علاقة اللغة بالفكر هي: الإقرار فيما سلف باستناد الظاهرة اللغوية إلى خاصية الوضع والاصطلاح وهو أمر راسخ الثبوت في التراث العربي الإسلامي سواء كانت الألفاظ موضوعة إزاء الصور الذهنية، أي الصورة التي تصورها الواضع في ذهنه عند إرادة الوضع أم بإزاء الماهيات الخارجية، فإن ذلك يتضمن الإقرار أيضا بخاصية الاعتباط في الحدث اللغوي، لكنها خاصية تصحب المواضعة لحظة النشأة والتكوين فحسب ذلك أن الاعتباط تعسف من حيث هو متنزل في مبدأ الاقتران ومنطلق الاتصال، وما إن يطرد اتصال الدال في اللغة بمدلوله طبقا لتواتر الزمانية حتى يرتفع التحكم الأولي عند لحظة الاقتران الدلالي.
وتلازم الدوال لمدلولاتها المتولد من اطراد الاستعمال هو الذي يهيئ لعملية الفكر أن تكون، ذلك أن تكامل الصور الذهنية النائبة عن مراجعها مع دوالها الحسية، فضلا عن أنه يمكن الذهن من ممارسة عملية التفكير التي لا تتحقق إلا بتفاعل الدوال والمدلولات، يفسح المجال لكمال هذه الفعالية بوضع قواعد استخلاص المفاهيم والمجردات من الصور الفردية التي هي انعكاس لأعيان الأشياء، ثم يتيح لعمل الفكر المتحقق لغة أن يستبطن ذاته ويتأمل نفسه كما عرف في الثقافة العربية الإسلامية بحديث النفس.
وعملية التلازم إذ تتبلور أو ما تتبلور في تلازم الدال والمدلول على محور الاستبدال، كما عبر عن ذلك ابن سينا في قوله ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم ارتسم في النفس معنى، فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه، والعكس وارد إذ كلما حضر المدلول بالبال صحبه الدال، إلا أن عملية التلازم تبلغ أقصى درجات التفاعل في محور التوزيع، فيعمد الذهن إلى نضد الوحدات الدالة في لحمة متكاملة لتحقيق غايات الاتصال أو التعبير عموما، فتنتظم الوحدات انتظاما متفاعلا يطبع العبارة بطابع التفرد الدلالي والتوحد المعنوي.
ولقد كان من المسلم به في التراث العربي الإسلامي التمييز بين النطق الحادث في اللسان المتجسد في الصوت المعبر عما في النفس، والنطق النفسي، كما يقول الفارابي مدققا في معاني مصطلح منطق فيرى، أنه مشتق من النطق وهي لفظة دالة على معان منها الدلالة على القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير، والثاني القول المتمركز في النفس وهو المعقولات التي تدل عليها الألفاظ، أما النطق الداخلي عند الشهرستاني فيطلق على التمييز العقلي والتفكير النفساني والتصور الخيالي وهو معان مختلفة في ذهن الإنسان، ويتفق مع الفارابي في تعريف النطق الخارجي.
ويلزم مما سبق، عند قصد التعبير وإلباس الداخلي جسم الأصوات اللغوية، إحداث التطابق والتحاذي بين بنية العبارة المجسدة للنطق الخارجي وبنية، المنطوق، الداخلي المجسد للمعاني النفسية، ذلك أنه لم يرد بين تركيب الألفاظ وبين تركيب المعقولات فرق، من هنا يكون الفعل المجسد للوحدة المزدوجة المتقابلة متحققا في مستويين، يكون المستوى الظاهري فيهما انبثاقا من الباطن ومحاكاة له، وهذا بالقدر الذي يهيئ منطقيا ولغويا لطرح معضلة اللفظ والمعنى، بقدر ما يمهد لترسيخ فكرة التشاكل بين بنية الدوال الخارجية وبنية المدلولات الداخلية، يقول الفارابي متابعاً تأصيل هذه الفكرة بحيث يرى أنه يحصل تركيب الألفاظ شبيها بتركيب المعاني المركبة التي تدل عليها تلك الألفاظ المركبة، وتجعل في الألفاظ المركبة أشياء ترتبط بها الألفاظ بعضها إلى بعض متى كانت الألفاظ دالة على معان مركبة ترتبط بعضها ببعض، ويتحرى أن يجعل ترتيب الألفاظ مساويا لترتيب المعاني في النفس.
إن القصد إلى تحقيق مستلزمات وحدة الملفوظ والمعنى النفسي، يبدو جليا لدى غير الفارابي من منظري الثقافة العربية الإسلامية، فهي إذ تأخذ نفسها الأعمق لدى مزاولي العمل المنطقي والفلسفي، تجد لها الحضور الأكيد أيضاً عند غيرهم فقد شكلت أساسا بلور أصول التنظير لدى البعض كما هو الحال مع عبد القاهر الجرجاني الذي سيملي علينا شرط إيفائه حقه من التقصى وقفة متأنية في موقعها من البحث، أما عند ابن سينا فما دام المنطلق أيضا في ضبط الحاجة إلى القول هي الدلالة على ما في النفس، أصبح لزاما العلم بأن في الألفاظ والآثار التي في النفس ما هو مفرد وفيها ما هو مركب، والأمر فيها متحاذ متطابق ، لتستحيل المسألة لدى الشهرستاني إلى إقرار مبدئي باستحالة تحقيق الكلام المنطوق مع تصور الانتفاء النفسي، ويصبح مبدأ المطابقة لزوميا لتحقيق حدث الكلام فلولا مطابقة الألفاظ اللسانية معانيها النفسانية لم يكن كلاماً أصلاً، وهكذا يتولد من فعل المطابقة وحدة البعد الدلالي في العبارة الواحدة إذ يكون لكل عبارة خاصة مدلول خاص متميز عن سائر المدلولات وهذا أوضح ما تقرر ذلك أن أحد معني وحدة الكلام المركب كما يرى ابن رشد يتحقق إذا دل على معنى واحد.
