0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

شعرية أبي تمام بين قاعدة العمود والتجاوز؟ 

شغل أبو تمام النقد العربي القديم، فقد قامت حوله خصومات كثيرة أفرد لها النقاد القدماء كتبا للحديث عنها ككتاب "الموازنة بين الطائيين" للأمدي وكتاب "أخبار أبي تمام" للصولي ، فتلك الخصومات خلفت وراءها ركاما من البحوث والدراسات التي حاولت تسليط الضوء على شعرية أبي تمام، وبرغم كل هذه الدراسات إلا أن أغلب هذه الدراسات كان فيها نوع من الانتصار للقديم؛ إذ لم تكن تلتفت إلى التجديد الذي أحدثه في شكل القصيدة من حيث مقدماتها ومواضعها ومن حيث اختراعه الألوان أكثر حداثة، بل إن نظرتهم كانت قاصرة على الجزيئات والتفاصيل الصغيرة من المعاني والصور ومحاولة موازنتها ومقارنتها بالشعراء السابقين فقد كان النقد مع ذلك في القرن الثالث الهجري دون مستوى الإبداع الشعري، وقد اقتصر جهد النقاد على قبول الشعر المحدث، فهم لم يعرفوا بالتالي كيف ينظرون إليه، ولهذا بقي التنظير الاتباعي سائدا، ومن هنا كان لابد لمن يريد أن

يدرس هذا التحول أن يعود إلى النتاج الشعري ذاته .

والحقيقة أن أبا تمام قد نجح في تجديده للشعر العربي، وقد لاحظ النقاد القدماء ذلك. غير أن اصطدام تجديده بأذواقهم ومعاداتهم لهذه الألوان الجديد وإحساسهم الجمالي الذي لم يألف سوى القديم جعلهم لا يستطيعون قبوله، خاصة وأنهم جبلوا على موروث جمالي شعري قديم يصعب زعزعته، ولذلك وصفوا أبا تمام بكثير من الأوصاف التي تعني في مجملها تجاوزه لصنيع القدامي وتمرده على قاعدتهم الشعرية الأولى، فمثلا يقول الآمدي في موازنته عن أبي تمام أنه: " شديد الكلفة، صاحب صنعة، ويستكره الألفاظ والمعاني، وشعره لا يشبه شعر الأوائل ولا على طريقتهم، لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة . وحكم عليه البعض على أنه من الخطباء لا من الشعراء، كما روى المرزباني عن دعبل الخزاعي الذي عد أبا تمام مجرد خطيب تاه في طريق النظم لا يلوي على شيء إذ قال : " لم يكن أبو تمام شاعرا، إنما كان خطيبا، وشعره بالكلام أشبه منه بالشعر". وفي السياق نفسه يخاطب الأمدي أبا تمام قائلا: "قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا تسميك شاعرا ولا ندعوك بليغا؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذهبهم . يتضح من هذا أن الموقف المحافظ والذي أخرج أبا تمام من دائرة الشعراء ووضعه في مصاف الخطباء هو موقف بعيد عن الموضوعية في أحكامه النقدية، وقد عبر عن هذا الجرجاني فقال وهو يصف أحدهم : فإذا نزلت به الى أبي تمام وأضرابه نفض يده، وأقسم واجتهد أن القوم لم يفرضوا بينا قط، ولم يقعوا من الشعر إلا بالبعد ". 

فقد بانت نيتهم من ردود أفعالهم وأقوالهم أنهم يسعون لتكريس مبدأ النموذج القديم والرؤية الفنية التقليدية، فكل خروج عنها هو إقصاء من المضمار الشعري جملة وتفصيلا، إذ لم يكن لهم مجال لتقبل تجديد في الشعر يخالف القديم، وبالتالي عدوا خصوما لأبي تمام وخصوما للشعر المحدث، وما ردود أقوالهم بتسفيه محاولات المولدين الشعرية إلا لإحباط مشروعهم في خلق نهضة شعرية تتجاوز القديم وتستجيب لمقتضيات التطور الحضاري.

