0 تصويتات
في تصنيف حل المواد الدراسية المتوسطة بواسطة (2.9مليون نقاط)

أ- الشعراء الصعاليك؟ 

لقد كان الشعراء الصعاليك من بين الذين أظهروا التمرد على التقاليد وخرجوا عن نظام القبيلة وعن الضمير الجمعي في محاولة منهم لإثبات ذاتهم، فكان انفصالهم عنها بداية إعلان العصيان والتمرد رغم كل الأوضاع السائدة من الانصياع للقبيلة والسير على خطاها، فمن الصعب الاستغناء عنها والخروج عن أطرها والعيش بمعزل عنها، فكان لزاما على الفرد الانضمام إليها إذ يعتمد المجتمع القبلي في حياته أساسا على نتاج تفاعل بين المناخ الجغرافي والأرض من الكلأ والماء ويعتبر الكلاً ملكية عامة للقبيلة، ولذلك كانت العلاقة الفردية والقبلية علاقة حميمية، لأن ملكيةالفرد اعتمدت اعتمادا شديدا على ملكيته العامة".

وفي ظل هذه الظروف والانغماس الكلي في القبيلة لدرجة تلاشي الهوية الفردية واضمحلالها في الجماعة كانت هناك طائفة أخرى رفضت هذا التسليم التام والانصياع لهذه القاعدة، وأبت إلا أن تتمرد وتخرج عن هذا المجتمع الموحد إلى بناء مجتمع مغاير قوامه الحرية وبعض من العدل والمساواةوأشهرها جماعة الصعاليك.

لقد كان للصعلوك دوافع كثيرة لتفضيل الخروج على البقاء مع قبيلته فلم تكن كل الأوضاع . فيها مناسبة له؛ لاسيما وأن النظام داخلها لم يكن يقوم على المساواة بين جميع أفرادها، مما يكرس مبدأ الطبقية بينهم؛ فالطبقة الأولى تشمل أعيان القبيلة وأشرافها والأغنياء منها الذين يحتكرون الخيرات والموارد والثروة لهم، ويمنعونها عن الذين هم أدنى طبقة، والتي بدورها تشمل الفقراء والأقل ترفا وأبناء الطبقة الأولى من الإماء والجواري، الأمر الذي أثار حفيظتهم وسخطهم فراحوا يثورون ضد هذه الأوضاع من خلال تصويرهم لمظاهر بؤسهم وعوزهم وجوعهم الذي وصل درجة الإغماء، يقول تأبط شرا معبرا عن هذا في صورة شعرية مؤثرة تسرد شدة الجوع الذي بلغ به حد بروز عظام أضلع صدره والتصاق أمعاءه ببعضها، يقول :

قليل ادخار الزاد إلا تعلة....وقد نشر الشرسوف والتصق المعي

يقدم لنا تأبط شرا في هذا البيت صورة تعيسة ومزرية للحالة التي يعاني منها هو وغيره من الذين نعتوا بالصعاليك سواء كانوا من الذين خلعتهم قبيلتهم أو الأغربة السود الذين ورثوا السواد عن أمهاتهم أو الصعاليك الذين تمردوا بفعل إرادتهم ونخص هذه الفئة بالذات، فقد عبر عنهم تأبط شرا على لسانه فرسم لنا حياته الصعبة، وما يكابده من معاناة بسبب الفقر وما يسببه من قلة الحال الذي يصل لدى الصعاليك وفي أحايين كثيرة إلى الجوع، الذي يفعل بالجسم الأفاعيل.

إن تلك الظروف القاسية التي أحاطت بالصعلوك من كل جانب كانت كفيلة بإشعال فتيل مشاعره وتهييجها، فراح يعبر عنها بكل ما جادت به قريحته وفاضت به أحاسيسه فجاءت أبياته ممزوجة بالألم والمرارة والحرمان برغم أن ما وصلنا من شعره إلا القليل مقارنة بالأشعار الجاهلية التي وصلتنا. إلا أنه كان مثقل بالمشاعر والأحاسيس ما كفل له الصمود والبقاء، والسبب الراجع وراء هذه الندرة هي أن الشاعر الصعلوك لم يكن بمنزلة الشعراء الفحول حتى تروى أشعارهم أو يستشهد بها في مقام ما، لأن رواية الأشعار تعتمد في أولها على مكانة الشاعر وشهرته، يقول في هذا ابن قتيبة : "وكان أكثر قصدى للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفى كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما من خفي اسمه، وقل ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا، وإذ كنت أعلم أنه لا حاجة بك إلى أن أسمى لك أسماء لا أدل عليها بخير أو زمان، أو نسب أو نادرة، أو بيت يستجاد، أو يستغرب"

