أ- الشعراء الصعاليك؟
لقد كان الشعراء الصعاليك من بين الذين أظهروا التمرد على التقاليد وخرجوا عن نظام القبيلة وعن الضمير الجمعي في محاولة منهم لإثبات ذاتهم، فكان انفصالهم عنها بداية إعلان العصيان والتمرد رغم كل الأوضاع السائدة من الانصياع للقبيلة والسير على خطاها، فمن الصعب الاستغناء عنها والخروج عن أطرها والعيش بمعزل عنها، فكان لزاما على الفرد الانضمام إليها إذ يعتمد المجتمع القبلي في حياته أساسا على نتاج تفاعل بين المناخ الجغرافي والأرض من الكلأ والماء ويعتبر الكلاً ملكية عامة للقبيلة، ولذلك كانت العلاقة الفردية والقبلية علاقة حميمية، لأن ملكيةالفرد اعتمدت اعتمادا شديدا على ملكيته العامة".
وفي ظل هذه الظروف والانغماس الكلي في القبيلة لدرجة تلاشي الهوية الفردية واضمحلالها في الجماعة كانت هناك طائفة أخرى رفضت هذا التسليم التام والانصياع لهذه القاعدة، وأبت إلا أن تتمرد وتخرج عن هذا المجتمع الموحد إلى بناء مجتمع مغاير قوامه الحرية وبعض من العدل والمساواةوأشهرها جماعة الصعاليك.
لقد كان للصعلوك دوافع كثيرة لتفضيل الخروج على البقاء مع قبيلته فلم تكن كل الأوضاع . فيها مناسبة له؛ لاسيما وأن النظام داخلها لم يكن يقوم على المساواة بين جميع أفرادها، مما يكرس مبدأ الطبقية بينهم؛ فالطبقة الأولى تشمل أعيان القبيلة وأشرافها والأغنياء منها الذين يحتكرون الخيرات والموارد والثروة لهم، ويمنعونها عن الذين هم أدنى طبقة، والتي بدورها تشمل الفقراء والأقل ترفا وأبناء الطبقة الأولى من الإماء والجواري، الأمر الذي أثار حفيظتهم وسخطهم فراحوا يثورون ضد هذه الأوضاع من خلال تصويرهم لمظاهر بؤسهم وعوزهم وجوعهم الذي وصل درجة الإغماء، يقول تأبط شرا معبرا عن هذا في صورة شعرية مؤثرة تسرد شدة الجوع الذي بلغ به حد بروز عظام أضلع صدره والتصاق أمعاءه ببعضها، يقول :
قليل ادخار الزاد إلا تعلة....وقد نشر الشرسوف والتصق المعي
يقدم لنا تأبط شرا في هذا البيت صورة تعيسة ومزرية للحالة التي يعاني منها هو وغيره من الذين نعتوا بالصعاليك سواء كانوا من الذين خلعتهم قبيلتهم أو الأغربة السود الذين ورثوا السواد عن أمهاتهم أو الصعاليك الذين تمردوا بفعل إرادتهم ونخص هذه الفئة بالذات، فقد عبر عنهم تأبط شرا على لسانه فرسم لنا حياته الصعبة، وما يكابده من معاناة بسبب الفقر وما يسببه من قلة الحال الذي يصل لدى الصعاليك وفي أحايين كثيرة إلى الجوع، الذي يفعل بالجسم الأفاعيل.
إن تلك الظروف القاسية التي أحاطت بالصعلوك من كل جانب كانت كفيلة بإشعال فتيل مشاعره وتهييجها، فراح يعبر عنها بكل ما جادت به قريحته وفاضت به أحاسيسه فجاءت أبياته ممزوجة بالألم والمرارة والحرمان برغم أن ما وصلنا من شعره إلا القليل مقارنة بالأشعار الجاهلية التي وصلتنا. إلا أنه كان مثقل بالمشاعر والأحاسيس ما كفل له الصمود والبقاء، والسبب الراجع وراء هذه الندرة هي أن الشاعر الصعلوك لم يكن بمنزلة الشعراء الفحول حتى تروى أشعارهم أو يستشهد بها في مقام ما، لأن رواية الأشعار تعتمد في أولها على مكانة الشاعر وشهرته، يقول في هذا ابن قتيبة : "وكان أكثر قصدى للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفى كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما من خفي اسمه، وقل ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا، وإذ كنت أعلم أنه لا حاجة بك إلى أن أسمى لك أسماء لا أدل عليها بخير أو زمان، أو نسب أو نادرة، أو بيت يستجاد، أو يستغرب"
ولعل هذه الطريقة في رواية أشعار العرب ونقلها قد أجحفت في حق الكثير من الشعراء الذين حق لهم نصيب من المدونة الشعرية العربية والتي أقصتهم منها هذه الطريقة وحرمتهم حقهم منها إلى أن تلاشت أشعارهم واضمحلت آثارهم مع تقدم الزمن، ولم تبق إلا شظايا مبعثرة مازالت قابعة في الهامش لم تنل نصيبها من الرواية".