إن هذه الخصومات بين أنصار القديم والمحدثين كانت بمثابة منعطف في تاريخ الأدب العربي انقسم فيه أهل النقد والأدب بين مناصر لأبي تمام ولنهج الحداثة، وبين معارض له مستنكر لهذا التيار الجديد، ولعل وراء كل هذا منفعة خدمت الأدب أيما خدمة لاسيما ما جاء به أبو تمام من استعارات غريبة ومعاني بعيدة وعناية بمواطن التجديد والتحاوز بالخروج عن المألوف الشائع، وبالتالي "شكلت الحركة النقدية التي دارت حول أبي تمام جزءا من الصراع بين حرية الشاعر في الإبداع ومعيارية النقد العربي"، الأمر الذي ولد اصطداما عنيفا بين شعره وبين المعيارية النقدية، والتي كانت قد بسطت نفوذها على فكر النقاد وتوجههم، فإن كان من أهم ركائزها الطبع، والوضوح والتقارب وعدم التنافر وقرب المأخذ، فإن أبا تمام قد جاء بعكس ذلك من خروج عن المألوف واعتماد الغموض والغرابة والجنوح إلى استعمال البديعو الإكثار منه لدرجة المبالغة، وهذا كفيل بجعله يخرج عن عمود الشعر المعروف ولعل هذا أهم المآخذ على أبي تمام.

غير أن الصولي يقف موقف دفاع عن الشعر المحدث وبخاصة شعر أبي تمام فيقول فيه : " وليس أحد من الشعراء - أعزك الله يعمل المعاني ويخترعها ويتكئ على نفسه فيها أكثر من أبي تمام، ومتى أخذ المعنى زاد عليه ووشحه ببديعه وتمم معناه فكان أحق به، والظاهر من قول الصولي أنه متجاوب مع تجربة أبي تمام الإبداعية، فقد استحسن الكثير من شعره في أثناء اتباعه أخباره، ولعل هذا سببا جعله ينصرف إلى الكلام عن الحداثة ويوجه نظره إليها، وقد فصل لنا أدونيس رأيه فيها في

هذه النقاط : 

1- العلاقة بين القديم والحديث

يشير الصولي إلى هذه العلاقة فيقول بأنه لا ينكر أن للأوائل السبق بشيئين "الابتداء" و"الطبع"، وعلى هذا يقسم المحدثين أو "المتأخرين" إلى قسمين، قسم يتابع المتقدمين ويقلدهم، وقد يجيد بعضهم أحيانا، المعاني التي يتبعونها، وقسم يبتكر معاني لم يعرفها القدماء، وهذا عائد إلى ارتباط هؤلاء بالوسط الطبيعي الاجتماعي - الذي يعيشون فيه ويصدرون عنه، وفي ذلك ما يشير إلى أن تقييم الشعر لا ينفصل عن وسطه وظروفه، ومن هنا فإن الأوائل، في

ما رأوه وشبهوه عيانا، يفوقون المحدثين، أما المحدثون فيما رأوه وشبهوه عيانا، فإنهم يفوقون الأوائل.

2- نشوء لغة شعرية جديدة

وقد ترتبت عن هذه الحقيقة نتائج هي أن المعنى عند المحدثين صار أكثر إبداعا، لا من حيث تعميق المعاني القديمة وحسب، بل أيضا من حيث ابتكار معاني جديدة لم تخطر للأوائل، وهي أن المعنى الجديد أدى إلى استخدام ألفاظ قريبة، مما أدى بدوره إلى أن الكلام أو أسلوب التعبير صار أكثر رقة وسهولة، فالشعر المحدث لم يستخدم الألفاظ الصحراوية القديمة، بل استخدم ألفاظ الحياة المدنية، وهذا هو السر في تحول الناس عن الشعر القديم إلى الشعر الجديد.