ولعل هذه الطريقة في رواية أشعار العرب ونقلها قد أجحفت في حق الكثير من الشعراء الذين حق لهم نصيب من المدونة الشعرية العربية والتي أقصتهم منها هذه الطريقة وحرمتهم حقهم منها إلى أن تلاشت أشعارهم واضمحلت آثارهم مع تقدم الزمن، ولم تبق إلا شظايا مبعثرة مازالت قابعة في الهامش لم تنل نصيبها من الرواية". 

أما بالنسبة للشاعر الصعلوك فقد كان أبعد كل البعد من أن يهتم الرواة برواية شعره؛ لاسيما أنه من الشعراء الضالين والمغضوب عليهم، كيف لا وقد تبرأت منه قبيلته ونفته وخلعته منها؛ لأنه تمرد عليها ولم يمتثل لقوانينها وعاداتها، الأمر الذي حكم على أشعاره بزوالها؛ خاصة وأن أغلبها كان موجها لنقد القبيلة والتحامل عليها لدرجة الإساءة إليها ، وهذا ما خالف العرف السائد الذي يقضي بأن يكون شاعر القبيلة ملكا لها؛ يذود عنها ويذكر محاسنها ويعدد حروبها ويفخر بانتصاراتها، وهو الأمر الذي جعل شعر الصعاليك يضعف شيئا فشيئا إلى أن طمس وغاب منه الكثير، إلا ما قد تداركه و استخلصه الدارسون يجهد عسير من كتب التراجم المتناثرة.

وبالرغم من أن الشعراء الصعاليك قد استحدثوا مواضيع جديدة تخدمهم، وخرجوا في الكثير من الأحيان عن طرائق العرب ومنهجهم في نظم القصائد ونقصد مضمون القصيدة خاصة، إلا أنهم تناولوا بالمقابل مواضيع كانت موجودة عندهم ومتوارثة ومألوفة ولو بنسب متفاوتة فالوصف مثلا موضوع ليس بالجديد بل إن الشعر كله قائم عليه، وقد لجأ إليه الشاعر الصعلوك بكثرة في أشعاره؛ فوصف حياته والطبيعة التي تلفه كالصحاري وأنواع من النباتات والحيوانات والوحوش التي تعيش في بيئته، وكذلك بعض من صعلكته على القوافل وتهجمه عليها للظفر بما يسد رمقه ويكفيه شر جوعه وهو تعبير آخر عن رفضه للأوضاع التي تقوم على سيادة الأغنياء وأرباب القبيلة وامتلاكهم للثروات على حساب الفقراء من الطبقة الكادحة ولكي يتسنى لنا أن نستوعب قيمة الشعر الجاهلي كأدب مقاوم للقهر واضطهاد الحرية، وكأعظم احتجاج على الحضر قدمه الشعر الجاهلي، فإن علينا أن تربطه بالتغيرات التاريخية العميقة التي كانت قد ترسخت في المرحلة الجاهلية". 

إن جميع الأفعال الصادرة عن الصعلوك هي تمرد ورفض لواقعه، وما الصعلكة إلا نتيجة للظروف الجائرة التي طبقت عليه، وزادت حدتها عليه لدرجة انفجاره، في محاولة منه لاسترداد كرامته المسلوبة وإثبات ذاته المهمشة المقصاة من كل مظاهر الحياة وتقرير المصير والمشاركة في برم عهود واتفاقيات القبيلة، فراح يعبر عن هذا في قصائده وأشعاره وعن عزة نفسه التي أبت الخنوع والانصياع وفضلت الخروج والانفصال وسكنت الحياة الفيافي والقفار على العيش ضمن قبيلة تنتهك حقوقه وتستهين بكرامته، وهذا أكثر ما تجلى في شعر الشعراء الصعاليك، فوصف الصحاري كان موضوعهم الذي برعوا فيه؛ لأنهم كانوا الأقرب لتلك البيئة من غيرهم، فهم يفترشون الرمال ويلتحفون الشمس ويعاشرون الحيوانات والوحوش بل يرونها أرحم وأكثر أنسا من الذين يحسبون من البشر، وقد كان هذا شغلهم الشاغل وموضوعهم الأساس في قصائدهم، فلا طلل يقفون عليه ولا ديار يبكونها.

