ج-الخمرة مظهر من مظاهر التجديد؟
وفي العصر العباسي كانت الدولة الإسلامية قد بسطت نفوذها في أقطار عديدة ففتحت أكبر عدد ممكن من البلدان والمدن التي تعج بالحانات والخمارات فأبقوا عليها لأهل الذمة، وقد كان للحضارة الفارسية واليونانية أيضا تأثيرا كبيرا على الحضارة الإسلامية وذلك بامتزاجهما ثقافيا، وتحلى ذلك في مظاهر الترف واللهو وحياة البذخ ومجالس الخمرة، وقد كان هذا باديا بشكل جلي في أشعارهم لاسيما وصف الخمرة والتغني بها، ولعل معاقرة الخمرة لم يكن بالأمر الجديد إذ كانت هناك نماذج قديمة متحفظة تناولتها فوصف الخمر قبل هذا العصر لم يكن فنا مستقلا عن فنون الشعر، وكان الشعراء يلمون به إلماما، ويتحدثون عنها في غير إغراق ولا إسراف" في قصائدهم، وكانت في أغلبها من شعراء متمردين تخطوا المعيار الأخلاقي والمبدأ الديني الذي حرم شربها.
وقد سار في هذا الاتجاه التمردي الذي بدأه امرؤ القيس شعراء كثيرون في العصر الأموي لكن على تفاوت وتنوع، وكان أبو محجن الثقفي من أوائلهم، فقد أصر على شرب الخمر رغم تحريمها، لكنه تاب فيما يروى، وتوقف عن شربها قبل أن يموت، وفي شعره القليل الذي وصل إلينا يؤكد على اللذة حتى الامتزاج بها، فيما يؤكد أن اللذة هي النار ويمكن من هذه الناحية أن يعد من بين الشعراء الأوائل الذين أعطوا للتمرد متجسدا في انتهاك المحرم، بعدا وجوديا، وبذلك أعطى ممارسة الخمرة معنى جديدا، نقلها من مستوى العادة إلى مستوى الرمز "
ومع العصر العباسي زاد اهتمام الشعراء وولههم بالخمرة فكان الأدباء في ذلك العصر يلجأون إلى الأديرة للسمر والقصف ومعاقرة الدنان حيث لا رقيب من شرطة ولا عسس، ومن حيث الخمور غير محرمة بل كثيرا ما كان يمنعها رهبان الأديرة، فكانت الصفة المميزة لشعرية أبي نواس هي صفة في الأسلوب، ناشئة من طرب الفنان بفته، فهي صفة تنتقل من النفس إلى اللفظ وإلى أية أداة أخرى إذا كان الفن غير فن الشعر، وهي صفة تدرك أكثر مما توصف، وتراها في كل باب من أبواب الشعر حتى باب الزهد فإن للفنان أيضا طربا بالزهد كطربه باللهو ".
وقد أصبح هذا النمط من الشعرية يتناول الخمرة في الكثير من القصائد حتى أصبحت فنا قائما بذاته، وانقسم أعلام الشعر في العصر العباسي على إثرها نوعان :
أحدهما؛ متحلل من كل القيود وخارج عن جميع التقاليد المتوارثة ومنغمس في الملذات، عاكف على الخمارات والحانات ودور اللهو والرقص والغناء، وهذا النوع قد قطع الصلة كليا بالبداوة وما تحمله من قيم وأعراف وتقاليد فنية وأخلاقية، وبين حياة التحضر والمحون. وقد أطلق هؤلاء الشعراء لألسنتهم العنان فراحوا يعبرون عن لهوهم وعبثهم في مقطوعات شعرية طويلة كانت أم قصيرة، راكبين من الأوزان أخفها وأقصرها ومنتقين من الألفاظ أعذبها وأسهلها للتعبير عن المنحى الرقيق الحلو الجزل.
أما بالنسبة للنوع الثاني؛ فقد كان أكثر التزاما وجدية وتمسكا بالنموذج القديم، مترفعة عن المبتذل البسيط؛ لاسيما في قصائد مدحهم للخلفاء، فهم يعمدون إلى الأسلوب الرصين والأوزان الطويلة المشبعة بمعاني الفخامة والإجلال، وهو الأمر الذي جعل شعراء المجون ينفرون من هذه الحياة الرسمية؛ لأنها تقيد حرياتهم وتمنع ذواتهم من التعبير بأريحية، فلم تكن مجالس الخلفاء تروق لهم ولا ملازمتهم تعنيهم؛ لأن فيها من التكلف والتصنع ما يقمعهم ويحبس أنفاسهم، لهذا كان من الحري الهروب إلى الخمارات وارتداد أماكن اللهو حيث يلتقون بأمثالهم وتتاح لهم فرصة ممارسة حرياتهم من غير كلفة ولاتصنع.