3- مقياس الشعر وبناء على هذا التحول في أسلوب التعبير الشعري

نشأ مقياس آخر جديد للشعر ... جودة الشعر لم تعد ترتبط ضرورة بأولويته، بل إن معنى الأولوية قد تغير تماما فلم يعد تابعا للقدم في الزمان، وإنما صار تابعا الجودة الشعر، فالابتداء هو ابتداء الجودة لا ابتداء الزمان.

4- الجودة البادئة أو معنى النقد:

وإذا اكتملت عند الصولي قاعدة النظر فإن تطبيقها أصبح لديه سهلا وواضحا، وشرط كل ناقد للشعر أن تكون له قاعدة نظر، ومعنى أن تكون للناقد هذه القاعدة هو أن يكون أعلم الناس بالكلام منظومه ومنثوره، وأقدر الناس على شيء متى أراده منه، وأحفظهم لأخذ الشعراء، وأعلمهم بمغازيهم ومقاصدهم ..

والمتأمل في التراث العربي يجد أن الهاجس الحداثة جذورا سبقت أبا تمام، فقد كانت بداية في نتاج بشار وأبي نواس وغيرهم ممن سبق ذكرهم، وكان ما يميز هذا النتاج بالدرجة الأولى هي رفض تقليد الأقدمين ومحاكاتهم والسير على منوالهم، والتركيز على محاولة إثبات التفرد والسبق في ابتكار نماذج جديدة، ما يعني حدية الهاجس الحداثي عندهم، وأنه لم يكن محض صدف وإنما كان يركز على نظرة جديدة مغايرة فقد صار هاجس الحداثة عندهم محكوما بفكرة التجاوز؛ وتعني هذه الفكرة على صعيد الإبداع وبخاصة الشعري، أن يعيش المبدع دائما في حركة تدفعه إلى أن يكون دائما غير ذاته، وغير الآخرين، فكأنها تقول له : لكي تظل موجودا باستمرار لابد أن تتجاوز نفسك وغيرك باستمرار "

ومنه بدأت تتزعزع فكرة الأصل والامتثال المطلق للقديم، ويحل محلها استمرار في حركة الإبداع المصاحبة بالضرورة لكل عصر ولكل زمن وليست مقتصرة على الماضي فقط ، ويرى أدونيس أن الفكرة الأساس في نزعة الحداثة على الصعيد الشعري في المجتمع العربي تكمن في إدراك التماثل بين اللغة والعالم بوجهيه الظاهر والباطن الموضوعي والذاتي، أعني في رفض القول بأن اللغة هبوط على العالم، وفي القول على العكس بأنها انبثاق منه؛ أي في التوكيد على أنها إبداع أو اصطلاح إنساني وليس توقيفا إلهيا كما يعبر بعض اللغويين العرب، انطلاقا من هذا التماثل، أخذ الشعراء وفي طليعتهم أبو نواس وأبو تمام والمتصوفون، يستكشفون عالم الأشياء ويستقرئون كتاب الكون، أخذوا يخلقون المطابقات قبل بودلير بزمن طويل بين الكون ولغتهم وبينه وبين ذواتهم وتخيلاتهم، لم يعودوا بداء من ذلك ينظرون إلى الكون من حيث هو مجموعة من الأشياء المخلوقة بل أصبحوا على العكس ينظرون إليه من حيث هو مجموعة من الإشارات والرموز والصور، ولم يعد العالم مكتوبا في نص أصلي أولي بشكل نهائي، وإنما أصبح على العكس كتابا يكتب باستمرار".

يمكن القول إن سيطرة الحضارة والتطور وهيمنة الحساسية المدنية والتعبير القوي عنها قد تجلتا في أعلى مراتبها عند كل من أبي نواس وأبي تمام، فقد اجتمعا في نقطة مشتركة واتفقا بعدها على السير في منحى واحد برفض القديم، غير أن لكل منهما طريقته الخاصة في الإبداع والتجديد، فقد نظر " أبو نواس إلى العالم حوله كما هو، وعاشه كما هو، ورسم له صورة حية بالكلمات، مطابقا بين الحياة والشعر، ونظر أبو تمام إلى العالم حوله كما هو، وعاشه كما هو، لكنه تجاوزه وخلق عالما فنيا، وهكذا اتخذت الحداثة عنده بعد الخلق لا على مثال بينما اتخذت عند أبي نواس بعدا مجازيا، رمزيا. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)