يقول الشنفرى في لاميته معبرا عن هذا :

أقيموا بني أمي صدور مطيكم

فقد حمت الحاجات والليل مقمر

وفي الأرض منأى الكريم عن الأذى

العمرك ما في الأرض ضيق على امرئ

ولي دونكم أهلون سيد عملس

هم الأهل لا مستودع السر ضائع

فإني إلى قوم سواكم الأميل

وشدت لطيات مطايا وأرحل

وفيها لمن خاف القلي متعزل

سری راغبا أو راهبا وهو يعقل

وأرقط زهلول وعرفاء جيال

لديهم ولا الجاني بما جر يخذل

يبين لنا الشنفرى من خلال أبياته طبيعة الحياة التي اختارها وارتاح في ظلها، بعيدا عن كل ما يعكر صفو عيشته، فقطيعته مع قبيلته كانت ضرورة حتمية لابد منها في ظل تلك الظروف البائسة، واستبدلها بالعيش في كنف العراء والطبيعة الوعرة والمناطق المهجورة النائية، فلا طلل ولا بقايا المنزل والديار لا تعنيه ولا حاجة له في أن يبدأ بها أشعاره، ولا وصف الناقة والرحلة يستهويه، فوصف الوحوش، " والحيوانات عنده أهم من ذلك وهو بهذا يخرج حتى من الناحية الشعرية عن الطريقة والنهج

الذي كانت تتبعه العرب في قرض الشعر من البداية بالمقدمة الطللية والبكاء عند الديار ووصف الناقة والراحلة"، كل هذه كانت بمثابة مقدسات بديهية قد اعتادت عليها العرب؛ بل إنها توارثتها جيلا بعد جيل ليأتي الشعراء الصعاليك بعد هذا فينسفونها نسفا في قصائد تستبدل كل هذا وتقلب موازين القصيدة وهيكلها وتطوعها بحسب حاجتهم هم إليها، لا كما تفرضه التقاليد الحاكمة التي توارثوها.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (2.9مليون نقاط)
ولعل هذا سبب بقاء أشعارهم في الهامش؛ " إذ لم يكف ما تعرضوا له من ظلم وتهميش اجتماعي بل تخطى هذا أن كل ما يصدر عنهم من أشعار وإن كانت في منتهى الإبداع يجب أن تهمش هي الأخرى؛ لأنها ليست تشبه أشعار العرب ولا على شاكلتهم، ولا تخدم غايات القبيلة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى نفى كل مزية أو قيمة حميدة يأتي بها الصعلوك " وهذا لا يخص الصعاليك المذمومين والذين بلغ منهم العجز والتسليم مبلغه فرضوا بالفتات وبأقل القليل، إنما يخص أيضا الشعراء الصعاليك الذين اتصفوا بالشهامة والكرم والنبل أمثال عروة بن الورد، فقد روي في كتاب الأغاني للأصفهاني أن عروة بن الورد كان يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم ومن قوي منهم إما مريض يبرأ من مرضه أو ضعيف تثوب قوته خرج به فأغار وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا حتى إذا أخصب الناس والبنوا وذهبت السنة الحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى فلذلك سمي عروة الصعاليك "، ونستحضر في هذا بعضا من أبياته الشعرية التي تؤكد ذلك يقول فيها:

إذا بعدو إلا يأمنون اقترابه

فذالك إن يلق المنية يلقها

تشوف أهل الغائب المتنظر

حميدا وإنيستغن يوما فأجدر

أيهلك معتم وزيد ولم أقم

على ندب يوما ولينفس مخطر

ويقول أيضا

إني امرؤ عافي إنائي شركة

وأنت امرؤ عافي إنائك واحد

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى

بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

أقسم جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء بارد

يتجلى لنا من خلال أبيات عروة تلك النزعة الإنسانية التي جعلته يؤثر غيره على نفسه ويرضى لها بالقليل في سبيل أن يعم الخير الكثير على الباقين، ولعل هذا التوصيف المعاني الشهامة والعزة قد نحى بالصعلكة منحى آخر أخرجها من كونها صفة مذمومة منحطة إلى معنى آخر مناقض رفعها إلى مستوى القيم الأخلاقية وأكسبها معنى محمودا ومرتبة نبيلة يقول شوقي ضيف : " والحق أن عروة كان صعلوكا شريفا، وأنه استطاع أن يرفع الصعلكة، وأن يجعلها ضربا من ضروب السيادة والمروءة، إذ كان يستشعر في قوة فكرة التضامن الاجتماعي وما يطوى فيها من إيثار وبر بالفقراء، فهو لا يسعى لنفسه فحسب، وإنما يسعى قبل كل شيء للمعوزين من عشيرته حتى يدفع عنهم كل ما يجدونه من بؤس وشقاء "