وقد كان للمقدمة الخمرية الحضور البارز في أشعار الكثير من قصائد الشعراء العباسيين، وقد نسبت في أكثرها إلى أبي نواس لتعلقه بها وقد تبعه آخرون ممن ساروا على طريقته فاستهلوا بها قصائدهم المدحية، ونورد في هذا المجال مقدمة لأبي نواس في مدحه للعباس بن الفضل بن الربيع وكيف استجاب معه غيره وشاركه في إرساء معالمها وإذاعة شهرتها يقول فيها: "
أما وصدود مخمور
فلما أن خشى الإلحا
بعينه عن الكاس
ح من صحب وجلاس
وألا يقبلوا عذرا
يكفي فاتر اللحظ
لنا منته مواعيد
تحساها مع الحاسبي
رحيم الدل مياس
بعينيه وبالراس
وقد اعتمد أبو نواس في مدائحه هذه بوصف الخمرة ومجالسها على الأوزان القصيرة العذبةالألفاظ ذلك لأنها أطوع وأخف وأيسر كما أنها تناسب الحال، وهو في أبياته يذكر كيف أنه شرب حد السكر والثمالة؛ غير أنه لم يرفض دعوة رفقائه لمشاركتهم الشرب أيضا فلا حالته منعته من الاستجابة لهم ولا بلوغ نشوتها عنده اكتمل.
وفي ظل هذه الظروف وانتشار مظاهر التمدن ضاعت المقدمة الطللية ووصف الصحراء والرحلة والناقة في خضم وصف الخمرة، وذلك هو مذهب التجديد الذي نلمسه أيضا في شعر مسلم بن الوليد عندما يستهل مدحته البالية الهاشم ابن عم يزيد القرشي فيصف مجالس لهوه التي يعكف عليها وخمرته التي يتفنن في شربها باختلاف أنواعها وروائحها وساقيها والكؤوس التي يفرغ له فيها، يقول :
لم أصح من لذة لا لا ولا طرب
وكيف يصح قرين اللهو واللعب
نفسی تنازعني اللذات دائية
كمليلة بتمسرورا ومغتبطا
إذا دعيت إلى لهو أحبت وإن
و شادن قال هاك الكأس قلت له
محجوبة عن عيون الناس ليس لها
فقام يسعى إلى دن فسللها
كأنها وصبيب الماء يقرعها
كانت ذخيرة دهقان يضين بها
لم يغذها بمصيف القيطبائعها
يدعى أباها ويغذاها فيا عجبا
كأنما ضمنت مسكا يفوح به
يكاد أن تتلاشى كلما مزجت
أو عنبر الهند أو طيبا من السحب
في الكأس لولا بقايا الربح والهبب
للبشر نافية للفكر والوصب
صرفا وتبدأ بعد الشرب بالنخب.
ولعل هذه نفس دعوة أبي نواس التي سعى إلى تجسيدها في شعره، إذ ينبغي على الشعراء العباسين أن يكونوا أبناء بيئتهم وزمنهم وأن يعيشوا حسب واقعهم بما يحمله من لذات ومتعة وبذخ وترف ونعم، يجب أن يفتتحوا بها قصائدهم ويعبروا عنها دون مراعاة للأعراف والتقاليد القديمة التي تثنيهم، وقد تعرض حازم القرطاجني إلى هذا التغيير بقوله: "وإذا كانت النفس تسأم الاستمرار مع الشيء البسيط الذي لا تنوع فيه، وتطلب غيره الذي يمكن أن يتصل به اتصالا يقضي على رتابة البساطة المتكررة، فلا بد لهذه النفس أن تعجب بالقصيدة التي تتركب من أكثر من غرض، خاصة إذا ترتبت الأغراض في نظام متشاكل وتأليف متناسب، فذلك أمر يوافق حب النقلة في النفس، ويوافق الإعجاب بكل ما هو منسجم العناصر أو متناوب التأليف".
وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى متغيرات العصر وما حدث فيه من تحولات تولد عنها صراعات بين المحافظين على القيم الجمالية القديمة وبين تيارات الحداثة المتطورة، إذ كان من الصعب أن تلتزم الشعرية في هذا العصر المتحضر بنمط واحد متكرر، فكان لابد من دخول أنماط أخرى أكثر اتساعا وشمولا لاحتواء هذه المدنية، وبالتالي ظهرت أشكالا متنوعة كالقصيدة المركبة، والمقطعة والبسيطة في الكثير من دواوين الشعراء العباسيين ، وقد تمكنوا بفضلها من تطويع أشعارهم للتعبير عن تجاربهم الشعرية الجديدة كما تجاوزوا الرحلة البرية ووصف الناقة وحيوان الوحش إلى الرحلة البحرية، ووصفوا عالم البحر وما يوحي به من دلالات وصوروا السفن وهي تشق عباب البحر يقودها الملاح صوب شاطئ الأمان، حيث الممدوح الذي أضفوا عليه فيما جديدة تتناسب وروح العصر، كما استمر الشكل التقليدي عند بعض الشعراء، والتزموا تقاليدها الفنية، مع التنويع في تشكيل الصورة الشعرية، وإضافة بعض الصيغ الفنية الجديدة في المقدمات أو الرحلة أو المدح، أوسوى ذلك، وهذا يعود إلى الظروف الموضوعية والذاتية التي كانت ظاهرة الإحساس بالعصر."