وبالتالي فإن أبا نواس وأبا تمام قد تمكنا من الخروج عن نمطية التعبير الطبيعي إلى تعبير فني جديد مكنهما من تحقيق تحول كبير في اللغة الشعرية، غير أن هذا التحول لم يشمل النقد ولم يتمكن من تغيير الذائقة النقدية، إذ بقيت تصدر أحكامها في قراءتها للشعر بناء على مقاييس ومقومات الشعر الجاهلي "لذلك أخذوا على أبي نواس ما كان من تجديد شعري عنده (بديع) ولما جاء أبو تمام

وبنا شعره على البديع أسلوبا شعريا ومنهجا محدثا صاروا ينظرون إليه خارجا على سنن الأقدمين وعمود الشعر العربي".

والواقع أن أبا تمام قد اجتهد واتكأ على نفسه في تخريج مسلك خاص به، يميز إبداعه الشعري وهو الأمر الذي عده النقاد المحافظون عيبا يخرجه عن دائرة الشعراء ذلك لأنه شديد الاتكاء على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله وإنما يستقي من نـ نفسه، والحقيقة أن هذا الأمر هو الذي منحه فرادة وتمييزا عما سواه في تناوله للأشياء والنظر إليها وفي طريقة تعبيره عنها، فأبو تمام يريفي تجربته الشعرية أبعادا أخرى تمنح اللغة حيوية وحركة تجعلها مستقلة بذاتها، ولعل هذا وراء اكتفائه بذاته ذلك لأن فعل شعره يتوالد من طاقته اللغوية الخاصة، إن شعره فعال بذاته، إذا كان شعر أبي نواس يحرك بدافع مما قبل اللغة أو مما وراءها، فإن شعر أبي تمام يحرك بلغته ذاتها بما تكونه من تداعيات وعلاقات صوتية وتخيلية، كان العالم يموت في دلالات العرف والعادة والتقليد، فانبعتب شعر أبي تمام في دلالات جديدة، وهكذا اتخذ جسدا آخر، وبعدا غير مألوف، لم تعد القصيدة هيكلا يعلو في مكان، بل أصبحت حركة زمنية تتقدم في الزمان لحظة تثبت عالية في المكان".

ولقد رأى أصحاب النظرة التقليدية والقائمة على عمود الشعر العربي في لغة أبي تمام صفة والإبهام، لأنه يقول شعرا في لغته علامات ودلالات تعطي واقعا آخر جديدا ليس هو نفسه الواقع المباشر، إنما فقط هو احتمال مجازي، فقد كانت القصيدة قبله سطحا يمتد أفقيا، فصارت معه بنية عمقية، وهكذا الفجر السياق القديم للمعاني، لم يعد خيطيا، وإنما أصبح السياق الجديد يقدم للقارئ معنى متعددا؛ أي إمكانية متنوعة لأكثر من معنى، ومن هنا منشأ الغموض، فالغموض نتيجة لاهتزاز الصورة الثابتة في نفس القارئ العلاقة الدال بالمدلول، وهو اهتزاز أعطى للقارئ انطباعا بأن أبا تمام أفسد وأبطل ما كان صالحا، ودعا إلى فوضى؛ أي إلى ما لا يفهم، لكن أبا تمام كان يؤسس بإفساده هذا، أي في إحلاله احتمالية المعنى محل يقينيته، مبدأ أساسيا من مبادئ الشعر".

ولعل أبا تمام قد أيقن أن لا تجديد في الشعرية إلا بتحقيق التجديد في لغتها، لهذا انطلق من مبدأ العناية بالمعاني ومحاولة الغوص فيها فكان "المعانيه البعيدة الغربية والغامضة صورة واستعارات لغوية تشخصها وتنفث فيها حياة محسوسة، ولم يكن يتحقق له ذلك من غير استعمال اللغة بمستوى استعاري حسي، وهو ما يميز لغة أبي تمام ".

وبهذا يمكن القول إن أبا تمام منح الشعر فضاء جديدا من الحرية، أخرجه من التعبير الجاهز، المرسوم له مسبقا، وقد قدم لنا أدونيس سمات اللغة الشعرية عند أبي تمام وقد كانت بمثابة مقومات أسلوبية جعلته يتميز بها في شعره عن من عكفوا على الالتزام بقاعدة العمود الشعري، وتكريس النموذج القديم، وقد اختصرها فيما يلي:

استخدم الكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، لأنه أفرغها من معناها المألوف، فلقد خلصها من الحتمية وأسلمها للاحتمال، وهذا مما خير قراءه (سامعيه)، وأدى إلى الاختلاف في تفسیر شعره.

ابتكر معاني بعيدة، وصيغا غير مألوفة، وسياقا غريبا.

غير أن النسق المألوف العادي لتركيب الكلمات، وهذا مما أدى إلى اتهامه بالتعقيد.

حذف ولم يترك ما يدل على ما حذف، وهذا مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة.

تجديد أبو تمام في الموضوعات الشعرية:

لقد عمد أبو تمام إلى الموضوعات الشعرية التقليدية فجدد فيها وحاول التغيير منها وشمل ذالك:

أ- المدح

فبرغم اختلاف ظروف الحياة وتطورها في كنف الدولة العباسية بقي الشعراء في ذلك العصر محافظين في نظمهم على الأغراض القديمة لاسيما المدح، غير أنهم زادوا في معانيه وصوره بما يتلاءم مع الحضارة العباسية والحياة الاجتماعية الجديدة وموسم الخلافة والملك وأعياد البلاط ومناسبات الحرب والسلم". ولعل ذلك ما فرضته عليهم لغة العصر إذ نجد في مدائحهم الأحداث السياسية التي وقعت في عصورهم من الفتن والثورات والحروب الداخلية والخارجية على شكل وثائق تاريخية مهمة.

ولم يجد أبا تمام عن هذا الطريق الذي انتهجه الشعراء العباسيون وقد أطلق عليه شعر الحرب إذ كان " أبو تمام أبرز أولئك الشعراء، حيث أبدى وأعاد في المدح وسلك طريقا يختلف عما كان يسلكه الجاهليون والإسلاميون ، وقد بلغ عدد ممدوحيه أزيد عن ستين ممدوحا، واشتهرت قصائده المدحية بطولها ذلك أن المدح من الموضوعات التي تنفعل لها النفوس، وتضطرب لها القلوب، أجدربه أن يكون في قصائد طويلة، وبحور كثيرة المقاطع، كالطويل، والبسيط، والكامل".

 ويكمن تحديد أبي تمام في قصائد المدح لأنه لم يجر على ما جرت عليه العادة من البدء بالمقدمة التقليدية التي تحوي من الفخامة والقوة ما يناسب المقام، بل تخطاها إلى طريقة أكثر تجديد، وبأسلوب أكثر حداثة وتحضرنا هذه المقطوعة التي قالها في محضر اعتذار ومدح الإبراهيم والفضل بن عبد الله بن طاهر لأنه تأخر عنهما بسبب المطر واصفا السحائب وما جلبته من خير وما أضفته من جمال يقول فيها:

