شعرية التجاوز في المنظومة الشعرية التراثية العربية؟
الفصل الأول
البدايات الأولى لشعرية التجاوز
1- شعرية الحداثة وبوادر التحول
أ- الشعراء الصعاليك
ب- العصر العباسي وموجة التجديد
ج- الخمرة مظهر من مظاهر التجديد
2_شعرية الحداثة ومقومات العمود الشعري
أ- بشار بن برد
ب-أبو نواس
ج-مسلم بن الوليد
1- شعرية الحداثة وبوادر التحول
إن تطور الحياة ودخول متغيرات كثيرة عليها فرضت التحديد في جميع ميادينها، ولم يستثن من ذلك الأدب والشعر، ولعل هذا الأمر هو سنة الحياة في كل زمان ومكان، ما يفسر وجود أدب خص به العصر الجاهلي وآخر خص به العصر الأموي والعباسي والعصر الحديث وهكذا، ولكل واحد منه خصوصياته وأغراضه وحتى لغته، وبرغم اعتبار النموذج الجاهلي أرقى أنواع الشعر وأقومها وأفضلها واعتمده النقاد كأرضية دراسة لاستخراج قوانين القول الشعري؛ فإن هناك فئات لم تؤمن بهذا القانون، وأعلنت معارضتها في شكل استثناءات ظهرت على الشعر فقدمت بها نموذجا مغايرا أو بالأخرى نموذجا مخالفا لم يسلم تسليما أعمى للقديم.
ولعل بدايات ظهور نوازع التعارض والتخطي قديمة وليست مقصورة بداياتها على العصر العباسي كما وارد في الكثير من الكتب ولكن نزعة الحداثة برزت بشكل أكبر في العصر العباسي انطلاقا من اللغة وما جرى عليها من تغيرات كانت نتيجة توافد لغات جديدة دخلت ضمن الاستعمال اللغوي العربي، وبسطت نفوذها فيه، مما جعل أغلب القدماء يتخوفون منها ويرفضونها معتبرين إياها أمرا دخيلا على الثقافة والفكر العربيين، وما لبث الأمر أن توسع وشمل جميع الميادين وزاد تخوف المحافظين من تفشيها واستفحالها الذي عجزوا عن صده والوقوف في وجهه، بالمقابل برزت فئة أخرى تناصر التجديد وترقل برايتها للحضارة والحداثة مما ولد احتكاك بين المحافظين والمجددين وطبيعي أن يرافق وجود قطبيين متناقضين صراعات بينهما.
وقد كانت أول بدايات هذا الصراع في العصر الأموي حين بدأت تتوافد الثقافات الموالية على المجتمع العربي؛ ما جعل العربي يقف موقف متأمل أمام حضارات لم يسبق له التعرف عليها؛ ولعل ظهور تلك الثقافات أعقبه امتزاج وانصهار داخل مجتمع واحد، الأمر الذي ولد جيلا مولدا يجمع بين أب عربي وأم غير عربية وعلاقة النسب للأب هي الغالبة، ففي جميع الحالات يحسب من العرب وله حق إثبات انتسابه وفي سبيل ذلك تسلحوا بأقوى الأسل العربية اللغة والدين، أما اللغة فأتقنوها أكثر من أهلها، مما كذب نظرية الطبع أو الفطرة، وأما الدين ففسروه تفسيرا يلاءم تطلعاتهم في الحياة التي استجدت نزعوا عنه القرشية العروبوية، وأعطوه طابعا إنسانيا أمميا (شعوبيا)، قائلين إن الإسلام يؤاخي بين البشر، ويتجاوز الأجناس والعصبيات هكذا وجدوا أنفسهم، طبيعيا، في موقع يناقض النظام القائم، ومن جهة ثانية التقاليد التي يتبناها النظام لأنها تقاليد السلطة الموروثة لا تقاليد الحياة الناشئة، ويناقض من جهة ثالثة التقاليد الأدبية؛ لأنها هي التقاليد التي يرثها النظام ويشيعها ويرسخها، وتبعا لذلك وجدوا أنفسهم طبيعيا في موقع من يبتكر تعبيرا يلاءم الحياة الجديدة أو التي يطمحون إليها، ويتطابق معها، أي أنهم وجدوا أنفسهم في موقع التجديد".
وقد كان لظهور الإسلام دور كبير وانعطافة كبرى في تاريخ الشعرية العربية، وذلك من خلال ما أحدثه القرآن الكريم، فلو أردنا أن نحيط بالحداثة من حيث نشأتها وتبلورها في المجتمع العرب سواء من حيث الجانب الفكري أو الاجتماعي أو السياسي أو من حيث الجانب الشعري، لابد أولا من أن ندرك الانتقال الذي حدث عند العرب في تحولهم من الخطابة إلى الكتابة؛ أي من مرحلة الشفوية إلى مرحلة التدوين.
