيفية تحول الفعل من حالته الفجة إلى حالة الاختمار الاجتماعي:
أ- خامات الفعل الفردي؟
رغبات خام غريزية: خام غريزية إنها المحرض الغريزي الذي يحرك الفرد نحو أهداف غريزية أيضاً كرغبته في التعرف على شيء معين لإشباع فضوله الخام.
النفور الفج الغريزي أي الابتعاد عن شيء معين إما خوفاً منه أو لعدم احتياجه أو لعدوانيته.
الإدراكات : المتمثلة في سمع الفاعل وبصره ولمسه للسلوكيات والظواهر الاجتماعية يستخدمها السماع أو مشاهدة أو لمس لما يدور حوله من سلوكيات وأحداث اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية يوعزها إلى عقله لكي يقرر رغبته في أداء تصرف معين أو النفور منه على ان لا ننسى أن العقل لا يقرر بشكل منفرد وقطعي بل في ضوء مؤثرات المحيط الزمانية والمكانية.
ب- آليات تفعيل الفعل؟
الآخرين: تشمل هذه الآلية أفراد الأسرة والأصدقاء والزملاء والمعارف الذين يتفاعل معهم باستمرار أو بشكل دائم أو ظرفي أو منقطع وما ينتج عنه من علائق وصلات ومعايير لكن ليس بالضرورة أن يكون حكمهم صادقا دائماً أو كاذبا على طول الخط بل يتأثر بعلاقة الفاعل بهم وعلاقتهم به، فقد تكون حميمية أو ودية أو معادية أو بغيضة أو حاسدة عندئذ يستطيع معرفة درجة مصداقية حكمهم والتحقق من صفاته ونقائه بواسطة واقفهم منه.
المحيط الاجتماعي: الذي يضم التنظيمات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية والجماعات المرجعية والأصدقاء وما يصدر عنهم من إشاعات وأحكام ورؤى وتحليلات وما يحملون من معايير وقيم اجتماعية فضلا عن الثقافات لكل الجماعات القاطنة في المحيط الجغرافي إضافة إلى الصحف والمجلات ورموز الجماعات ونجومها والضوابط الاجتماعية العرفية والرسمية ومستوى العيش وأساليب التعامل اليومي وما يتضمنه من مفردات لغوية وآداب عامة وعادات جمعية.
العقل: الذي يستخدمه الفاعل المقارنة ومفاضلة ما يدركه وما يرغب به وما ينفر منه خاضع في ذلك المؤثرات المحيط الاجتماعية على الرغم من كونه عضواً بايولوجيا موروثا.
الإرادة الذاتية: التي تعني القدرة التطبيقية في تنفيذ ما يأمر به العقل الاجتماعي للفاعل أي أنها الأداة المنفذة لأوامر العقل فإذا كان تفكيره صافيا وواضحا وناضجا تكون إرادته سلسة وواثقة في تنفيذ ما تأمر به من قبل العقل، وهذا على الصعيد العام لكن هناك ثلاث نماذج من الإرادة هي؛
الإرادة المتقلبة : التي تكون مترددة أو محتارة أو مرتبكة في تنفيذ ما تأمر به من قبل تفكير الفاعل بسبب عدم نضج أو اكتمال الصورة الدهنية عنده حول موضوع الفعل أو عندما تتضارب الصورة في الإطار الذهني عندئذ تكون إرادته حائرة أو متقلبة التنفيذ.
الإرادة المعتمدة : التي تشير إلى استلاب التفكير لصالح فاعل آخر أو مجموعة أفراد يخضع لهم الفاعل فيقلدهم فتفكيره وإرادته مسلوبين للآخر المتأثر به والمعجب به والذي يقلد نهجه أو فعله.
الإرادة المستقلة : التي لا تخضع لموجهات الآخرين الذهنية أو المعيارية أو القيمية أو الإحكامية بل تنفرد بقرارها لكن عليها أن تدفع ثمن ذلك غاليا بعد التنفيذ والذي يكون على شكل نقد الناس له وتجريحهم له بشكل مركز ومبالغ فيه آيته في هذا التفرد هو التحرر من قيود المجتمع بسبب جدية وحدة ذكائه فلا يجبر الفاعل أو يقهر إرادته لكي يخضعها الأحكام الآخرين بل يحميها منهم ويدافع عنها.
ج- حصيلة التفعيل؟
هو الفعل المحيطي الذي يعني الصيغة السلوكية المصنوعة من قبل مؤثرات آليات التفعيل المحيطية والغير محيطية وتشمل ما ينتج عن مستلزمات أدوار الفاعل التي مارسها والمواقع التي أشغلها والعلائق الاجتماعية التي بناها أو ارتبط بها جميعها تؤثر في إرادته فتوجهها باتجاه أهداف محيطية وعلى فكره فتطبعه بطبائع حدود المحيط بتعبير آخر يضحى الفاعل الابن الشرعي لمحيطه الاجتماعي ليس هذا فحسب، بل حتى لو خرج من مكنونات محيطه وضوابطه المكانية والزمانية وبات نافراً منها وناكرا وجودها وناكرا وجودها ورافضا التعايش معها فإن فعله يعتبر أيضا من صنيعة محيطه يمكن القول عنه أنه الابن الشرعي لكن متخالف مع اتجاهاته المحيطية.
منظور الفعل الاجتماعي وتفسير التنشئة الالكترونية؟
يتلخص الفعل الاجتماعي بالمعنى الذي يحدده علماء الاجتماع في كل تصرف سلوك يتطلب بذل طاقة إنسانية ويستند إلى دافعية ويعتمد في مرجعيته على فاعلين أو رموز اجتماعية فإن التربية ذاتها من حيث تعريفها وطبيعتها تقترب من هذا المعنى فهي تشير إلى التفاعل الذي يحدث بين عدد من الفاعلين بحيث يؤدي بعضهم دور المربي في حين يؤدي البعض الآخر دور متلقي التربية وهذا التفاعل ينعقد أصلا من أجل تلقين فضاء أو حقل من الرموز والقيم وقواعد السلوك وهي تفترض أشكالا متنوعة ومتعددة من الاتصال وأحيانا من التقارب بين الفاعلين المعنيين وبهذا يتضح لنا مدى اقتراب صيرورة التربية من المدلول السوسيولوجي للفعل الاجتماعي.
إن مقاربة الفعل الاجتماعي يمكن أن تفسر مختلف نشاطات الفرد في المجتمع ومن بين هذه النشاطات عملية التنشئة الاجتماعية التي تعتبر من العمليات الأساسية والضرورية والتي لا يمكن الاستغناء عنها وهي ذات أهداف قريبة وبعيدة المدى وتتطلب جهود معنوية وجسدية بدافع تزويد المجتمع بفرد يقوم بأدوار معينة ويتوافق مع حياة الجماعة وتتم عملية التنشئة في ظل بيئة اجتماعية مشكلة من الجماعة التي يعيش فيها الفرد بالإضافة إلى الثقافة السائدة داخل تلك الجماعة كما يضاف إلى الموقف كل الموجودات المادية والمعنوية التي تؤثر على الأفراد بشكل أو بآخر.
وبالرجوع إلى ما سبق ننظر إلى عملية التنشئة الاجتماعية التي تشير إلى التفاعل الذي يحصل بين فاعل تربوي وهو المنشئ أو القائم على عملية التنشئة وبين الذي يتلقى التنشئة أو الخاضع لعملية التنشئة وهذا التفاعل يتم في ظل فضاء من المكونات الثقافية كالمعايير والقيم والتقاليد إلى غير ذلك من مقومات المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد والذي يعطي لعملية التنشئة الاجتماعية معنى وهدف محدد ومعالم تجسد معطيات الفعل الاجتماعي ويؤكد على أن التنشئة الاجتماعية هي فعل اجتماعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويوجد في المجال الأسري أكثر من عامل تربوي يساهم في عملية التنشئة فبالإضافة إلى الأفراد القائمين على عملية التنشئة على اختلاف مكاناتهم وأدوارهم ومقاماتهم فربما يكونان الأبوين أو الأجداد أو الأقارب أو الأبناء الأكبر بين أفراد الأسرة ويوجد في المحيط الأسري الماديات أيضاً الالكترونيات والمتمثلة في وسائل الاتصال التي أصبحت ملازمة لوجود أي أسرة معاصرة في الوقت الحاضر حيث أصبحت وسائل الاتصال من أهم الوسائل المتدخلة في عملية التنشئة الاجتماعية في المحيط الأسري فهي عامل تربوي وهي توجد داخل الأسرة لكن لا يمكن تحديد الوقت الذي يبدأ تأثيرها على الأفراد الصغار في الأسرة إذ تبدل جهود من طرف مختصون في مجال الاتصال في بناء برامج ذات مضامين ثقافية متنوعة ودافعها في ذلك يتلون بلون الأغراض التي أنجزت من أجلها تلك البرامج الوافدة سواء عبر التلفزيون أو الانترنت حيث تمثل فضاء ثقافي أوسع من المحيط الأسري بكثير، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:
إذا كانت مكونات الفعل الاجتماعي هي: التصرف السلوك الجهد بذل طاقة إنسانية دافع الرغبة في إشباع حاجة معينة فضاء ثقافي الرموز المعايير والقيم والعادات والبيئة فإن النظر إلى وسائل الاتصال كمحرك ومنشط للفعل الاجتماعي والمتمثل في التنشئة الاجتماعية يكون من خلال النقاط التالية:
التصرف : وهو السلوك الذي يقوم به الفرد حيال وسائل الاتصال المتوفرة لديه ويتمثل في المتابعة والمشاهدة البرامج التلفزيون واستخدام برامج الأنترنت مثل الفيسبوك مثلا ويكون ذلك بشكل فردي أو جماعي ولفترات مطلولة أو محدودة ومتابعة كل ما يعرض ووفق اختيارات معينة وكل ذلك يتوقف على الخلفية التي يمتلكها الفرد ودوافعه.