أما بالنسبة للشاعر الصعلوك فقد كان أبعد كل البعد من أن يهتم الرواة برواية شعره؛ لاسيما أنه من الشعراء الضالين والمغضوب عليهم، كيف لا وقد تبرأت منه قبيلته ونفته وخلعته منها؛ لأنه تمرد عليها ولم يمتثل لقوانينها وعاداتها، الأمر الذي حكم على أشعاره بزوالها؛ خاصة وأن أغلبها كان موجها لنقد القبيلة والتحامل عليها لدرجة الإساءة إليها ، وهذا ما خالف العرف السائد الذي يقضي بأن يكون شاعر القبيلة ملكا لها؛ يذود عنها ويذكر محاسنها ويعدد حروبها ويفخر بانتصاراتها، وهو الأمر الذي جعل شعر الصعاليك يضعف شيئا فشيئا إلى أن طمس وغاب منه الكثير، إلا ما قد تداركه و استخلصه الدارسون يجهد عسير من كتب التراجم المتناثرة.
وبالرغم من أن الشعراء الصعاليك قد استحدثوا مواضيع جديدة تخدمهم، وخرجوا في الكثير من الأحيان عن طرائق العرب ومنهجهم في نظم القصائد ونقصد مضمون القصيدة خاصة، إلا أنهم تناولوا بالمقابل مواضيع كانت موجودة عندهم ومتوارثة ومألوفة ولو بنسب متفاوتة فالوصف مثلا موضوع ليس بالجديد بل إن الشعر كله قائم عليه، وقد لجأ إليه الشاعر الصعلوك بكثرة في أشعاره؛ فوصف حياته والطبيعة التي تلفه كالصحاري وأنواع من النباتات والحيوانات والوحوش التي تعيش في بيئته، وكذلك بعض من صعلكته على القوافل وتهجمه عليها للظفر بما يسد رمقه ويكفيه شر جوعه وهو تعبير آخر عن رفضه للأوضاع التي تقوم على سيادة الأغنياء وأرباب القبيلة وامتلاكهم للثروات على حساب الفقراء من الطبقة الكادحة ولكي يتسنى لنا أن نستوعب قيمة الشعر الجاهلي كأدب مقاوم للقهر واضطهاد الحرية، وكأعظم احتجاج على الحضر قدمه الشعر الجاهلي، فإن علينا أن تربطه بالتغيرات التاريخية العميقة التي كانت قد ترسخت في المرحلة الجاهلية".
إن جميع الأفعال الصادرة عن الصعلوك هي تمرد ورفض لواقعه، وما الصعلكة إلا نتيجة للظروف الجائرة التي طبقت عليه، وزادت حدتها عليه لدرجة انفجاره، في محاولة منه لاسترداد كرامته المسلوبة وإثبات ذاته المهمشة المقصاة من كل مظاهر الحياة وتقرير المصير والمشاركة في برم عهود واتفاقيات القبيلة، فراح يعبر عن هذا في قصائده وأشعاره وعن عزة نفسه التي أبت الخنوع والانصياع وفضلت الخروج والانفصال وسكنت الحياة الفيافي والقفار على العيش ضمن قبيلة تنتهك حقوقه وتستهين بكرامته، وهذا أكثر ما تجلى في شعر الشعراء الصعاليك، فوصف الصحاري كان موضوعهم الذي برعوا فيه؛ لأنهم كانوا الأقرب لتلك البيئة من غيرهم، فهم يفترشون الرمال ويلتحفون الشمس ويعاشرون الحيوانات والوحوش بل يرونها أرحم وأكثر أنسا من الذين يحسبون من البشر، وقد كان هذا شغلهم الشاغل وموضوعهم الأساس في قصائدهم، فلا طلل يقفون عليه ولا ديار يبكونها.
يقول الشنفرى في لاميته معبرا عن هذا :
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فقد حمت الحاجات والليل مقمر
وفي الأرض منأى الكريم عن الأذى
العمرك ما في الأرض ضيق على امرئ
ولي دونكم أهلون سيد عملس
هم الأهل لا مستودع السر ضائع
فإني إلى قوم سواكم الأميل
وشدت لطيات مطايا وأرحل
وفيها لمن خاف القلي متعزل
سری راغبا أو راهبا وهو يعقل
وأرقط زهلول وعرفاء جيال
لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
يبين لنا الشنفرى من خلال أبياته طبيعة الحياة التي اختارها وارتاح في ظلها، بعيدا عن كل ما يعكر صفو عيشته، فقطيعته مع قبيلته كانت ضرورة حتمية لابد منها في ظل تلك الظروف البائسة، واستبدلها بالعيش في كنف العراء والطبيعة الوعرة والمناطق المهجورة النائية، فلا طلل ولا بقايا المنزل والديار لا تعنيه ولا حاجة له في أن يبدأ بها أشعاره، ولا وصف الناقة والرحلة يستهويه، فوصف الوحوش، " والحيوانات عنده أهم من ذلك وهو بهذا يخرج حتى من الناحية الشعرية عن الطريقة والنهج
الذي كانت تتبعه العرب في قرض الشعر من البداية بالمقدمة الطللية والبكاء عند الديار ووصف الناقة والراحلة"، كل هذه كانت بمثابة مقدسات بديهية قد اعتادت عليها العرب؛ بل إنها توارثتها جيلا بعد جيل ليأتي الشعراء الصعاليك بعد هذا فينسفونها نسفا في قصائد تستبدل كل هذا وتقلب موازين القصيدة وهيكلها وتطوعها بحسب حاجتهم هم إليها، لا كما تفرضه التقاليد الحاكمة التي توارثوها.