لقد كانت مرحلة التدوين والكتابة بمثابة ثورة قامت في وجه الخطابة، لاسيما مع كتابة القرآن، " فالقرآن" نهاية الارتحال والبداهة، وهو بمعنى آخر نهاية البداوة وبدء المدينة... إنه بداية المعاناة والمكابدة وإجالة الفكر القرآن إبداع للعالم بالوحي من حيث إنه تصور جديد للعالم وتأسيس له بالكتابة، فالكتابة هي وضع العالم واقعا غيبا، صورة ومعنى في نظام لغوي، هي بكلام آخر؛ رؤيا خاصة للعالم في تعبير خاص، والقرآن ليس شعرا ولا نثرا، وحين تجوز القول عنه أنه شعر، لا كالشعر، ونثر لا كالنثر، والقرآن من هذه الناحية، يتجاوز الأنواع الأدبية ويخلق نوعا جديدا، لكن هذا النوع الجديد من الكتابة، إنما هو وليد رؤيا جديدة للعالم "
وقد أنقسم على إثر هذا التغيير الشعراء إلى طائفتين:
1- الطائفة الأولى:
وهي التي حافظت على النموذج الأول القائم على تبني الأخلاق والقيم العربية السائدة والتي ثبتها الإسلام ودعا إلى التمسك بها، وقد كافأ الخلفاء من جاء بها في قصائده وامتدحها.
2- الطائفة الثانية:
وهي التي أبت إلا أن تخرج عن هذه القيم، وأعلنت التمرد عليها وعصياتها،وهو ما جعل الخلفاء يسلطون عليهم عقوبة الجلد في حقهم لفحش قولهم.
والمتتبع للشعرية العربية في تاريخها الأول يدرك أن الطائفة الثانية لم تكن إلا امتدادا لحالات تحول وخروج في الشعر القديم، والغريب أنها كانت تصدر من شعراء اعتبرهم النقد بمثابة إيقونات ونماذج أصولية للشعر العربي، والأغلب في هذا أننا نقصد بذلك امرئ القيس بشهادة الكثير من النقاد أمثال الأصمعي الذي يرى أن أفضل الشعراء و أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس، له الحظوة والسبق، وهو رأس الشعراء".
وقد تجلت مظاهر التمرد والخروج في مواضع كثيرة من خلال تعهره وفحشه في شعره، وكثرة محونه ومخالفته لتقاليد البيئة العربية، الأمر الذي دفع والده لطرده وتخليه عنه، فعاش معظم حياته تائها ضالا طريدا، فقد أخرجه والده من جنته، ما يعنى قدسية الأعراف الاجتماعية والقيم الأخلاقية عنده أكثر من الشعر في حد ذاته؛ لا سيما أنه كان ملكا على قبيلته ومن العيب أن يكون ابنه معدود عندهم من الصعاليك الماجنين الذين ألفوا حياة التسكع والعربدة. ولم يقف عند هذا الحد بل انسلخ عن انتماءه لقبيلته ولم يكن شاعرها الذي يذود عنها ويذكر مآثرها ويفخر بحروبها ويعدد انتصاراتها، كما كان سائدا آنذاك، بل كان شاعر حاله فهو " لم يكن شاعرا قبليا بالمعنى الذي يصطلح عليه النقد العربي القديم، وإن شعره بالتالي لم يكن شعرا قبليا، كان امرؤ القيس إذن يسلك ويفكر خارج نظام القبيلة وقيمها السائدة، ففي شعره وسلوكه ما يخرق هذه القيم وبخاصة فيما يتعلق بالمرأة والحب، فالحب كما ينظر إليه ويمارسه فعل مخرب لا يهدم بنية العائلة ووحدتها فحسب، وإنما يهدم كذلك بنية القيم ووحدتها، وهكذا يخرج امرؤ القيس عن نمط القيم الجاهلية".
بل حتى أنه قد روي عنه تمرده على وثنيته فدنس المقدس وقدس المدنس عند العرب، و قد ذكر صاحب الأغاني أن امرئ القيس عندما علم بموت أبيه من قبل ... وعزم على أن يثأر له مر بصنم من أصنام العرب التي كان تعبدها وتقدسها يقال له ذو الخلصة فستقسم عنده بقداحه وهي ثلاثة؛ الأمر والناهي والمتربص، فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها وكسرها، ولطم بها وجه الصنم وقال : لو كان أبوك مات ما عقتني"، وهنا تتجلى بعض ثورة امرئ القيس على بعض القيم والأعراف الثابتة والتي كانت تعتبرها العرب مسلمات يقام الحد عليها، فكان من الطبيعي أن نجد في أشعاره زعزعة لكثير من الثوابت وانتهاكا لها وتمثل هذا الخروج في: