ب- العصر العباسي وموجة التجديد؟
يذهب أدونيس في كتابه الثابت والمتحول إلى أن بداية الحداثة الفعلية كانت بدءا من الثلث الثاني من القرن الثاني للهجرة فقد كان من المنتظر أن يكون خروج الشعراء العرب من حدود الجزيرة العربية، وإطار القبيلة، إلى أقاليم جديدة بسبب حركة الفتح فرصة تتيح لهم الخروج من حدود موضوعاتهم الشعرية التقليدية ومعاناة وقائع تدور بين قبيلة وقبيلة، أو بين عربي أسلم وعربي لم يسلم، وإنما تدور بين العرب ككل وعدو العرب ككل، وأن يغذي تبعا لذلك انتصارات العربي على أعدائه، أو شعوره بأنه سينتصر، إيمانه بدينه الجديد الذي كفل ويكفل له هذا النصر، فيعبر عنه بحرارة لا يعرفها من لا يعرف لهب المعركة مع العدو، وأن يرى بالتالي أشكالا جديدة من الحياة والسلوك، في أقاليم جديدة، فينفعل بها ويعبر عن انفعاله "
وتعد هذه المرحلة من المراحل الانتقالية العظمى في الشعر العربي، فقد شهد العربي حياة الاستقرار في المدن بعد أن قضى سنوات من عمره في الحل والترحال، ولا شك أن للإسلام دور كبير في إحداث هذا الانقلاب، فكان للفتوحات فضل في الدخول إلى حياة المدينة وفضل في إلهامهم بمواضيع جديدة أكثر اتساعا من ذي قبل ولم يعد الشعر وليد الطبع البدوي الفصيح إنما صار ينبع من قريحة مدينة متوهجة بالثقافات المتنوعة، وقد كان لزاما على الشعراء أن يستجيبوا لواقعهم الجديد وما فيه من تغيرات ... ودعوا إلى التمرد على احتذاء الشعر القديم من جهة، وضرورة الاستجابة لروح العصر. وقد تمثلت هذه الاستجابة في لغة الشعر ومعانيهم ، غير أن الشاعر العربي بقى مرتبطا بخصائصه الفنية القديمة ذلك أن الخروج لم يؤد إلى إحداث تغيرات فنية، وإنما أدى إلى اتساع في الموضوعات، وعلى الرغم من أن الفتوحات الإسلامية غيرت أفقيا على الأقل بلدانا بكاملها وتواريخ بكاملها، فإنها لم تلهم أي شاعر أية قصيدة يمكن اعتبارها قصيدة عظيمة، لا من الناحية الملحمية ولا من الناحية الشعرية الفنية، بل إن ما سمي بشعر الفتوح كان من مختلف النواحي أدنى مستوى من الشعر الجاهلي، ومن الشعر العربي بعامة في العصرين الأموي والعباسي".
وقد كان الشاعر العباسي وبالرغم من كل ما جرى عليه من تطور يبدي تعلقه بالقديم في كثير من مناحيه، سواء من ناحية مخزونه المعرفي أو اللغوي أو النفسي، فقد كان هذا باديا في نص المبدع رغما عنه فأثر القديم موجود.
غير أن البعض الآخر من الشعراء العباسيين يميلون إلى التجديد في أشعارهم، ويرون ذلك مطلبا ما دام الشعر في أصله إبداعا لا حدود له، وما دامت جميع ظروف الحياة تتغير وتتبدل فكان لابد للشعر أيضا أن يتغير ويواكب الزمن.
"ومما لاشك فيه أن الثورة العباسية قد غيرت المجتمع من مجتمع بدوي إلى مجتمع حضري، ومن مجتمع عربي إلى مجتمع إسلامي، فكان لابد أن يشمل هذا التحول الكبير تغييرا في الفن الشعري الذي عقب هذه التبدلات لاسيما وأن المولدين في هذا العصر تأثروا بالحضارة المادية المجسدة في بذخ العيش والحياة المرفهة ، سواء ما شمل فن العمارة والمباني، أو ما تعلق بالظروف المعيشة كالمأكل . والمشرب والملبس، كما تأثروا أيضا بالثقافاتمن مختلف الميادين كالمنطق والفلسفة ورياضيات وعلوم الطب والاجتماع، فقد كان هناك لقاح بين الثقافات، ونشأ من هذا اللقاح ثقافات جديدة، تحمل صفات من هذه وتلك، وصفات جديدة لم تكن في هذه ولا في تلك، وأصبح لها طابع خاص يميزها عما سواها، فقد انتشرت في هذا العصر أربع ثقافات كان لها الأثر الأكبر في عقول الناس وأعني بها: الثقافة الفارسية الثقافة اليونانية الثقافة الهندية والثقافة العربية، كما كان هناك ثقافات دينية أهمها:
اليهودية والنصرانية والإسلام"، ومن الطبيعي في ظل كل هذه التحولات الحضارية وتنوع الثقافات أن يظهر تغير أيضا في النتاج الشعري الذي ولد جدلا واسعا بين النقاد.
ولقد ترعرع في خضم هذا كله جيل أسموه بالمولدين نبغ منه أدباء كثيرون وشعراء كانت لهم يد في تطوير حركة الفكر والأدب آنئذ، وساعدهم في ذلك انحدار ثقافات جديدة ومتنوعة مكنتهم من الإحاطة بمكامن الإبداع والاعتراف من ينابيع الفن والأدب، يقول أحمد أمين في العتابي: "كان العتابي إذا مثقفا ثقافة فارسية، وأنت إذا قرأت شعره ونثره تبينت منه أنه كان أديبا ممتازا، عزير المعاني على حين أن كثيرا من الشعراء أشعارهم جوفاء، تقرأ له مثلا في العقد الفريد قطعا نثرية غزرت معانيها، ودق أسلوبها، وتقرأ له شعرا مطبوعا في فنون مختلفة فتشعر بروح غير مألوفة كأن يقول :
فلو كان للشكر شخص يبين
المثله لك حتى تراه
إذا تأمله الناظر
تعلم أني امرؤ شاكر
فیفتن به الناس ويتغنون به
زمنا طويلا، وهو الذي يقول:
ما جف لعينين بعدك
يا قرير العين مجرى
إن الصبابة لم تدع
مني سوى عظم مبرى
ومدامع عبري على
كبد عليك الدهر حرى
إن هذه المشاعر الرقيقة و المعاني والألفاظ السلسة الخفيفة ما هي إلا من نتائج تطور الحضارة التي شهدها العصر وبروز عقليات جديدة أكثر انفتاحا وتنورا غيرت من رؤيتها للحياة ونمط العيش.
وتأسيسا على ما سبق يمكننا القول إن العصر العباسي كان من أخصب العصور لأنه أحدث انقلابا كليا للحياة بجميع مظاهرها، فكان سرحا للتجربة الإنسانية وللتجربة الفنية الشعرية، لكن هذا لا يعنى أن الشعراء آنذاك قد سلموا تسليما تاما لهذه المدنية والتطور ورضخوا لبوادر التجديد والحداثة من غير رفض أو اعتراض ، إذ لم يخرج المحدثون عن إطار القصيدة الجاهلية خروجا سافرا، ولكنهم حاولوا إعادة تغيير ثيابها بإلباسهم إياها لباس جديدا عليه زخرف المدنية وزينتها، يختلف عن الثوب الذي توارثوه حقبا طويلة"، ونتيجة لذلك رقت المشاعر والمعاني كما رقت اللغة دون المبالغة لدرجة الإسفاف والابتذال وإنما رقة المعاني من صدق التجربة وصدق التعبير عنها، كما أنه لابد - في رحاب القصور والحدائق والمدن أن تتسع الموضوعات وتتنوع وتكتسب نوعا من الطرب والموسيقى التي ترصد حياتهم الجديدة، ولعل الأمر هذا لم يرق لدى الكثير من النقاد وحتى الشعراء منهم فبالإضافة إلى بروز أنواع شعرية جديدة شهدها العصر، فقد شهد أيضا عدة اضطرابات واختلافات بين الشعراء جعلتهم ينقسمون إلى فريقين :
الفريق الأول: بقي محافظا على القديم وآثر البقاء في التاريخ الماضي، فاستهوته المحاكاة وشغف بها؛ لأنها تعيده للأصل والمركز، ولعل دليل ذلك أن من الشعراء العباسيين من يقدم الولاء للقدماء ويعدهم القدوة. وبذلك فإن نظرتهم كانت قاصرة على ما جاء به الأوائل على أنه هو النهاية والكمال التام والتفرد الذي لن ينفع معه تبدل الحياة أو تغير العالم لكي تتاح الفرصة الجديد يكون أفضل منه وليس هناك ما يخلق أو يصنع، وكل ما يحدث إنما هو نقص بالقياس إلى كماله الأول، لابد إذن من تسويغ العالم كما هو وقبوله والمحافظة عليه، فهو أمس أفضل منه اليوم، وهو يوم أفضل مما سيكون غدا، وتلك هي الأصول التي تقوم عليها رؤيا تسويغ السائد الراهن والمحافظة عليه والدفاع عنه "
أما الفريق الثاني: فقد استجاب لضرورة التغيير والمستجدات العصر فكتبوا ما يلاءم زمنهم ويصف واقعهم، فكان شعرهم حضريا يوحي للقارئ بزمن قائله بينما البدوي بقي متشبثا بطلل الأولين وآثارهم، وفي هذا زعزعة لفكرة النموذج الأصل؛ الذي ينسب له الكمال والانتهاء، وترسيخ لفكرة جديدة تقوم على أن الكمال يكون في حركية الإبداع المستمرة، فليس مقرون بزمن مضى أو زمن سيأتي إنما هو تقدم واندفاع وتغير على الدوام. ولقد استطاعت الطائفة الثانية من الشعراء ومع مرور الزمن أن تفرض هذا النوع من الذوق الجديد في الساحة الفنية والنقدية.