وبالتالي فإن أبا نواس وأبا تمام قد تمكنا من الخروج عن نمطية التعبير الطبيعي إلى تعبير فني جديد مكنهما من تحقيق تحول كبير في اللغة الشعرية، غير أن هذا التحول لم يشمل النقد ولم يتمكن من تغيير الذائقة النقدية، إذ بقيت تصدر أحكامها في قراءتها للشعر بناء على مقاييس ومقومات الشعر الجاهلي "لذلك أخذوا على أبي نواس ما كان من تجديد شعري عنده (بديع) ولما جاء أبو تمام
وبنا شعره على البديع أسلوبا شعريا ومنهجا محدثا صاروا ينظرون إليه خارجا على سنن الأقدمين وعمود الشعر العربي".
والواقع أن أبا تمام قد اجتهد واتكأ على نفسه في تخريج مسلك خاص به، يميز إبداعه الشعري وهو الأمر الذي عده النقاد المحافظون عيبا يخرجه عن دائرة الشعراء ذلك لأنه شديد الاتكاء على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله وإنما يستقي من نـ نفسه، والحقيقة أن هذا الأمر هو الذي منحه فرادة وتمييزا عما سواه في تناوله للأشياء والنظر إليها وفي طريقة تعبيره عنها، فأبو تمام يريفي تجربته الشعرية أبعادا أخرى تمنح اللغة حيوية وحركة تجعلها مستقلة بذاتها، ولعل هذا وراء اكتفائه بذاته ذلك لأن فعل شعره يتوالد من طاقته اللغوية الخاصة، إن شعره فعال بذاته، إذا كان شعر أبي نواس يحرك بدافع مما قبل اللغة أو مما وراءها، فإن شعر أبي تمام يحرك بلغته ذاتها بما تكونه من تداعيات وعلاقات صوتية وتخيلية، كان العالم يموت في دلالات العرف والعادة والتقليد، فانبعتب شعر أبي تمام في دلالات جديدة، وهكذا اتخذ جسدا آخر، وبعدا غير مألوف، لم تعد القصيدة هيكلا يعلو في مكان، بل أصبحت حركة زمنية تتقدم في الزمان لحظة تثبت عالية في المكان".
ولقد رأى أصحاب النظرة التقليدية والقائمة على عمود الشعر العربي في لغة أبي تمام صفة والإبهام، لأنه يقول شعرا في لغته علامات ودلالات تعطي واقعا آخر جديدا ليس هو نفسه الواقع المباشر، إنما فقط هو احتمال مجازي، فقد كانت القصيدة قبله سطحا يمتد أفقيا، فصارت معه بنية عمقية، وهكذا الفجر السياق القديم للمعاني، لم يعد خيطيا، وإنما أصبح السياق الجديد يقدم للقارئ معنى متعددا؛ أي إمكانية متنوعة لأكثر من معنى، ومن هنا منشأ الغموض، فالغموض نتيجة لاهتزاز الصورة الثابتة في نفس القارئ العلاقة الدال بالمدلول، وهو اهتزاز أعطى للقارئ انطباعا بأن أبا تمام أفسد وأبطل ما كان صالحا، ودعا إلى فوضى؛ أي إلى ما لا يفهم، لكن أبا تمام كان يؤسس بإفساده هذا، أي في إحلاله احتمالية المعنى محل يقينيته، مبدأ أساسيا من مبادئ الشعر".
ولعل أبا تمام قد أيقن أن لا تجديد في الشعرية إلا بتحقيق التجديد في لغتها، لهذا انطلق من مبدأ العناية بالمعاني ومحاولة الغوص فيها فكان "المعانيه البعيدة الغربية والغامضة صورة واستعارات لغوية تشخصها وتنفث فيها حياة محسوسة، ولم يكن يتحقق له ذلك من غير استعمال اللغة بمستوى استعاري حسي، وهو ما يميز لغة أبي تمام ".
وبهذا يمكن القول إن أبا تمام منح الشعر فضاء جديدا من الحرية، أخرجه من التعبير الجاهز، المرسوم له مسبقا، وقد قدم لنا أدونيس سمات اللغة الشعرية عند أبي تمام وقد كانت بمثابة مقومات أسلوبية جعلته يتميز بها في شعره عن من عكفوا على الالتزام بقاعدة العمود الشعري، وتكريس النموذج القديم، وقد اختصرها فيما يلي:
استخدم الكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، لأنه أفرغها من معناها المألوف، فلقد خلصها من الحتمية وأسلمها للاحتمال، وهذا مما خير قراءه (سامعيه)، وأدى إلى الاختلاف في تفسیر شعره.
ابتكر معاني بعيدة، وصيغا غير مألوفة، وسياقا غريبا.
غير أن النسق المألوف العادي لتركيب الكلمات، وهذا مما أدى إلى اتهامه بالتعقيد.
حذف ولم يترك ما يدل على ما حذف، وهذا مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة.
تجديد أبو تمام في الموضوعات الشعرية:
لقد عمد أبو تمام إلى الموضوعات الشعرية التقليدية فجدد فيها وحاول التغيير منها وشمل ذالك:
أ- المدح
فبرغم اختلاف ظروف الحياة وتطورها في كنف الدولة العباسية بقي الشعراء في ذلك العصر محافظين في نظمهم على الأغراض القديمة لاسيما المدح، غير أنهم زادوا في معانيه وصوره بما يتلاءم مع الحضارة العباسية والحياة الاجتماعية الجديدة وموسم الخلافة والملك وأعياد البلاط ومناسبات الحرب والسلم". ولعل ذلك ما فرضته عليهم لغة العصر إذ نجد في مدائحهم الأحداث السياسية التي وقعت في عصورهم من الفتن والثورات والحروب الداخلية والخارجية على شكل وثائق تاريخية مهمة.
ولم يجد أبا تمام عن هذا الطريق الذي انتهجه الشعراء العباسيون وقد أطلق عليه شعر الحرب إذ كان " أبو تمام أبرز أولئك الشعراء، حيث أبدى وأعاد في المدح وسلك طريقا يختلف عما كان يسلكه الجاهليون والإسلاميون ، وقد بلغ عدد ممدوحيه أزيد عن ستين ممدوحا، واشتهرت قصائده المدحية بطولها ذلك أن المدح من الموضوعات التي تنفعل لها النفوس، وتضطرب لها القلوب، أجدربه أن يكون في قصائد طويلة، وبحور كثيرة المقاطع، كالطويل، والبسيط، والكامل".
ويكمن تحديد أبي تمام في قصائد المدح لأنه لم يجر على ما جرت عليه العادة من البدء بالمقدمة التقليدية التي تحوي من الفخامة والقوة ما يناسب المقام، بل تخطاها إلى طريقة أكثر تجديد، وبأسلوب أكثر حداثة وتحضرنا هذه المقطوعة التي قالها في محضر اعتذار ومدح الإبراهيم والفضل بن عبد الله بن طاهر لأنه تأخر عنهما بسبب المطر واصفا السحائب وما جلبته من خير وما أضفته من جمال يقول فيها:
قولا لإبراهيم والفضل الذي
سكنت مودته جنوب شعافي
منع الزيارة والوصال سحائب
شم الغوارب جابة الأكتاف
ظلمت بني الحاج المهم وأنصفت
عرض البسيطة أيما إنصاف
فأنت بمنفعة الرياض وضرها
أهل المنازل ألسن الوصاف
من ممطر ذفر وطين خفاف
وعلمت ما لقبي المزور إذا همت
فجفوتكم وعلمت في أمثالها