وبرغم كل هذا فإن لعنة القبيلة لم تكن لتفارق الصعلوك أينما حل حتى وإن كان ما يقوم به له دوافع شريفة وغايات إنسانية، فإن حكم النفي والطرد والنكران لابد منه، ويحضرنا أيضا في هذا السياق قول عبد الملك بن مروان في مسألة تخصيص العرب حاتم الطائي بالكرم والسماحة وتقديمهم 3 له وإنصافه لعروة فيقول : " من زعم أن حاتما الطائي أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد".

وهذا دليل آخر على أن الصعلوك قد همش تهميشا كبيرا بلغ درجة الظلم والإجحاف في حقه؛ إذ ليس أحد منا لا يعرف أن حاتم الطائي أكرم وأسمح لدرجة أنه جعل مثالا ورمزا للجود، فكل الكتب الأدبية والتاريخية تذكر ذلك وتتفق عليه، بينما لم يشر ولو بالنزر القليل إلى جود وسماحة عروة وبذله جهده وتقديمه حياته فداء لذلك، حتى أنه قتل بإحدى الغارات التي كان يريد منها الحصول على ما يسد رمق الفقراء والجوعى، فأيهما أحق بالإشادة والتقديم ومنحه امتياز الرمز والمثال؟ وهل يحق بمجرد انتماءه لفئة الصعاليك سلبه ذلك التقديم والتشريف ؟

إن الصعلوك بصفة عامة والشاعر الصعلوك بصفة خاصة مخلوق منبوذ ضمن إطار الحياة العربية القائمة على نظام القبيلة، فمن تبرأت منه قبيلته لن تقبله قبيلة أخرى بالضرورة، ولو أننا ندرك جيدا أن الصعلوك لم يخرج من قبيلته لينتمي إلى أخرى إنما خروجه كان بدافع رفض الانتماء بجميع جوانبه، فالصعلوك لاسيما الذي خلع نفسه بملء إرادته، لا يؤمن بقيد أو حصر ضمن قوسين أو عارضتين تحددان مجاله ومساحة تحركه، إنما أثر الحرية والتمرد على البقاء ضمن تلك الأطر بما فيها من قواعد؛ سواء كانت تقبلها نفسه أو ترفضها. فصنع عالما خاصا مختلفا وراح يعبر عنه ويصفه في أشعاره، وهو بهذا الشكل لا يكون قد تمرد على القبيلة العربية وحسب إنما تمرد على كل شيء يعنيها من أنظمة وتقاليد وأعراف ومن كل شيء كانت بالضرورة تمارسه أو تؤمن به كمسلمات، وتمتثل به أو متوارث تتوارثه، ليحاول في آخر المطاف إقامة عالم جديد يخصه ضمن رغباته وحريته، والأهم أن يكون عالما مختلفا ومتميزا ذلك أنه لا يفرح بممارسة المسموح بقدر ما يفرح بممارسة الممنوع، فخرق الممنوع أو المحرم يولد فوضى الغبطة الفوضى التي هي وعد بنظام لا قمع فيه وليس الموت إلا تتويجا لهذه السلسلة من اللذائذ التي تولدها الفوضى ... والإنسان الذي يعيش في مجتمع قمعي يشعر أنه ميت قبل موته الطبيعي؛ فإذا تمرد أو ثار لا يشعر أنه يفقد شيئا، بل على العكس يشعر أنه يتحرك ويحيا ... وطبيعي أن يتجاوز الإنسان الذي يعيش هذه التجربة أحكام المنطق العادي ويدخل في عالم

يرفض الأحكام التي تكبحه، سواء كانت اجتماعية أو دينية، ويكون جموحه قويا بقدر ما يكون الكبح قويا؛ ففي عالم يغلق الأبواب كلها في وجه الحرية يكون الجموح بالضرورة فوضى، فالفوضى في مثل هذا العالم هي وحدها التي تفتح أبواب الحياة".

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
3 إجابة
مرحبًا بك إلى موقع الاستفادة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...