قولا لإبراهيم والفضل الذي

سكنت مودته جنوب شعافي

منع الزيارة والوصال سحائب

شم الغوارب جابة الأكتاف

ظلمت بني الحاج المهم وأنصفت

عرض البسيطة أيما إنصاف

فأنت بمنفعة الرياض وضرها

أهل المنازل ألسن الوصاف

من ممطر ذفر وطين خفاف

وعلمت ما لقبي المزور إذا همت

فجفوتكم وعلمت في أمثالها

أن الوصول هو القطوع الجاف

نلاحظ من خلال هذه المقطوعة أن أبا تمام قد استهل حديثه بتقديم الاعتذار والتأسف من الممدوحين مشيرا إلى أن سبب تأخره عنهم هو المطر، جاعلا إياه مقدمة لقصيدته فأسهب في وصف وذكر ما خلفه من خيرات ومنافع للبلاد والعباد بعدها جعل يربط العلاقة بين السحائب الممطرة وبين الممدوحين ما جعل قصيدته المدحية تجيء في حلة جميلة السبك مترابطة المعاني، يقول أبو تمام آثار أيدي المصعب التي حتم عليك إذا حللت مغانهم وكأنهم في برهم وحفائهم

ب- الرثاء:

بسطت بلا من ولا إخلاف

ألا تراه عافيا من عاف

بالمحتدي الأضياف للأضياف

لم تخل قصائد أبي تمام من تعدد الأغراض وتنوعها؛ لاسيما غرض الرثاء، الذي تناوله في الكثير من قصائده والتي عمد فيها إلى رثاء شخصيات ذاع صيتها واشتهرت في زمانه، وقد كان رئاءه لهم في مجمله أقل تكلفا من مدحه وأرق عاطفة، متلهفا كثير التفجع، لاسيما في رثاءه الأنسبائه، يحرص على أن يصور في رثائه الشعور القوي بالخسارة، وأن يباهي بالميت ويغالي في ذكر صفاته، هو رثاء مدح وفخر، وتعظيم وإكبار للخطب الشامل، لا رثاء ضعف عاطفي، وبكاء أليم ، فجاء رثاءه ذا إجادة حسنة برع فيه في تصوير المرثي، ومن مرثيات أبي تمام قوله:

أعيدي النوح معولة أعيدي

وقومي حاسرا في حاسرات

هو الخطب الذي ابتدع الرزايا

ألا رزلت بمسؤول منيل

ألا إن الندى والجود حلا

وزيدي من بكائك ثم زيدي

خوامش النحور و للخدود

وقال لأعين الثقلين جودي

ألا رزئت بمتلاف مفيد

بحيث حللت من حفر الصعيد 

تلاحظ أن أبا تمام ابتدأ بأبيات استهل بها قصيدته ليلج بعدها إلى الغرض الرئيسي منها وهو الرئاء، فجاءت مناسبة له ولو وجد أن المقدمة الطللية أو الغزلية أو غيرها أنسب لمهد للدخول بها، لهذا نجده يستهل رثاءه للميت بأبيات يوجه فيها الكلام إلى النائحة كي تزيد في النياح والبكاء، وما يصحب ذلك من شق الجيوب ولطم الخدود نتيجة النائبة التي ألمت بهم فأحزنتهم وأبكت مدامعهم،ليدخل بعدها في الموضوع ويذكر المرثي. 

ج - الهجاء:

المعروف عن هذا الغرض أنه نتاج عاطفة متوهجة متقدة وذا طبيعة انفعالية مندفعة من مطلع القصيدة للنيل من المهجو، لاسيما وإن كان هذا في خضم تراشق شعري هجائي، في هذه الحالة لابد أن ينتقي كل منهما أدق وأبدع وأشرس صفات الاستهزاء والسخرية، غير أن أبا تمام لم يسجل له أنه كان شديد الانفعال إلى الحد الذي يجعله ينساب انسيابا إلى كشف المعايب، والأخذ بخناق الناس ومجالدتهم، فهو من واقع مرتكزاته الفكرية لم يكن متهالكا على الحياة، ولم يكن شديد الخصومة ولم يجعل الهجاء سلاحا من أسلحته، إلا في حالات نادرة اقتصر فيها على هجاء بعض الشعراء الذين حاولوا التقليل من شأن شعره بوصفه بالمسروق والمنحول والفاسد حسدا من أنفسهم، بينما لم يعن بالهجاء السياسي لأنه كان صاحب مكانة مرموقة بين الأمراء العباسيين.

 

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل نوفمبر 25، 2023 في تصنيف فن ومشاهير بواسطة alaistfada (2.9مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...