يعمق هذا المجرى الملح على تحقيق التماثل بين بنيتي الدوال الخارجية والمدلولات الداخلية بقيامه على اقتناع مبدئي يقوم على تركيز وظيفة اللغة أساسا في استكشاف المعاني وجلائها، وهذا الأمر إذ يشكل مسلمة لدى الفلاسفة خاصة التي أملتها المنطلقات المنطقية التي مثلت قاعدة هؤلاء في مقاربة ظاهرة اللغة، كما تبدو راسخة لدى المتكلمين بشتى طوائفهم أيضا، مع رسوخ قضية الكلام النفسي، تماما كحضورها في البحث اللغوي الخالص الذي نجتزئ منه في الإلماح إلى هذه الظاهرة قول ابن فارس حيث يرى أن الاسم جعل تنويها ودلالة على المعنى وابن جني الذي يعتبر أن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعاني وحيطتها، فالمعنى إذن هو المكرم المخدوم واللفظ هو المبتذل الخادم، لتستحيل العلاقة بين الطرفين في رأيه إلى علاقة الوعاء بما يحتويه، ولعل مما يشفع لمثل هذه المواقف أنها لم تستهن ببنية الألفاظ وأن زاوية الرؤية المحكومة في ما سلف بقضية الوظيفة هي التي أملت مثل ما سبق، وسنجد لدى منظري التراث العربي الإسلامي الإلحاح المتكرر على فكرة التشاكل والتطابق بين المعاني والألفاظ.
غير أنه في بعض المواقف يتأسس بحث صلة الألفاظ بالمعاني على منظور يوازي بين القطبين، فيجزم مثلا أن الخلاف بين اللفظ والمعنى هو، أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي، وبهذا كان اللفظ بائدا على الزمان، لأن الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان لأن مستملي المعنى عقل، والعقل إلهي، ومادة اللفظ طينية، وكل طيني متهافت، وثبات المعنى على الزمان يأخذ صبغة شمولية تتجاوز الإنساني أيضاً، ذلك، أن كلام الملائكة إنما هو إشارات وإيماء، وكلام الناس عبارات وألفاظ، وأما المعاني فهي مشتركة بين الجميع، وتكون المصادرة في نهاية المطاف على ثنائية الحقيقة والثبوت الموسوم بهما المعنى النفسي، مقابل انعدامهما في النطق اللساني، وهذه الآراء بالإضافة إلى أنها محكومة بالإقرار بكون المعاني صوراً لمراجع لها الوجود الحق في الأعيان، فإنها تقوم على مسلمة تماثل المعاني المنطبعة في النفس لدى الجميع في حين تقوم الظاهرة اللغوية على التواضع والاصطلاح، ومن ثمة على الاختلاف والتباين وهذا لا يمنع تحقيق التطابق بين طرفي الدلالة، ذلك أن عملية إخراج الكلام النفسي إلى الوجود الفعلي لا تتم إلا عبر النطق اللساني، وأن التفكير الداخلي لا يتحقق إلا بواسطة الألفاظ.
وتأخذ المقارنة لدى الجاحظ بعداً آخر يقوم على التسليم بأن، المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة ، وعدم التكافؤ لا يمنع من تحقيق إمكان التعبير عن أي معنى يخطر بالبال بلفظ ملائم، ما دامت عملية التعبير نفسها تقوم على نضد ألفاظ في تركيب متضمن لمعنى، وتتكامل الوجوه المتعددة التي تتحقق بها الأشكال المختلفة للتراكيب مع قابلية الذهن لتفتيق شتى المعاني، لكن المقابلة لدى الجاحظ إذ تظل في حدود الدال والمدلول المفردين تقرر أنه، لا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له، لكن يبدو أن أمر هذه الكينونة نسبي وأن القطيعة ليست مطلقة، إذ أن هذه المعاني المختلجة في صدور الناس موجودة في معنى معدومة، ذلك أن الوجود الحق للمعنى لا يتحقق إلا في الحين الذي يتزين فيه بلبوس اللفظ.
ولكن ابن المدبر لا يخالجه الشك في تقرير أن المعاني وإن كانت كامنة في الصدور، فإنها مصورة فيها، ومتصلة بها، وهي كاللآلئ المنظومة في أصدافها، والنار المخبوءة في أحجارها، فإن أظهرته من أكنانه وأصدافه، تبين حسنه، كذا، وإن قدحت النار من مكامنها وأحجارها انتفعت بها، وإلا بقيت محجوبة مستورة، غير أنه يبدو لنا أن القول بكمون المعاني في الصدور لا يتطابق تماما مع وصفها بالاستقلال الذاتي عن الكلمات المعبرة عنها، ذلك أن كمون المعاني في الصدور ككمون النار في الحجارة لها خاصية الوجود بالقوة الذي يمر إلى الفعل بعامل الاقتداح أو التعبير، فكأن الوجود الحق يتم باقتداح شرارة المعنى باللفظ، وقد يدعم ذلك اعتماد ابن المدبر لتوضيح الفكرة ترداد ما شاع من تشبيههم المعنى الخفي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجسمان الظاهر، ومع ذلك نلمس لدى أولئك المنظرين وقفات تخفف من غلواء وسم مواقفهم بتأكيد الفصل دوما.