بذل طاقة إنسانية: تتمثل في البحث عن القنوات والبرامج على التلفزيون والمشاهدة بتركيز وانتباه من أجل فهم ما تطرح من أفكار خلال المضامين الثقافية الوافدة عبر وسائل الاتصال كما هو نفس الشيء بالنسبة لتصفح صفحات الفيسبوك والتركيز والانتباه أثناء النشر والتعليق والدردشة مع الآخرين وفق أهداف معينة وبأساليب مختلفة وأيضا ويجذب الفرد نحو الآلة ويجعله يتلقى التأثيرات النابعة من الآلة والمضامين التي تحملها الرسالة بشكل يجعله أكثر اقتناعا بما تلقاه ويتمسك بعلاقته بالآلة بشكل أعمق وذلك لما تقدمه له من خدمة تلبي احتياجاته ورغباته.
الدافع : هي الطاقات الكامنة في الكائن الحي التي تدفعه ليسلك سلوكا معينا في العالم الخارجي وهذه الطاقات هي التي ترسم للكائن الحي أهداف وغايات لتحقيق أحسن تكيف ممكن مع بيئته الخارجية، وتتمثل في حاجة أفراد الأسرة إلى تحقيق أغراض مختلفة من خلال عملية المتابعة لبرامج التلفزيون واستخدام برنامج الفيسبوك مثل الحاجة إلى المتعة أو الحصول على معلومات مهمة أو التعلم أو الترفيه إلى غير ذلك من الأغراض.
وفي هذا العنصر نذكر أن الأطفال والمراهقين يتميزون بالإرادة المتقلبة في معظم الأحيان خاصة مع بداية احتكاكهم بوسائل الاتصال أما إذا تركوا باستمرار في تلقي مضامين وسائل الاتصال دون مراقبة أو توجيه سينتقلون مباشرة إلى مستوى الإرادة المستقلة ساعتها لن يستطيع الآباء السيطرة على أفعال أبنائهم وضبطها وتوجيهها بسهولة فيما بعد.
الفضاء الثقافي: يعتمد على فاعلين وهم الآباء والأبناء أو الرموز وهي طبيعة المضمون الثقافي المتابع الذي يكون موقف يعيشه الفرد من صور وقيم ومعايير ومكونات فيزيقية وخصائص جذابة تمثل الموقف الذي يعيشه الفرد أثناء المتابعة للبرنامج منطلقا من موجهات تدفعه لسلوك المتابعة، ومن جهة أخرى يمثل الفضاء الثقافي مختلف التأثيرات النابعة من وسائل الاتصال المحيطة بالفرد في مواقف مختلفة فحينما يتابع الأطفال مثلا فيلما تدور احداثه حول مغامرة بوليسية مثلا فهم يندمجون في أحداثه ويتفاعلون مع المواقف ويتحمسون مرة وتتوتر أعصابهم مرة أخرى ويغضبون ثم يفرحون أو يبكون عندما ينتصر البطل ويقبض على المجرم ويحسون بالارتياح ومع نهاية الفيلم يتفطنون أنهم في واقعهم وفي نفس الوقت عاشوا المغامرة وكأنهم كانوا هناك وشاركوا في صنع احداثها ويكون عندها من المؤكد أن ذلك الفضاء قدم لهم معطيات ثقافية استدمجوها في ذواتهم وأحدثت أثرا فيها إذا هنا نستطيع القول: أن وسائل الاتصال تصنع الفضاء الثقافي الذي يعيش فيه الفرد أحداثا كأنها حقيقة وتأثر فيه وتضيف أو تغير شيئا في شخصيته.