أن الوصول هو القطوع الجاف
نلاحظ من خلال هذه المقطوعة أن أبا تمام قد استهل حديثه بتقديم الاعتذار والتأسف من الممدوحين مشيرا إلى أن سبب تأخره عنهم هو المطر، جاعلا إياه مقدمة لقصيدته فأسهب في وصف وذكر ما خلفه من خيرات ومنافع للبلاد والعباد بعدها جعل يربط العلاقة بين السحائب الممطرة وبين الممدوحين ما جعل قصيدته المدحية تجيء في حلة جميلة السبك مترابطة المعاني، يقول أبو تمام آثار أيدي المصعب التي حتم عليك إذا حللت مغانهم وكأنهم في برهم وحفائهم
ب- الرثاء:
بسطت بلا من ولا إخلاف
ألا تراه عافيا من عاف
بالمحتدي الأضياف للأضياف
لم تخل قصائد أبي تمام من تعدد الأغراض وتنوعها؛ لاسيما غرض الرثاء، الذي تناوله في الكثير من قصائده والتي عمد فيها إلى رثاء شخصيات ذاع صيتها واشتهرت في زمانه، وقد كان رئاءه لهم في مجمله أقل تكلفا من مدحه وأرق عاطفة، متلهفا كثير التفجع، لاسيما في رثاءه الأنسبائه، يحرص على أن يصور في رثائه الشعور القوي بالخسارة، وأن يباهي بالميت ويغالي في ذكر صفاته، هو رثاء مدح وفخر، وتعظيم وإكبار للخطب الشامل، لا رثاء ضعف عاطفي، وبكاء أليم ، فجاء رثاءه ذا إجادة حسنة برع فيه في تصوير المرثي، ومن مرثيات أبي تمام قوله:
أعيدي النوح معولة أعيدي
وقومي حاسرا في حاسرات
هو الخطب الذي ابتدع الرزايا
ألا رزلت بمسؤول منيل
ألا إن الندى والجود حلا
وزيدي من بكائك ثم زيدي
خوامش النحور و للخدود
وقال لأعين الثقلين جودي
ألا رزئت بمتلاف مفيد
بحيث حللت من حفر الصعيد
تلاحظ أن أبا تمام ابتدأ بأبيات استهل بها قصيدته ليلج بعدها إلى الغرض الرئيسي منها وهو الرئاء، فجاءت مناسبة له ولو وجد أن المقدمة الطللية أو الغزلية أو غيرها أنسب لمهد للدخول بها، لهذا نجده يستهل رثاءه للميت بأبيات يوجه فيها الكلام إلى النائحة كي تزيد في النياح والبكاء، وما يصحب ذلك من شق الجيوب ولطم الخدود نتيجة النائبة التي ألمت بهم فأحزنتهم وأبكت مدامعهم،ليدخل بعدها في الموضوع ويذكر المرثي.
ج - الهجاء:
المعروف عن هذا الغرض أنه نتاج عاطفة متوهجة متقدة وذا طبيعة انفعالية مندفعة من مطلع القصيدة للنيل من المهجو، لاسيما وإن كان هذا في خضم تراشق شعري هجائي، في هذه الحالة لابد أن ينتقي كل منهما أدق وأبدع وأشرس صفات الاستهزاء والسخرية، غير أن أبا تمام لم يسجل له أنه كان شديد الانفعال إلى الحد الذي يجعله ينساب انسيابا إلى كشف المعايب، والأخذ بخناق الناس ومجالدتهم، فهو من واقع مرتكزاته الفكرية لم يكن متهالكا على الحياة، ولم يكن شديد الخصومة ولم يجعل الهجاء سلاحا من أسلحته، إلا في حالات نادرة اقتصر فيها على هجاء بعض الشعراء الذين حاولوا التقليل من شأن شعره بوصفه بالمسروق والمنحول والفاسد حسدا من أنفسهم، بينما لم يعن بالهجاء السياسي لأنه كان صاحب مكانة مرموقة بين الأمراء العباسيين.